تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الثاني مراثي الأهل والإخوان

- تمثّل عليّ كرّم الله وجهه عند قبر فاطمة ﵍:

لكلّ اجتماع من خليلين فرقةوكلّ الذي دون الممات قليل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»
وإنّ افتقادي واحدا بعد واحددليل على أن لا يدوم خليل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فقدت أخلائي الذين سألتهم»

تروى لشقران السلاماني وأوّلها:

ذكرت أبا أروى فبتّ كأننيبردّ الهموم الماضيات كفيل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»

- وقال النابغة الذبيانّي:

حسب الخليلين نأي الأرض بينهماهذا عليها وهذا تحتها بال
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن جلا وأقمنا إنه لفتى»

- وقال بعض العرب يرثي قومه:

أبعد بني عمرو على دارة النّقايرجّى البنون أو تطيب الموارث
أرى الأرض مذ حلّوا ثراها بسيطةوقد قلبت عنها الجبال المواكث
وأستجدب الدار الخصيبة بعدهموفيها الغوادي والرياض الأثائث
لعمر الأكفّ الضارحات لحودهملقد زلّ عنهنّ النجوم الغوائث
لقد غادروني بعدهم لحمة العدىوطعمة ما تبغي الخصوم العوائث
أضام فلا يأوي لضيمي مانعوأظلم لا يأتي بصوتي غائث
وأعطي بكفّي للقليل من الأذىوقد كنت يخشاني الالدّ المماغث
وحيدا بنفسي لا ألايم منزلاكما اعتزل النسك النساء الطوامث
إذا ضافني همّ وضقت بذرعهظهرت بأين المصرخون المغاوث
ولا خير في فرع تجاذبه الصّباإذا ذهبت عنه الأصول اللوابث
ورثتكم الملح الأجاج على الصدىوإن قيل أثرى أو تمتع وارث
أمصغية أحداثكم فأزيزهامنادب فيها للدموع بواعث
وأصدر حاجات عنيت بحملهافقد يمحق الهمّ الأنيس المنافث
وما كنت أرضى بالغمام لتربكملو انبعثت عني العروق الفوارث
وإنّي مذ أمهلت نفسي بعدكمفواقا لمضعوف الوثيقة ناكث

- وقال صخر بن عمرو أخو الخنساء يرثي أخاه معاوية:

إذا ما امرو أهدى لميت تحيّةفحيّاك ربّ الناس عنّي معاويا
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وهوّن وجدي أنني لم أقل لهكذبت ولم أبخل عليه بماليا
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
وذي إخوة قطّعت أقران بينهمكما تركوني واحدا لا أخا ليا

- وقال آخر:

ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرىوبتّ بما زوّدتني متمتّعا
ولو أنني أنصفتك الودّ لم أبتخلافك حتى ننطوي في الثّرى معا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لندبك أحزان وسابق عبرة»

- وقال آخر:

أبعد الذي بالنعف نعف كويكبرهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنيوبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي

- وقال لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد:

لعمري لئن كان المخبّر صادقالقد رزئت في حادث الدهر جعفر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لعمري لئن كان المخبر صادقا»
أخ لي أمّا كلّ شيء سألتهفيعطي وأمّا كلّ شيء فيغفر
فإن يك نوء من سحاب أصابهفقد كان يعلو في اللقاء ويظفر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لعمري لئن كان المخبر صادقا»

- وقال دريد بن الصمّة:

تقول ألا تبكي أخاك وقد أرىمكان البكا لكن بنيت على الصبر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى»
فقلت أعبد الله أبكي أم الذيله الجدث الأعلى قتيل أبي بكر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى»
وعبد يغوث أو خليلي خالداوعزّ مصابا حثو قبر على قبر
أبى القتل إلا آل صمّة إنهمأبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى»
يغار علينا واترين فيشتفىبنا إن أصبنا أو نغير على وتر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى»
بذاك قسمنا الدهر شطرين بيننافما ينقضي إلا ونحن على شطر

- وقال دريد أيضا:

أعاذلتي كلّ امرىء وابن أمّهمتاع كوعد الراكب المتزوّد
أعاذل إنّ الرزء أمثال خالدولا رزء فيما أهلك المرء عن يد
دعاني أخي والخيل بيني وبينهفلما دعاني لم يجدني بقعدد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
فما زلت حتى جرّحتني رماحهموغودرت أكبو في القنا المتقصّد
قتال امرىء آسى أخاه بنفسهويعلم أنّ المرء غير مخلّد
قليل التشكّي للمصيبات حافظمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد

- وقال إبراهيم بن العباس يرثي ابنه:

كنت السواد لمقلةتبكي عليك وناظر
من شاء بعدك فليمتفعليك كنت أحاذر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كنت السواد لناظري»

وهو مأخوذ من قول أبي نواس:

طوى الموت ما بيني وبين محمدوليس لما تطوي المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيء عليه أحاذر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طوى الموت مابيني وبين محمد»

وقول الآخر:

أجاري ما أزداد إلا صبابةعليك وما تزداد إلا تنائيا
أجاري لو نفس فدت نفس ميّتفديتك مسرورا بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أن أملّاك حقبةفحال قضاء الله دون رجائيا
إلا ليمت من شاء بعدك إنماعليك من الأقدار كان حذاريا

- وقالت فاطمة بنت الأحجم:

قد كنت لي جبلا ألوذ بظلّهفتركتني أضحى بأجرد ضاح
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
قد كنت ذات حميّة ما عشت ليأمشي البراز وكنت أنت جناحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
فاليوم أخضع للذليل وأتّقيمنه وأدفع ظالمي بالراح
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
وأغضّ من بصري وأعلم أنهقد بان حدّ فوارسي ورماحي
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة

- وقالت صفية الباهلية:

كنا كغصنين في جرثومة سمقاحينا بأحسن ما يسمو له الشّجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهماوطاب فيئهما واستنظر الثمر
أخنى على واحدى ريب الزمان ومايبقي الزمان على شيء ولا يذر
فاذهب حميدا على ما كان من حدثفقد ذهبت وأنت السمع والبصر
للشاعر صفية الباهلية، اقرأ القصيدة
كنّا كأنجم ليل بينها قمريجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر

- كان المأمون يحب أخاه أبا عيسى بن الرشيد حبا شديدا ويعدّه للأمر بعده، فمات في سنة تسع ومائتين، فقال المأمون: حال القدر دون الوطر.

وصلّى عليه ونزل في قبره وبكى ساعة ثم مسح عينيه وتمثّل:

سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغضفحسبك مني ما تجنّ الجوانح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقمعلى أحد إلا عليك النوائح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وهي من أبيات لأشجع السلميّ قد ذكرتها في موضعها. ثم التفت إلى أحمد ابن أبي داود مستنطقا فقال: هيه يا أحمد، فتمثّل بقول عبدة بن الطبيب:

عليك سلام الله قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
تحية من أوليته منك نعمةإذا زار عن شحط بلادك سلّما
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

فبكى ساعة ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو فقال:

بكّوا حذيفة لن تبكّوا مثلهحتى تعود قبائل لم تخلق

قال: فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بينهم، فقالت: اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا، فقال المأمون: قولي فربّ صواب منك كثير، فقالت:

كذا فليجلّ الخطب أو يفدح الأمرفليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كأنّ بني العباس يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر

- لما دفن سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب وقف على قبره ينظر إليه ثم قال:

كنت لنا أنسا ففارقتنافالعيش من بعدك مرّ المذاق

ثم قرّب دابته فركب وقال:

وقوف على قبر مقيم بقفرةمتاع قليل من حبيب مفارق

ثم قال السلام عليك، ثم عطف دابته وقال:

فإن صبرت فلم ألفظك من شبعوإن جزعت فعلق منفس ذهبا

- وقال سليمان عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة:

إني لأجد في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين

وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا ثم أقبل عليهما وقال: لو لم أنزف هذه العبرة لا نصدعت كبدي، ثمّ لم يبك بعدها.

- قال أبو ذؤيب الهذلي:

يقولون لي لو كان بالرمل لم يمتنشيبة والطرّاق يكذب قيلها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت»
ولو أنني استودعته الشمس لارتقتإليه المنايا عينها ورسولها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت»

وقال معن بن زائدة يرثي ابن المقفّع:

كذبتك الودّ لم تقطر عليك دماعيني ولم تنقطع نفسي من الحزن
للشاعر نصيب الأصغر، اقرأ القصيدة

عزّى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: إنّه من طال عمره فقد الأحبّة، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.

وكتب محمد بن عيسى الكاتب إلى صديق له: من سرّه امتداد عمره، ساءته فجائع دهره، بفقد حميم أو طارق هموم، عادة للزمان مألوفة، وسنّة للحدثان معروفة، وأحق من سلّم للأقضية من وهب الله تعالى له جميل الاصطبار، فإن أصابته مصيبة تلقاها مصطبرا، وإن نابته نائبة وجدته محتسبا.

- لما مات ذرّ بن عمر بن ذرّ الهمذاني، وكان موته فجاءة، أتاه أهل بيته يبكونه فقال: ما لكم؟ إنّا والله ما ظلمنا ولا قهرنا، ولا ذهب لنا بحقّ، ولا

أخطىء بنا، ولا أريد غيرنا، وما لنا على الله معتب. فلما وضعه في قبره قال:

رحمك الله يا بنيّ، والله لقد كنت بي بارّا، ولقد كنت عليك حدبا، وما بي إليك من وحشة، ولا لي إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعزّ، ولا أبقيت علينا من ذلّ. ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. يا ذرّ لولا هول المطّلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري يا ذرّ ماذا قيل لك وماذا قلت؟ ثم قال: اللهمّ إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذرّ، اللهمّ فعلى ذرّ صلواتك ورحمتك، اللهمّ إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذرّ لذرّ صلة منّي له؛ فلا تعرفه قبيحا وتجاوز عنه فإنك أرحم الراحمين. اللهمّ وإني قد وهبت لذرّ إساءته إليّ فهب له إساءته إليك، فإنك أجود مني وأكرم. فلما ذهب لينصرف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك.

- وقال شاعر:

إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكاأجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا»
فإن ينقطع منك الرجاء فإنهسيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «تعذب قلبي غادة ذات صولة»

- وقال هشام أخو ذي الرمّة:

تعزّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين ملان مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
نعى الركب أوفى حين آبت ركابهملعمري لقد جاءوا بشرّ فأوجعوا
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
نعوا باسل الأفعال لا يخلفونهتكاد الجبال الشمّ منه تصدّع
فلم ينسني أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع

- وقال حريث بن زيد الخيل:

ألا بكر الناعي بأوس بن خالدأخي الشّتوة الغبراء والزمن المحل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة
فلا تجزعي يا أمّ أوس فإنهتصيب المنايا كلّ حاف وذي نعل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة
ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعةولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة

والبيت الأخير يروى للشمردل بن شريك.

- ومثله لنهشل بن حريّ:

أغرّ كمصباح الدجنة يتقيقذى الزاد حتى تستفاد أطايبه
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
وهوّن وجدي عن خليلي أنهإذا شئت لاقيت امرءا مات صاحبه
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهدكما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

- وروي أنّ الاسكندر كتب إلى أمه قبل وفاته بقليل: إذا وصل إليك كتابي هذا فاجمعي أهل بلدك، وأعدّي لهم طعاما، ووكّلي بالأبواب من يمنع من أصابته مصيبة في أب أو أمّ أو أخ أو أخت أو ابن أو أهل أو حبيب أو صديق من حضور ذلك الطعام، ولا يحضرنه إلّا من لم يصب بمصيبة قط في أحد. فلما ورد الكتاب عليها أمرت بالطعام فاصطنع، ووكلت بالأبواب قوما لا يأذنون لأحد إلّا بعد أن يسألوه عن مصابه في أهله وناسه، فصدر الناس ولم

يبق أحد. فلما رأت ذلك تعزّت وصبرت وأيقنت بالحال وقالت: إنّ الاسكندر عزّاني عن نفسه.

لما مات العباس بن المأمون جزع عليه المعتصم جزعا شديدا وامتنع من الطعام، وأمر أن لا يحجب عنه أحد للتعزية. فدخل أعرابيّ في غمار الناس فأنشده:

اصبر نكن لك تابعين وإنماصبر الجميع بحسن صبر الراس
خير من العباس أجرك بعدهوالله خير منك للعباس
للشاعر الورغي، اقرأ القصيدة

فتسلى ودعا بالطعام.

كذا وجدت الخبر وأظنّه سهوا، فإنّ العباس مات في حبس المعتصم، فكيف يجزع عليه هذا الجزع وهو كان المتّهم بقتله، وخبره حيث أراد الفتك بالمعتصم ومواطأة عجيف عليه مشهور، وأظنّه العبّاس بن الفضل بن الربيع، والمعزّى به أبوه.

- وقال البراء بن ربعي:

أبعد بني أمّي الذين تتابعواأرجّي الحياة أم من الموت أجزع
ثمانية كانوا ذؤابة قومهمبهم كنت أعطى ما أشاء وأمنع
أولئك إخوان الصفاء رزئتهموما الكفّ إلا إصبع ثم إصبع

- وقال الغطمّش الضبيّ:

إلى الله أشكو لا إلى الناس أننيأرى الأرض تبقى والأخّلاء تذهب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي»
أخلّاي لو غير الحمام أصابكمعتبت ولكن ما على الدهر معتب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إلى الله أشكو لا إلى الناس أشتكي»

- وقال أرطأة بن سهيّة المرّي:

هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائحمع الركب أم غاد غداة غد معي
وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكنوقوفي عليه غير مبكى ومجزع
عن الدهر فاصفح إنه غير منتهوفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

- وقال آخر:

عجبت لصبري بعده وهو ميّتوكنت له أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلّهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «هو الدهر لا يشوي وهن المصائب»

وقال رجل يرثي أباه:

تحلّ رزيّات وتغزو مصائبولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر
لقد عركتنا للزمان ملمّةأذمّت بمحمود الجلادة والصبر

- لما أتى معاوية موت عتبة أخيه تمثّل:

إذا سار من خلف امرىء وأمامهوأوحش من أصحابه فهو سائر

فلما أتاه موت زياد تمثل:

وأفردت سهما في الكناية واحداسيرمى به أو يكسر السهم كاسر

- تمثلت عائشة عند قبر عبد الرحمن بن أبي بكر بقول متمم بن نويرة:

وكنّا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
وعشنا بخير في الحياة وقبلناأصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فلمّا تفرّقنا كأني ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

- وروي أنّ متمما صلّى مع أبي بكر ﵁ الفجر في عقب قتل أخيه، فلما صلّى أبو بكر قام متمم بحذائه فاتكأ على سية قوسه ثم قال:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحتخلف البيوت قتلت يا ابن الأزور
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، من قصيدة «نعم القتيل إذا الرياح تناوحت»
أدعوته بالله ثم غدرتهلو هو دعاك بذمة لم يغدر

وكان خالد بن الوليد أمر ضرار بن الأزور بقتله، في خبر طويل وأومأ متمم إلى أبي بكر فقال أبو بكر: والله ما دعوته ولا غدرته. ثم أتمّ شعره فقال:

لا يمسك الفحشاء تحت ثيابهحلو شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع كنت وحاسراولنعم مأوى الطارق المتنوّر

ثم بكى وانحطّ على سية قوسه، وكان أعور دميما، فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: لوددت أني أشعر فكنت أرثي أخي زيدا مثلما رثيت به أخاك مالكا. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أنّ أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزّاني أحد عن أخي بمثل تعزيته. وجاء في لفظ آخر: إن أخي قتل في عميته.

وروي أنّ متمما رثى زيدا أخا عمر فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيدا كما رثيت مالكا فقال: إنه والله ليحركني لمالك ما لا يحركني لزيد.

- وقال متمم يرثي مالكا أيضا:

جميل المحيّا ضاحك عند ضيفهأغرّ جميع الرأي مشترك الرّحل
وقور إذا القوم الكرام تقاولوافحلّت حباهم واستطيروا من الجهل
وكنت إلى نفسي أشدّ حلاوةمن الماء بالماذي من عسل النحل
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
وكلّ فتى في الناس بعد ابن أمهكساقطة إحدى يديه من الخبل
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
وبعض الرجال نخلة لا جنى لهاولا ظلّ إلا أن تعدّ من النخل
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

- وقال لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد وأحرقته صاعقة، وخبره في موضع آخر:

أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السّماك والأسد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»
فجّعني البرق والصواعق بالفارس يوم الكريهة النجد
يا عين هلّا بكيت أربد إذقمنا وقام العدوّ في كبد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»
ما إن تعريّ المنون من أحدلا والد مشفق ولا ولد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ما إن تعري المنون من أحد»

- وقال أيضا:

يا أربد الخير الكريم جدودهغادرتني أمشي بقرن أعضب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»
إنّ الرزية لا رزية مثلهافقدان كلّ أخ كضوء الكوكب
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طرب الفؤاد وليته لم يطرب»

- وقال رجل من قريش تتابع له بنون:

لقد شمت الأعداء بي وتغيرتعيون أراها بعد موت أبي عمرو
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
تجرا عليّ الدهر لما فقدتهولو كان حيا لا جترأت على الدهر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وقاسمني دهري بنيّ مشاطرافلما توفّى شطره مال في شطري

- وقال أبو ذؤيب الهذلي يرثي بنيه وتتابعوا:

أمن المنون وريبها تتوجّعوالدهر ليس بمعتب من يجزع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
قالت أمامة ما لجسمك شاحبامنذ ابتدلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعاإلا أقضّ عليك ذاك المضجع
فأجبتها اما لجسمي إنهأودى بنيّ من البلاد فودّعوا
أودى بنيّ وأعقبوني حسرةبعد الرقاد وعبرة ما تقلع
فالعين بعدهم كأنّ حداقهاسملت بشوك فهي عور تدمع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهمفتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كلّ تميمة لا تنفع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
وتجلّدي للشامتين أريهمأني لريب الدهر لا أتضعضع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

- كان لزهير بن أبي سلمى ابن يقال له سالم، جميل الوجه، حسن الثغر، وبعث إليه رجل ببردتين فلبسهما الفتى وركب فرسا، فمرّ بامرأة من العرب فقالت: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا ولا بردتين ولا فرسا، فعثرت به الفرس فاندقّ عنق الفرس وعنق سالم وانشقّت البردتان، فقال زهير يرثي ابنه سالما:

رأت رجلا لاقى من العيش غبطةسلامة أعوام له وغنائم
فأصبح محبورا ينظر حولهبمغبطة لو أنّ ذلك دائم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «رأت رجلاً لاقى من العيش غبطة»
وعندي من الأيام ما ليس عندهفقلت تعلّم إنما أنت حالم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «رأت رجلاً لاقى من العيش غبطة»
لعلك يوما أن تراعي بفاجعكما راعني يوم النّساءة سالم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «رأت رجلاً لاقى من العيش غبطة»

- وقالت ليلى الأخيلية:

آليت أبكي بعد توبة هالكاوأحفل من دارت عليه الدوائر

- وقالت امرأة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها:

أبكيك لا للنعيم والأنسبل للمعالي والرمح والفرس
للشاعر لبانة بنت ريطة بن علي، اقرأ القصيدة
أبكي على فارس فجعت بهأرملني قبل ليلة العرس
يا فارسا بالعراء مطّرحاخانته قوّاده مع الحرس
للشاعر لبانة بنت ريطة بن علي، اقرأ القصيدة
من لليتامى إذا هم شغبواوكلّ عان وكلّ محتبس
أمّن لبّر أمّن لفائدةأمّن لذكر الإله في الغلس

وقالت الذلفاء بنت الأبيض ترثي زوجها وابن عمها نجدة:

يا قبر نجدة لم أهجرك مقليةولا سلوتك عن صبر ولا جلد
لكن بكيتك حتى لم أجد مددامن الدموع ولا عونا على الكمد
وأيأستني جفوني من مدامعهافقلت للعين جودي من دم الكبد
فلم أزل بدمي أبكيك جاهدةحتى بقيت بلا روح ولا جسد

وقالت أيضا ترثيه:

سئمت حياتي يوم فارقت نجدةورحت وماء العين ينهلّ هامله
ولم أر مثل الموت للنفس راحةيعاجلها من بعده أو تعاجله

- وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄:

آليت لا تنفكّ عيني حزينةعليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتىأكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
إذا أشرعت فيه الأسنّة خاضهاإلى الموت حتى يترك الجون أشقرا

وكان عبد الله بن أبي بكر يجد بعاتكة وجدا شديدا، فاجتاز به أبوه راجعا من الجمعة وعبد الله يناغيها، فقال: يا عبد الله أجمعت؟ قال: أوصلّى الناس؟

قال: نعم؛ وقد كانت شغلته عن سوق وتجارة كان فيها، فقال له أبو بكر: قد شغلتك عاتكة عن المعاش والتجارة، وقد ألهتك عن فرائض الله، طلّقها، فطلّقها تطليقة، وتحوّلت إلى ناحية الدار، فبينا أبو بكر يصلّي على سطح له في الليل إذ سمعه وهو يقول:

أعاتك لا أنساك ما ذرّ شارقوما ناح قمريّ الحمام المطوّق
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
لها خلق جزل ورأي ومنصبوخلق سويّ في حياء ومصدق
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلهاولا مثلها في غير شيء تطلّق
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة

فرق له أبو بكر وقال: يا عبد الله راجع عاتكة، فقال: أشهدك أني قد راجعتها.

وأشرف على غلام له يقال له أيمن فقال: يا أيمن أنت حرّ لوجه الله، أشهدك أني قد راجعت عاتكة. ثم خرج يجري إليها وأعطاها حديقة حين راجعها على أن لا تتزوّج بعده.

فلما قتل عبد الله من السّهم الذي أصابه بالطائف خطبها عمر بن الخطّاب فذكرت له أمر الحديقة فاستفتى لها عليّ بن أبي طالب فقال: ردّي الحديقة على أهله وتزوّجي، ففعلت. دعا عمر ﵁ جماعة من أصحاب النبي ﵇ فيهم عليّ بن أبي طالب، فقال له عليّ: إنّ لي إلى عاتكة حاجة أريد أن أذكّرها إياها، فقل لها تستتر حتى أكلّمها. فقال لها عمر: استتري يا عاتكة فإنّ ابن أبي طالب يريد أن يكلّمك، فأخذت مرطها فلم يظهر منها إلا ما بدا من براجمها، فقال يا عاتكة:

فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينةعليك ولا ينفكّ جلدي أصفرا

فقال له: يرحمك الله، وما أردت إلى هذا؟ فقال علي: وما أرادت إلى أن

تقول ما لا تفعل، وقد قال الله ﷿: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ

(الصف:) هذا شيء كان في نفسي أحببت أن يخرج، فقال عمر:

ما حسّن الله فهو حسن.

ولما قتل عنها عمر تزوجت الزبير بن العوّام، فلما قتل تزوجت بعده الحسين ابن علي، فكانت أوّل من رفع خدّه من التراب يوم قتل. وتأيّمت بعده فخطبها مروان بن الحكم فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله ﷺ. ولها في كلّ واحد من أزواجها مراث مشهورة.

ولما قتل عنها الزبير خطبها عليّ ﵇ فقالت: إني لأضنّ بك يا ابن عمّ رسول الله عن القتل. وكان عبد الله بن عمر يقول من أراد الشهادة فليتزوّج عاتكة.

كاتب: ولكنّه أمر الله الذي لا مدفع له، وحكمه الذي لا حيف فيه، وقدره الذي سوّى فيه بين عباده، فليس للساخط فيه عتبى، ولا للراضي منه منجى، وليس إلا الانقياد فيه لنازل القضاء. جعلك الله ممّن يتلقّى أمره بالقبول، وأقداره بالتسليم، وأصحبك في هذه الحال وفي كلّ حال التوفيق والتسديد حتى تجوز في المحنة ثواب الصابرين، وفي النعمة مزيد الشاكرين.

آخر: أعقبك الله من فراقه عظيم الثواب، وأعقبه من دنياه حسن المآب.

- لما قتل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن وحمل رأسه إلى المنصور، أنفذه المنصور مع الربيع إلى أبيه وعميّه إدريس ومحمد، وكانوا في حبسه، فوضعه

بين أيديهم، وكان أبوه عبد الله قائما يصلّي، فقال له محمد: أوجز في صلاتك، فأوجز وسلّم وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال: أهلا وسهلا يا أبا القاسم، والله لقد كنت من الذين قال الله فيهم الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

(الرعد:) ثمّ قبّله وأنشد:

فتى كان يحميه من العار سيفهويكفيه سوءات الأمور اجتنابها

ثم قال للربيع: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والملتقى بين يدي الله في غد، فما رؤي في المنصور انكسار مثل ذلك اليوم.

- لأمّ معدان الأنصارية:

لا يبعد الله فتيانا رزئتهمبانوا لوقت مناياهم فقد بعدوا
أضحت قبورهم شتّى ويجمعهمزوّ المنون ولم يجمعهم بلد
ميت بمصر وميت بالعراق وميت بالحجاز منايا بينهم بدد
للشاعر فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، اقرأ القصيدة
رعوا من المجد أكنافا إلى أجلحتى إذا بلغت أظماوهم وردوا
كانت لهم همم فرّقن بينهمإذا القعادد عن أمثالها قعدوا
فعل الجميل وتفريج الجليل وإعطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد

وقال الأصمعي: دفعت يوما في تلمّسي بالبادية إلى واد خلاء لا

أنيس به إلا بيت معتنز، بفنائه أعنز، وقد ظمئت فيمّمته فسلّمت فإذا عجوز قد برزت كأنّها نعامة راخم، فقلت: هل من ماء؟ فقالت: أو لبن؟ فقلت: ما كانت بغيتي إلا الماء فإذا يسّر الله اللبن فإني إليه فقير. فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظّفته وغسلته، ثم جاءت إلى الأعنز فتغبّرتهنّ حتى احتلبت قراب ملء القعب ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته كأنها غمامة بيضاء، ثم ناولتني إياه فشربت حتى تحببت ريّا واطمأننت فقلت: إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش، والحلّة منك قريب، فلو انضممت إلى خبائهم فأنست بهم، قالت: يا ابن أخي، إني لآنس بالوحشة وأستريح إلى الوحدة، ويطمئنّ قلبي إلى هذا الوادي الموحش، فأتذكر من عهدت، فكأني أخاطب أعيانهم، وأتراءى أشباحهم، وتتخيّل إليّ أندية رجالهم، وملاعب ولدانهم، ومندّى أموالهم. والله يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللديدين بأهل أدواح وقباب، ونعم كالهضاب، وخيل كالذئاب، وفتيان كالرماح، يبارون الرياح، ويحمون الصباح، فأحال عليهم الجلاء قما بغرفة، فأصبحت الآثار دارسة، والمحالّ طامسة، وكذلك سيرة الدهر في من وثق به. ثم قالت: ارم بعينيك في هذا الملأ المتباطن، فنظرت فإذا قبور نحو من أربعين أو خمسين؛ فقالت: أترى تلك الأجداث؟ قلت: نعم. قالت: ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ أو عمّ أو ابن عمّ، فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض، وأنا أنتظر ما غالهم. انصرف راشدا يرحمك الله.

الغريب:- المعتنز: المنفرد، والراخم: التي تحضن بيضها، وتغبرتهن:

احتلبت الغبر وهو بقية اللبن في الضرع وجمعه أغبار، وقراب وقريب واحد مثل كبار وكبير، والثمالة: الرغوة، وتحببت: امتلأت، والمندّى: المكان الذي يندّى فيه المال، وبشع: ملآن، واللديدان: الجانبان، وقما: كنسا، والقمامة:

الكناسة والمقمّة: المكنسة، والغرفة: الواحدة من الغرف وهو ضرب من الشجر، والمتباطن: المتطامن، وألمأت عليهم: احتوت عليهم، وتلمأت عليه

الأرض استوت عليه ووارته.

دخل قوم على سليمان بن علي يعزّونه بمصيبة نالته فكثر كلامهم فقال سليمان: إنما أموالنا وأنفسنا من مواهب الله الحسنة وعواريه الجميلة، نمتّع بما أمتع منها في سرور وغبطة، ونسلب ما سلب منها بأجر وحسبة، فمن غلب جزعه صبره حبط أجره.

قال عبد الله بن يعقوب بن داود: جاءنا سفيان بن عيينة يعزّي أبي عن عمّي فقال:

كيف أعزّيك والأحداث مقبلةفيها لكلّ امرىء في نفسه شغل

فقال له أبي: يعزّي من بلغت النّوبة إليه وأنشد:

وما أنا بالمخصوص من بين من ترىولكن أتتني نوبتي في النوائب

مسلمة الجعفي:

فتى لا يعدّ المال ربّا ولا ترىبه جفوة إن نال مالا ولا كبرا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فتى كان يدنيه الغنى من صديقه»
وكنت أرى نأيا به بين ليلةفكيف ببين صار ميعاده الحشرا

- كلثوم بن عمرو العتابي:

غرّ من ظنّ أن يفوت المناياوعراها قلائد الأعناق
أيّنا قدّمت سهام المنايافالذي أخّرت سريع اللحاق

- ندبت أعرابية ابنها فقالت: لم يكن مالك لبطنك، ولا برّك لعرسك.

- أبّنت الخنساء أخاها صخرا فقالت: لقد كان كريم الجدين، واضح الخدين، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.

- جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك.

- مات عبد الله بن مطرّف فخرج مطرّف في ثياب حسنة وقد ادّهن، فأنكروا عليه، قال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي عليها ثلاثا إحداهنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

(البقرة:).

سمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره، فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره.

- عزّت أعرابية قوما فقالت: جافى الله عن ميتكم الثرى، وأعانه على طول البلى، وآجركم ورحمه.

- الرضي:

ولا عجب أن تمطر العين فوقهفإنّ سواد العين فيه دفين
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ألا مخبر فيما يقول جلية»

- وقال أبو خراش الهذليّ:

تقول أراه بعد عروة لاهياوذلك رزء لو علمت جليل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فلا تحسبي أني تناسيت عهدهولكنّ صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلناخليلا صفاء مالك وعقيل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

- وقال الخريمي:

تذكّرني شمس الضحى نور وجههفلي لحظات نحوها حين تطلع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّةوسهم المنايا بالذخائر مولع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
وإني وإن أظهرت مني جلادةوصانعت أعدائي عليه لموجع
ملكت دموع العين حين رددتهاإلى ناظري وأعين القلب تدمع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيتهعليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وأيقنت أنّ الحيّ لا بدّ هالكوأنّ الفتى في أهله لا يمتّع

- وقال مسلم بن الوليد في إسماعيل بن جامع:

وإني وإسماعيل يوم فراقهلكالغمد يوم الرّوع فارقه النصل
فإن أغش قوما بعده أو أزرهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل

- وقال كعب بن سعد الغنويّ يرثي أخاه أبا المغوار:

تقول سليمى ما لجسمك شاحباكأنك يحميك الشراب طبيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
تتابع أحداث ذهبن بجدّتيوشيّبن رأسي والخطوب تشيب
أتى دون حلو العيش حتى أمرّهنكوب على آثارهنّ نكوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
لعمري لئن كانت أصابت مصيبةأخي والمنايا بالرجال شعوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
لقد كان أما حلمه فمروّحعلينا وأما جهله فعزيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
حليم إذا ما زيّن الحلم أهلهمع الحلم في عين العدوّ مهيب
هوت أمّه ما يبعث الصبح غادياوماذا يؤدّي الليل حين يؤوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
أخ كان يكفيني وكان يعيننيعلى نائبات الدهر حين تنوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
هو العسل الماذيّ حلما ونائلاوليث إذا يلقى العدوّ غضوب
فتى لا يبالي أن يكون بوجههإذا حاز خلّات الكرام شحوب
أخو القوم لا باغ عليهم بفضلهولا مزمهرّ في الوجوه سبوب
كعالية الرمح الردينيّ لم يكنإذا ابتدر القوم النهاب يصيب
يبيت الندى يا أمّ عمرو ضجيعهإذا لم يكن في المنديات حليب
إذا ما تراءاه الرجال تحفّظوافلم تنطق العوراء وهو قريب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
فتى أريحيّ كان يهتزّ للندىكما اهتزّ من ماء الحديد قضيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
حليف الندى يدعو الندى فيجيبهسريعا ويدعوه الندى فيجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة

وقالت أعرابية:

لقد كنت أخشى لو تملّيت خشيتيعليك الليالي مرّها وانفتالها
للشاعر حليمة الحضرية، اقرأ القصيدة
فأمّا وقد أصبحت في قبضة الرّدىفشأن المنايا فلتصب ما بدا لها
للشاعر حليمة الحضرية، اقرأ القصيدة

- وأنشد الأصمعيّ لامرأة من العرب:

طوى الدهر ما بيني وبين أحبّةبهم كنت أعطى ما أشاء وأمنع
فلا يحسب الواشون أنّ قناتناتلين ولا أنّا من الموت نجزع
ولكنّ للألّاف لا بدّ لوعةإذا جعلت أقرانها تتقطّع

وقال آخر:

أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلةولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبّرت مغلوبا وإني لموجعكما صبر العطشان في البلد القفر
للشاعر راشِد بن إسحاق، اقرأ القصيدة
وما كان لي حظّ من الدهر غيرهفويحي على فقدان حظي من الدهر

- وقال أراكة يرثي ابنه عمرا:

لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضىبه الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الجفون بأسرهوإن كنت تمريهنّ من لجج البحر
تأمّل فإن كان البكا ردّ هالكاعلى أحد فاجهد بكاك على عمرو
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «تَأَمَّلْ فإنْ كان البُكا رَدَّ هَالِكاً»

- لما مات ابن عمر بن عبد العزيز خطب عمر الناس فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتما واجبا على عباده، فسوّى فيه بين قويّهم وضعيفهم، ورفيعهم ودنيّهم، فقال ﵎: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ

(آل عمران:

) فليعلم ذوو النهى منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم، واعلموا أنّ لله مسألة فاحصة قال ﵎: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ

(الحجر:).

- قال محمد بن عبد الله العتبي يذكر ابنا له مات:

أضحت بخدّي للدموع رسومأسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
والصبر يحمد في المواطن كلّهاإلا عليك فإنه مذموم

وهذا معنى متداول، وقد المّ به أبو تمام فقال:

وقد كان يدعى لابس الصبر حازمافأصبح يدعى حازما حين يجزع

- رأى الحجاج في منامه أنّ عينيه قلعتا فطلّق الهندين: هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه فقال: هذا والله تأويل رؤياي ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد. وقال:

حسبي بقاء الله من كلّ ميّتوحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضيافإنّ شفاء النفس فيما هنالك

وقال من يقول شعرا يسلّيني به؟ فقال الفرزدق:

إنّ الرزية لا رزية مثلهافقدان مثل محمّد ومحمد
ملكين قد خلت المنابر منهماأخذ الحمام عليهما بالمرصد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن الرزية لا رزية مثلها»

فقال: لو زدتني، فقال الفرزدق:

إني لباك على ابني يوسف جزعاومثل فقدهما للدين يبكيني
ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهماإلا الخلائف من بعد النبيين

فقال ما صنعت شيئا إنما زدت في حزني، فقال:

لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةتكون لمحزون أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهمجناحاه لما فارقاه فودّعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّهاواغنى ابنه أهل العراقين أجمعا
جناحا عقاب فارقاه كلاهماولو نزعا من غيره لتضعضعا

قال: الآن.

- قال الرضي أبو الحسن الموسوي:

برد القلوب بمن نحبّ بقاءهمما يجرّ حرارة الأكباد
يا ليت أني ما اتخذتك صاحباكم قنية جلبت أسى لفؤادي

وأبيات الرضيّ هذه من عيون المراثي، ومنها:

مما يطيل الهمّ أنّ أمامناطول الطريق وقلّة الأزواد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
ولقد كبا طرف الرقاد بناظريأسفا عليك فلا لعا لرقادي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
من للبلاغة والفصاحة إن همىذاك الغمام وعبّ ذاك الوادي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
من للملوك تحزّ في أعدائهابظبا من القول البليغ حداد
من للممالك لا يزال يلمّهابسداد أمر ضائع وسداد
من للجحافل يستزلّ رماحهاويردّ رعلتها بغير جلاد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
من للموارق يسترق قلوبهابزلازل الإبراق والإرعاد
وصحائف فيها الأراقم كمّنمرهوبة الإصدار والإيراد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
ويكون سوطا للحرون إذا ونىوعنان عنق الجامح المتمادي
ريّ الخدود من المدامع شاهدإنّ القلوب من الغليل صواد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
ضاقت عليّ الأرض بعدك كلّهاوتركت أضيقها عليّ بلادي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»

- وله يرثي أبا عبد الله ابن الحجاج:

وكم صاحب كمناط الفؤادعناني من يومه ما عناني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»
قد انتزعت من يديّ المنونولم يغن ضمّي عليه بناني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»
فزل كزيال الشباب الرّطيب خانك يوم لقاء الغواني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»
ليبك الزمان طويلا عليكفقد كنت خفّة روح الزمان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نعوه على ضن قلبي به»

- عزّى العباس بن الحسن العلوي رجلا فقال: إني لم آتك شاكا في عزمك، ولا زائدا في علمك، ولا متّهما لفهمك، ولكنه حقّ الصديق، وقول الشفيق، فاسبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر، يحسن لك الذخر، ويكمل لك الأجر.

- وكان أبو بكر ﵁ إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة، والموت أشدّ ما قبله وأهون ما بعده، واذكروا فقد رسول الله ﷺ، تذلّ عندكم مصيبتكم، وعظّم الله أجركم.

- وكتب إبراهيم بن المهدي في تعزية: أما الصبر فمصير كلّ ذي مصيبة، غير أنّ الحازم يقدّم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك إلى السلوة فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو ان الثواب الذي جعل الله تعالى لنا على الصبر كان لنا على الجزع لكان ذلك أثقل علينا، لأنّ جزع الإنسان قليل وصبره طويل، والصبر في أوان الجزع أيسر مؤونة من الجزع بعد السّلوة.

- وقال ابن الرومي:

شجى أن أروم الصبر عنك فيلتويعليّ ولؤم أن يساعدني الصبر
فيا حسرتا ألّا سلوّ يطيعنيويا سوءتا من سلوتي إنها غدر

قال ابن السماك: كان يجلس إليّ رجل مسنّ فبلغتني شكايته فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أمّ له عجوز كبيرة، ولم أكن أظنّ أنّ له أمّا يومئذ. قال: فجعلت تنظر إليه حتى أغمض وعصّب وسجّي. قال: ثم قالت: رحمك الله قد كنت بنا برّا وعلينا شفيقا، فرزق الله عليك الصبر، وقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام، لا حرمك الله ما أمّلت من رحمته، وأحسن عنك العزاء. قال: ثم نظرت إليّ فقالت: أيها القاعد قد رأيت واعظا ونحن معك، ولو بقي أحد لأحد لبقي، فقلت في نفسي: تقول لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت: لبقي رسول الله ﷺ وآله لأمته. فخرجت وأنا أقول: ما رأيت

امرأة أجزل منها ولا أجلّ.

- لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه أمّ جعفر فقالت: يا أمير المؤمنين أهنيك بخلافة قد هنأت بها نفسي عنك قبل أن أراك، ولئن فقدت ابنا خليفة لقد عوّضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك، فأسأل الله تعالى أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما وهب.

- ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون إلى أمّه يعزيها فيه فقال: يا أمّه لا تحزني على الفضل فإني خلف لك منه، فقالت له: وكيف لا أحزن على ولد عوّضني خلفا مثلك؟ فتعجّب المأمون من جوابها، وكان يقول: ما سمعت جوابا قط كان أحسن منه ولا أخلب للقلب.

- مرّ رجل بامرأة من غاضرة وإذا ابن لها مسجّى بين يديها وهي تقول: يرحمك الله يا بنيّ، فو الله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك، ولقد كنت لي ليّن العطفة، يرضيك أقلّ مما يسخطك. قال، فقلت لها: يا أمه ألك منه خلف؟ قالت: بلى ما هو خير منه، ثواب الله تعالى والصبر على المصيبة.

لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ ﵇، وهي أوّل هاشمية ولدت هاشميّا، دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال:

رحمك الله، بأبي كنت وأمي تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة. ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه ﷺ بيده ثمّ خلع

قميصه وألبسها إيّاه، وكفّنها فوقه، ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاريّ وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت؛ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين. وكبّر عليها أربعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق.

- قال أبو عبيدة: لما قتل جعفر بن علبة الحارثيّ قودا قام نساء الحيّ يبكين عليه، وقام أبوه إلى كلّ شاة وناقة فنحر أولادها وألقاها بين أيديها وقال: ابكين معنا على جعفر، فما زالت النوق ترغو والشاء تثغو والنساء يصحن ويبكين وهو يبكي معهنّ، فما رؤي يوم كان أوجع وأحرق مأتما في العرب من يومئذ.

- الشمردل بن شريك اليربوعي يرثي أخويه قدامة ووائلا:

أعاذل كم من روعة قد شهدتهاوغصّة حزن من فراق أخ جزل
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
إذا وقعت بين الحيازيم أسدفتعليّ الضحى حتى يثبّتني أهلي
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
أقول إذا عزّيت نفسي عن اخوةمضوا لا ضعاف في الحياة ولا عزل
أبى الموت إلا أن كلّ بني أبسيمسون شتّى غير مجتمعي الشمل
سبيل حبيبيّ اللذين تبرّضادموعي حتى أسرع الحزن في عقلي
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
كأن لم نسر يوما ونحن بغبطةجميعا وينزل بين رحليهما رحلي
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
خليليّ من دون الأخلّاء أصبحارهيني ثواء من وفاة ومن قتل
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
فلا يبعدا للراغبين إليهماإذا اغبرّ آفاق السماء من المحل
فقد عدم الأضياف بعدهما القرىوأخمد نار الليل كلّ فتى وغل
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

- وله يرثي أخاه وائلا ويذكر سامة:

لعمري لئن غالت أخي دار فرقةوآب إلينا سيفه ورواحله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وحلّت به أثقالها الأرض وانتهىبمثواه منها وهو عفّ مآكله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
لقد ضمنّت جلد القوى كان يتّقىبه جانب الثغر المخوف زلازله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وصول إذا استغنى وإن كان مقترامن المال لم يخف الصديق مسائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وصول لأضياف الشتاء كأنماهم عنده أيتامه وأرامله
رخيص نضيج اللحم مغل بنيّهإذا بردت عند الصّلاء أنامله
أقول وقد رجّمت عنه فأسرعتإليّ بأخبار اليقين مخايله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
إلى الله أشكو لا إلى الناس فقدهولوعة حزن أوجع القلب داخله
وتحقيق رؤيا في المنام رأيتهافكان أخي رمحي ترفّض عامله

قيل: كان الشمردل رأى في منامه كأنّ سنان رمحه سقط منه فعبرّه فقيل له:

تصاب بمن في بقائه عزّ، فأتاه نعي أخيه.

بمثوى غريب ليس منّا مزارهبدان ولا ذو الودّ منا مواصله
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننافحيّاك عنّا شرقه وأصائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
تحية من أدّى الرسالة حبّبتإلينا ولم ترجع بشيء رسائله
أبى الصبر أنّ العين بعدك لم يزليخالط جفنيها قذى ما تزايله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وكنت أعير الدمع قبلك من بكىفأنت على من مات بعدك شاغله
للشاعر الخنساء، من قصيدة «سقى جدثا أكناف غمرة دونه»
يذكّرني هيف الجنوب ومنتهىنسيم الصّبا رمسا عليه جنادله
وهاتفة فوق الغصون تفجعّتلفقد حمام أفردتها حبائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وسورة أيدي القوم إذ حلّت الحبىحبى الشيب واستغوى أخا الحلم جاهله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
فعينيّ إذ أبكا كما الدهر فابكيالمن نصره قد بان منّا ونائله
إذا استعبرت عوذ النساء وشمّرتمآزر يوم لا توارى خلاخله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وأصبح بيت الهجر قد حال دونهوغال امرءا ما كان يخشى غوائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وثقن به عند الحفيظة فارعوىإلى صوته جاراته وحلائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
إلى ذائد في الحرب لم يك خاملاإذا عاذ بالسيف المجرّد حامله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
كما ذاد عن عرّيسة الغيل مخدريخاف الرّدى ركبانه ورواحله
فما كنت ألقى لامرىء عند موطنأخا بأخي لو كان حيا أبادله
وكنت به أغشى القتال فعزّنيعليه من المقدار ما لا أقاتله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
لعمرك إنّ الموت منّا لمولعبمن كان يرجى نفعه ونوافله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
فما البعد إلا أننا بعد صحبةكأن لم نبايت وائلا أو نقابله
سقى جدثا أعراف غمرة دونهببيشة ديمات الربيع ووابله
وما بي حبّ الأرض إلا جوارهاصداه وقول ظنّ أني قائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

- لما كانت وقعة بدر فقتل فيها عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة بن ربيعة، أقبلت هند بنت عتبة ترثي أباها وعمّها وأخاها، وتقول فيهم الأشعار، وبلغها تسويم الخنساء هودجها بالموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها، وقد كانت أصيبت بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، فجعلت تشهد المواسم وتبكيهم وقد سوّمت هودجها براية؛ وكانت تقول أنا أعظم العرب مصيبة، وعرفت لها العرب بعض ذلك. فلما أصيبت هند بنت عتبة بما أصيبت وبلغها ما تصنع الخنساء قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة، فأمرت بهودجها فسوّم براية، وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت سوقا يجتمع إليها العرب، فقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء، ففعلوا، فلما دنت منها قالت لها الخنساء: من أنت يا أخيّة؟ قالت: أنا هند بنت عتبة بن ربيعة، وأنا أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك [فبم تعاظمينهم؟

فقالت الخنساء: بعمرو بن الشريد وصخر ومعاوية ابني عمرو]. فبم تعاظمينهم أنت؟ قالت هند: بأبي عتبة بن ربيعة وعمّي شيبة وأخي الوليد.

قالت الخنساء: أوسواء هم عندك؟ ثم أنشأت تقول:

أبكّي أبي عمرا بعين غزيرةقليل إذا نام العيون هجودها
وصنويّ لا أنسى معاوية الذيله من سراة الحرّتين وفودها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أبك أبي عمرا بعين غزيرة»
وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدابسلهبة الأبطال قبّ يقودها
فذلك يا هند الرزيّة فاعلميونيران حرب حين شبّ وقودها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أبك أبي عمرا بعين غزيرة»

فقالت هند مجيبة لها:

أبكّي عميد الأبطحين كليهماوحاميهما من كلّ باغ يريدها
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «أبكي عميد الأبطحين كليهما»
أبي عتبة الخيرات ذلك فاعلميوشيبة والحامي الحقيق وليدها
أولئك آل المجد من آل غالبوفي العزّ منها حين ينمي عديدها
للشاعر هند بنت عتبة، من قصيدة «أبكي عميد الأبطحين كليهما»

ولم تزل الخنساء تبكي على أخويها وأبيها في الجاهلية حتى أدركت الاسلام، فأقبل بها بنو عمها إلى عمر بن الخطاب وهي عجوز كبيرة، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذه الخنساء لم تزل تبكي على أبيها وأخويها في الجاهلية حتى ذهبت عيناها، وأدركت الاسلام وهي تبكي، وقد قرحت مآقيها كما ترى، فلو نهيتها رجونا أن تنتهي. فقال عمر لها: حتى متى يا خنساء؟ اتقي الله وأيقني بالموت، فقالت: إني أبكي أبي وخيري مضر: معاوية وصخرا، وإني لموقنة بالموت يا ابن الخطاب، فكأنّ عمر ﵀ رقّ لها وقال: خلّوا سبيل عجوزكم لا أبا لكم، فإنّ كلّ امرىء يبكي شجوه، نام الخليّ عن بكاء الشجيّ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.