من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
كتاب لأخي المؤلف (٢)
وكتب أخي ﵀ نسخة لما يبرز به التوقيع الإماميّ في عيد الفطر: الحمد لله الواجب شكره، الغالب أمره، المنصور حزبه، المثبور حربه، الدالّ على وحدانيته ببدائع فطرته، المانع بعجائب صنعه من أن يتقرّر في الأوهام كنه معرفته، الذي أرسل محمدا إلى كافّة الأمم، وجلا بضياء نبوّته حنادس الظّلم، وبعثه رسولا بالحقّ صادعا، ولعرانين الشرك جادعا، حتى استعلت كلمة الايمان واتّضح مناره، وكبا زناد الباطل وخبت ناره. فصلّى الله عليه ما طرف ناظر، ورفّ غصن ناضر، والحمد لله على أن أصار إلى أمير المؤمنين ميراث الطاهرين من آبائه، وخصّه بما حاز له منه بجزيل منّه وحبائه، وحقّق للدولة القاهرة العباسية وعد النبي ﷺ إذ يقول لعمّه العباس رضوان الله عليه: ألا أبشّرك يا عمّ، بي ختمت النبوّة، وبولدك تختم الخلافة، إلى غير هذا من الأخبار التي ضلّ من أضمر عناد شيء منها وأسرّ خلافه. وجعل أيامه بالعدل آهلة، ومن مشارب الأمن ناهلة، والرعية في ظلّ إيالته الوارف وادعة، وسيرته لروائع الجور عنها وازعة. والحمد لله الذي منح عباده المؤمنين منائح من نعمه
تستوعب الشكر، وتستوجب الإذاعة لها والنشر، فجعل لهم من أيامهم مواسم يكفّر بطاعته فيها سيئاتهم، ويرفع بتوفيقهم لصالح العمل عنده درجاتهم.
وخصّ شهر رمضان بالصيام الذي ختمه لهم بعيد يبشرهم بالقبول، يتقارضون فيه التهاني بدرك المأمول. وأمرهم باتخاذ الزينة وإظهارها، وإراحة النفوس بقضاء المباح من لذّاتها وأوطارها، تكميلا لنعمته في الصوم المفضي بهم عاجله إلى آجل الفوز والرضوان، وإخراجه لهم من ضيقه إلى سعة الفطر المريح لما أجهده من الأبدان. بكلّ ذلك يجزل ثوابهم، ويحسن مآبهم، ويعرّفهم مواقع لطفه، ويريهم دلائل رحمته وعطفه، فله على ذلك حمد يمتري المزيد من آلائه، ويستدعي الإجراء على عادة إحسانه وبلائه. وقد عرف ما أنهي من حضور جماعة الأولياء، وإفاضتهم والحاضرين معهم في صالح الدعاء، الموجب لهم شرف الملاحظة والإرعاء، وأذن لهم بعد إشعارهم بتحقيق خدمتهم في الانكفاء، والسلام.
- قال البحتري:
مضى الشهر محمودا ولو قال مخبرالأثنى بما أوليت أيّامه الشّهر
عصمت بتقوى الله والورع الذيأتيت فلا لغو لديك ولا هجر
وقدّمت سعيا صالحا لك ذخرهوكلّ الذي قدّمت من صالح ذخر
وحال عليك الحول بالفطر مقبلافباليمن والإقبال قابلك الفطر
- الرضي يهنّيء نصرانيّا بيوم السعانين:
وربّ يوم صقيل الوجه تحسبهمرصّعا بجباه الخرّد العين
أتاك يقتاد عيدا في حقائبهزاد السرور على الطير الميامين
فالبس جلابيبه البيض التي شرفتواخرج عن الصوم من أثوابه الجون
جاءت تهنّيك بالودّ الذي علقتمنا الضمائر لا يوم السعانين
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع