من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
كتاب لابي الخطاب الصابي
كتب أبو الخطاب الصابي تهنئة بإقبال السنة: يومنا هذا- أطال الله بقاء سيدي- مفتتح الحول الجديد، وغرّة العام المقبل وعيد، قد اعتاد أسلافنا تعظيمه، وألف أوائلنا تبجيله وتكريمه، وسنّوا فيه التواصل بأنواع التحف، والتقابل بصنوف اللّطف، تيمّنا بمنجمه، وتبرّكا بمقدمه،
واستبشارا بمطلعه، واغتباطا بعودته، ومحبة لتلقيه بما يزيد التصافي بينهم خلوصا، والأحوال لطفا وخصوصا، وتفاؤلا بالمسرّة التي توافي بها الطرفة عند حضورها، وتشكر لها التحفة مع بكورها، لأنّ أوائل العصور، وفواتح الأمور، دلائل يعلم منها ما تؤذن به أواخرها، وشواهد تتيح ما تنكشف عنه عواقبها، كما يعد الوسميّ العجول بالوليّ المتتابع، ويدلّ العارض المخيل على الغيث الهامع. ولما أراني الله هذا العيد الذي عرفت بركته من سبوغ النعمة لديك، وضفوّ ملابسها عليك، فكرت في ما أقيم به رسم المؤانسة، وأحيي معه سنّة المباسطة، وأجري على عادة من مضى من السلف، وبقي من الخلف، في توفيته على الدنيا كما يوفّى حقّ الدين وعمارته بالتواصل كما يعمل بالقروض، فتساوى عندي ما أتكلّفه من قليل البرّ وكثيره، وصغيره وكبيره، قصورا عن علوّك، وانحطاطا عن سموّك، وزاد عليه وإن جلّ محلّك الباسق، وفرعه وإن فخم موضعك السامق، فعدلت إلى الدعاء الذي يستوي فيه ما أضمر وأظهر، ويتوارى ما أبطن وأعلن منه، ويكون الزعيم بسماعه والكفيل بتمامه أولى مخبر بالوفاء، وأحرى بالملاء، وقريب من دقيق الألطاف، ما جعلته شعارا للاقتداء بالأسلاف، وتوخّيت في أسمائه وأوصافه وصوره وهيئاته أن يكون فألها مؤذنا باستجابة ما قدّمته من الدعاء، ومحقّق ما أسلفته من الرجاء. وأنا أسأل الله الذي كلّ خير بيديه، ومتوجّه الرغبات إليه، أن يعظّم يمن هذا اليوم عليك، ويضاعف المواهب فيه لديك، ويتقبّل أعمالك من فرض ونفل، ويزكّي قرباتك من قول وفعل، ويبقيك بقاء تتوالى فيه البركات طلقا، وتنتظم فيه السعادات
نسقا، ويكون آتيه زائدا في الخير على ماضيه، وخاليه مقصرا في اليمن عن جائيه، ويومه أفضل من أمسه، وغده أرجى من يومه، حتى يكون خير أيامك يوم لقائك إياه، وأسعد أوقاتك يوم قدومك عليه، ويتّصل لك الحظ الفاني بالباقي، ويؤديك النعيم الأمدي إلى الأبدي، إنه جواد كريم.
وقد أنفذت إليك مع هذه الرقعة ما اقتديت فيه بأحرار فارس، وهو السكّر والدرهم، فأما السكّرة فلما في مذاقها من الحلاوة التي أرجو أن تصحبك بها الأيام، وتنتظم بامتدادها لك الأعوام، فيحلولي لك جناها، ويمرع عندك مرعاها، وتجعلك السلامة أبدا في ضمانها، وتمرّ لك الليالي عقد أمانها، وتجري الأقدار فيها بمشيئتك، وتتصرّف الأقضية على طاعتك، وتأوي من أيدي الحوادث إلى معقل عزيز، وتعتصم من سهام النوائب بموئل حريز، فلا تختلك بغامض كيدها، ولا تقصفك بهائض أيدها، ويتصل ذلك ببلوغ الأماني العذاب، ونيل العطايا الرّغاب، والحياة إلى أنفس مدّد الأجل، وأرخى مدد المهل. وأما الدرهم فإنه شعار النصر، وأمارة القهر، وعلم النجاح، وعنوان الفلاح، والرائد الذي لا يخيب سعيه، والقاصد الذي لا تردّ رايته، والذريعة التي لا تخفق، والوسيلة التي لا تكدي، والشافع الذي لا تبور شفاعته، والخصم الذي لا تدحض حجته، ولسان العي الذي أفحم عن الخطاب، وهادي الغي الذي ضلّ عن الصواب، وسيف الجبان الذي خام عن القراع، ولأمة الهدان الذي أحجم عن المصاع. فتفاءلت أن يكسوك الله محبته في النفوس، ويرزقك قربه من القلوب، ويعزّك عزّه في الأقطار، ويبلّغك مبلغه من الأوطار، ويعلي ذكرك علوّ ذكره عند الأمم، ويشهر فضلك شهرته بين العرب والعجم.
