من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
كتاب لابن نصر
كتب ابن نصر تهنئة لوزير: إنما التهنئة- أطال الله بقاء الوزير- لمن يترقى المنازل، ويتسنّم ذروة الفضائل، فيخصّ بها لما استفاده من الكسب الطارف، واستجدّه من العزّ الآنف، وحازه من النّسب الذي عزي له وكان غريبا منه، وقدّم إليه وكان بعيدا عنه. فأما الذي تصعد المناقب إلى علائه، وتعرج الرّتب إلى سمائه، وتعلق منه الرياسة بسبب، وتجتمع معه السيادة في نسب، فالتهنئة للكافّة لما تيسّر لها من ولايته، وتسهّل من رياسته عليها وإيالته التي [بها] تبلغ الآمال، وفيها تمرع الأحوال، وعليها يرفرف الإقبال. فهنأ الله الفضل وذويه، والزمان ومن فيه، بما اختاره لهم من نظر الوزير في أمورهم، وتملّكه أزمّة تدبيرهم، وجعل التوفيق لأفعاله مصاحبا، ولعزائمه مواكبا، وبإيجابه موكولا، وبتمام أغراضه كفيلا، فلا يحاول أمرا بعيدا مناله إلّا دنا وأقبل، ولا مطلبا صعبا قياده إلّا استجاب وتذلّل، ولا إرادة إلّا أكثبت، ولا مشيئة إلّا نفذت، وخصّنا معاشر أوليائه، والمعرقين في نسب ولائه، بإدامة أيامه، وملاحظة إنعامه، والمزيد من شرف اهتمامه، ومدّ علينا سابغ ظلاله، وأسكننا طيب آصاله، إنه على كلّ شيء قدير.
دخل إسماعيل بن عبد الله القسري على المهدي لما أفضت الخلافة إليه فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قصم بك أنياب الكفرة، وأزال بك سلطان الغصبة، وزلزل بك جبال الفجرة، وأعذب بك الآجن، وشفى صدور المسلمين. ولسنا نصفك بشيء إلا وأنت فوقه، ولا نقدر من بلوغ شكرك على ما تغمّدتنا به نعمك، غير أنك قد زنت الملك ولم يزنك، وشرّفته ولم يشرّفك، وإنك فاروق هذه الأمة، ووليّ هذه النعمة، جمع الله بك الشمل، وآمن بك السبل، فالناس جميعا يوجبون حقّك، ويعرفون فضلك، فيتذكرون مثلك في من مضى فلا يعرفونه، ولا في الذين غبروا يرتجونه، قد أخصب لهم جنابك،
واحلولى لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك، وحسنت نظرتك، وجبر الكسير الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل للنوال وإطلاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنّى البراء أنهمعندك أمسوا في القدّ والحلق
- كان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرّضاعة، وكان يقول: إني لأرى فيك مخايل الخلافة، ولا تموت حتى تليها.
قال: فإن وليتها فلك العراق. فلما ولي أتاه فقام بين السماطين فقال: يا أمير المؤمنين، أعزّك الله بعزّته، وأيّدك بملائكته، وبارك لك في ما ولّاك، ورعاك في ما استرعاك، وجعل ولايتك على أهل الإسلام نعمة، وعلى أهل الشرك نقمة، لقد كانت الولاية إليك أشوق منك إليها، وأنت لها أزين منها لك، وما مثلك ومثلها إلّا كما قال الأحوص:
وإذا الدّر زان حسن وجوهكان للدرّ حسن وجهك زينا
وتزيدين أطيب الطيب طيباأن تمسّيه أين مثلك أينا
- قال رجل من بني تميم في المهدي لما ولي العهد:
يا ابن الخليفة إنّ أمّة أحمدتاقت إليك بطاعة أهواؤها
ولتملأنّ الأرض عدلا كالذيكانت تحدّث أمة علماؤها
حتى تمنّى لو ترى أمواتهامن عدل حكمك ما ترى أحياؤها
وعلى أبيك اليوم بهجة ملكهاوغدا عليك إزارها ورداؤها
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع