تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ذكر ما جاء في جميل العزاء

ونقدم الآن ذكر ما جاء في جميل العزاء والحثّ عليه، وما أعدّ لصاحبه من جزيل الأجر وتعجّله من الحظ.

قد أثنى الله ﷿ على قوم بقوله: وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ

(الحج:) وقال في وصية لقمان لابنه وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

(لقمان:) وقال تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

(البقرة:).

وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: «لا يزال الرجل يصاب في ماله وحامته حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة».

وقال علقمة في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ

(التغابن:

) هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لها ويرضى.

- وعزّى عليّ ﵇ الأشعث بن قيس عن ابن له فقال: يا أشعث، إن تحزن على ابنك فقد استحقّت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله من كلّ مصيبة خلف. يا أشعث إن صبرت جرى القدر عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القدر عليك وأنت مأزور، سرّك وهو بلاء وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة.

وعزّى ﵇ قوما فقال: عليكم بالصبر فإنّ به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع.

وقال الحسن بن علي: المصائب مفاتيح الأجر.

- وقال علي بن الحسين حين مات ابنه ولم يجزع: أمر كنّا نتوقّعه فلما وقع لم ننكره.

وقال محمد بن علي بن الحسين: استتر من الشامتين بحسن العزاء عن المصائب.

وقال ابن السمّاك: المصيبة واحدة، فإن كان فيها جزع فهي اثنتان.

وكان محمد بن واسع يقول: المصيبة في إثر المصيبة خير حطّ للخطيئة.

- وقال آخر: إنما الجزع والاشفاق قبل وقوع الأمر، فإذا وقع فالرضى والتسليم.

- وقال أوس بن حجر:

أيتها النفس أجملي جزعاإنّ الذي تحذرين قد وقعا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»

وهي أبيات مختارة نذكر تمامها ها هنا في غير موضعه لئلا تنقطع:

إنّ الذي جمّع السماحة والنجدة والبرّ والتقى جمعا
الألمعيّ الذي يظنّ لك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
والمخلف المتلف المرزّأ لميمتع بضعف ولم يمت طبعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
ليبكك الشّرب والمدامة والفتيان طرّا وطامع طمعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
والحيّ إذ حاذروا الصباح وقدخافوا مغيرا وسائرا قلعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
وازدحمت حلقتا البطان بأقوام وجاشت نفوسهم جزعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

ونعود إلى المعنى الذي بدأنا به.

- قال أبو علي الرّازي: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك فقال: إنّ الله أحبّ امرا، فأحببت ما أحبّ الله.

- وقال صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.