وأضفت إليهما أقلاما تفؤلا بأن ينفذ أمرك في الأقاليم، وتجري لك سعود
النجوم بخيرتها سليمة من المعايب، مبرّأة من المثالب، جمّة المحاسن، بعيدة عن المطاعن، لم يزر بها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور، ولم يشبها لين ولا رخاوة، ولم يعمّها كزازة ولا قساوة، فهي آخذة بالفضائل من جميع جهاتها، مستوفية للممادح بسائر صفاتها، صلبة المعاجم، لدنة المقاطع، مؤنقة القدود والألوان، محمودة المخبر والعيان، قد استوى في الملامسة خارجها وداخلها، وتناسب في السلاسة عاليها وسافلها، وتعاصي الكاسر المعاسر، وتمانع المغامر المكاثر، حتى إذا انتحتها مدى التقويم، وتباشرتها شفار التعليم، أقام التثقيف أودها، وهدى التسديد زيغها، نبتت بين الشمس والظلّ، واختلف عليها الحرّ والقرّ، فلاحها وقدان الهواجر، وسفعها سماء شهر ناجر، ووقذها الشّفان بصرده، وقذفها الغمام ببرده، وصابتها الأنواء بصيبها، واستهلّت عليها السحائب بشآبيبها، فاستمرّت مرائرها على إحكام، واستحصد سحيلها بالإبرام، وجاءت شتى الشّيات، متغايرة الهيئات، متباينة المنابت والأوطان، مختلفة المحالّ والبلدان، تختلف بتباعد ديارها، وتأتلف بكرم نجارها، فمن أنابيب قنا ناسبت رماح الخطّ في أجناسها، وشابهت أسود الغيل في أخياسها، وشاكلت المذهب في ألوانها، وضاهت الحرير في لمعانها، كأنها الأميال استواء، والآجال مضاء، بطيئة الحفا، ممرّة القوى، لا يشظّيها القطّ، ولا يتشعّب بها الخط: من مصريّة بيض كأنها قباطيّ مصر نقاء، وغرقىء البيض صفاء، غذاها الصعيد من ثراه بلبّه، وسقاها النيل من نميره وعذبه، لم يضوها عطش ولم يشرقها ري، فجاءت ملتئمة الأجزاء، سليمة من الالتواء، تستقيم شقوقها في أطوالها، ولا تنكب عن يمينها ولا شمالها، يقترن بها صفر كأنها معها عقيان قرن بلجين، أو ورق خلط بعين، وكأنما أشربت ماء الجساد، أو صبغت بالخلوق قبل المداد، تختال في صفر ملاحفها، وتميس في
مذهب مطارفها، بلون غياب الشمس، وصبغ ثياب الورس. ومن منقوشة تروق العين وترقّ النفس، ويهدي حسنها الأريحية إلى القلوب، ويحلّ الطرب لها حبية الكريم اللبيب، كأنها اختلاف الزّهر اللامع، وأصناف الثمر اليانع، تقول إذا رأيتها متأمّلا، ونظرت فيها متفرّسا، أهدت لها الأنوار الأنواء، أو حبتها بالبرود صنعاء. ومن بحرية موشّية اللّيط، رائقة التخطيط، كأنّ داخلها نضرة دم، أو حاشية رداء معلم، وكأنّ خارجها إهاب أرقم، أو متن واد مفعم، قصر باطنها عن حوّة العظلم، وضاهى ظاهرها صبغ عندم، وتشرّبت ألوانا تزري بورد الخدود، وأبدت قامات تفضح تأوّد القدود، إن امتدّ وشيها قلت تثنّي ثعبان، [أو] اعوجّ قلت: مناقذ بغدان، وقرنت بها مدية حديد كأنّ القدر سابقها، والأجل سائقها، بنت سيف يمان، أو سليلة نصل هندوان، وهي تنزع بطيب أعراقها وتحزّ بكرم سنخها، كأنها الحسام القاطع والعضب الباتر، لا يتوى رميّه، ولا ينبو عن ضريبة؛ مرهفة الصدر، مخطفة الخصر، ممهاة الشّفر، مطلقة الظّبة، رقيقة الحد، ملسة الطرف، يجول عليها فرند العقيق، ويترقرق فيها ماء الجوهر، كأنّ المنيّة تبرق من حدّها، والأجل يلمع في متنها، ركّبت على نصاب آبنوس، كأنما ناسب سواده خافية الغراب، واستعيد لونه من شرخ الشباب، وكأنّ الحدق نفضت عليها صبغها، وحبّ القلوب كستها لباسها، فهي آنق في العين من كلّ مرأى أنيق، وألوط بالقلب من كلّ قدّ رشيق، أخذ لها حديدها الناصع بحظّ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزّنج. وكأنها ليل من تحت نهار، أو نجم أبدى سنا نار.
وأشهد لقد جئنك يا سيدي شوقا، وبادرن نحوك توقا، واستشعرن إليك ارتياحا، واكتسبن بك مراحا، حتى كأنها اشتاقت من أناملك أخواتها، وحنّت من دويّك إلى أمّهاتها، ولقد ردّت القوس إلى باريها، وهديت العروس إلى واليها، لأنك بحمد الله ومنّه الوثّاب للجراثيم، والخرّاج من الأضاميم، والشهاب الثاقب علما، والطّود الراسب حلما، ومن يوسعها اللؤلؤ فذّا وتؤاما، والعقود نسقا ونظاما، فتدرّ لها أخلاف البلاغة، وتسيل عليها شعاب الكتابة، وتجلو بلسانها الشبهات، وتكشف ببيانها الغمرات.
لا أعدمك الله موادّ الفضل المنصبّة إليك، وجلائل المنح المقصورة عليك، بقوّته وحوله، وكرمه وطوله.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع