تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الأول فى الفتوح

- كتب طاهر بن الحسين إلى المأمون لما فتح بغداد وقتل محمدا الأمين: أما بعد، فإنّ المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، لقد فرّق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. قال الله ﷿: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ

(هود:) ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل المخلوع، وردّاه الله برداء نكثه، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما ينتظر من صادق وعده، والحمد لله المتولي لأمير المؤمنين بنعمته، والراجع إليه بمعلوم حقّه، والكايد له ممن ختر عهده ونكث عقده، حتى ردّ له الألفة بعد تفرّقها، وأحيا الأعلام بعد دروس أثرها، ومكّن له في الأرض بعد شتات أهلها، والسلام.

وبعث إليه بالبردة ورأس الأمين، وكتب إليه قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

(آل عمران:).

- وكتب المهلّب إلى الحجّاج في حرب الأزارقة: أما بعد، فالحمد لله الذي لا تنقطع موادّ نعمه من خلقه، حتى تنقطع موادّ الشكر. وإنا وعدوّنا كنّا

على حالتين، يسرّنا فيهم أكثر مما يسوءنا، ويسوءهم منّا أكثر مما يسرّهم. فلم يزل الله ﷿ يزيدنا وينقصهم، ويعزّنا ويذلّهم، ويؤيّدنا ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب أجله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

(الأنعام:).

- وكتب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة حين ولي العراق من قبل ابن الزبير يخبره بهزيمة الخوارج: أما بعد، فإنّا مذ خرجنا نؤمّ هذا العدوّ في نعم من الله متصلة علينا، ونقمة من الله متتابعة عليهم، نقدم ويحجمون، ونحلّ ويرحلون، إلى أن حللنا بسوق الأهواز، والحمد لله رب العالمين.

- وكتب إليه بعد هذا الكتاب: أمّا بعد، فإنّا لقينا الأزارقة المارقة بحدّ وجدّ، وكانت في الناس جولة، ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر بنيّات صادقة، وأبدان شداد، وسيوف حداد، فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئة رماحنا، وضرائب سيوفنا، وقتل الله أميرهم ابن الماحوز، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأوّلها، والسلام.

كاتب في فتح: نعمة جسيمة جمع الله بها الألفة، وأمّن بها من الخلاف والفرقة، وجعل لأهل دينه سكنا وثقة، وأمنا وعصمة، فلم تعر منها خاصّة ولا عامّة، ولم تخل من سعادتها قاصية ولا دانية.

فصل من كتاب بذكر فتح: فأبي إلّا جماحا في غوايته، وتماديا في ضلالته، وتولّيا بركنه، وتعزّزا بحصنه، فلما سفه نفسه، وجهل حظّه،

وغمط العافية المعرضة له، وتبيّنت أن لا فيئة عنده يراجع بها رشده، فعلت.

ولجأ إلى مكان كذا مقموعا قد أكذب الله ظنّه، وأحاط به مكره، وما الله بظلّام للعبيد، فالحمد لله الفتّاح العليم، المنّان الكريم، ذي الفضل العظيم والبلاء الجسيم، الذي أنجز وعده، ونصر حقّه، حمدا يزيد ولا يبيد دون أداء حقّه وبلوغ ما يجب له.

آخر في مثله: فلما التقت الفئتان، وتدانى الفريقان، أتبعتهم الموعظة، وجدّدت لهم المعذرة، ليستبين جائر، ويهتدي حائر، ويقبل مدبر، ويزداد مستبصر، فمجّتها أسماعهم، ولفظتها قلوبهم، وغلبهم على أنفسهم سفه رأيهم، وصادق القول عليهم، وخرجوا يدعون إلى البراز، فأخرجت إليهم أندادهم أولياء أمير المؤمنين، موقنين أنهم من أمرهم بين حسنيين، ومن قضاء الله بين خيرتين، عاجل الفلج والظفر، وآجل السعادة وكرم المنقلب، فصدقوهم القتال في المجالدة، ونشبت الحرب وحمي وطيسها، ودارت على قطبها، ودرّت على أخلافها، وجال خطامها، فمن ضارب ونابل وطاعن، وكفّ نادرة، وقدم بائنة، ومضرّج بدمه، ومغرّر بنفسه، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ

(الحشر:).

أحمد بن سعد من كتاب تهنئة: وواصل لك الفتوح شرقا وغربا، وطال رقاب الأعداء سلما وحربا، وقاد لك أزمة الملك طوعا وكرها ورعبا ورهبا.

آخر: وإني لما آثرت الأناة في أمره، والإعذار في الموعظة إليه،

وعاودت إنذاره والاحتجاج عليه، وعرّفته نوازل العبر وعواقب البطر، وصرّفت له القول في الترغيب والترهيب، ووصلت له الوعد بالوعيد، فلما أبى إلا جماحا في غيّه، ثانيا لعطفه، توكلت على الله في مناجزته، فزحفت إليه في من اخترته، وبرز إليّ في أصحابه، فما استقروا في موقفهم حتى زلزل الله أقدامهم ونخب قلوبهم، وأسكن الرعب حوباءهم، فنكصوا على أدبارهم، ووضع الأولياء سلاحهم حيث شاءوا منهم، وأتوا عليهم من عند آخرهم، وأخذ الحائن أسيرا مقهورا من غير عهد يعصمه، ولا عقد يحقن دمه، فالحمد لله الفتّاح العليم، المنّان الكريم، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يتكاءده أمر طلبه، حمدا يوازي آلاءه، ويكافىء نعماءه.

- لما فتح الرشيد هرقلة عاد إلى الرقّة فدخلها آخر يوم من شهر رمضان، وعيّد، ثم جلس للشعراء، فبدرهم أشجع السلميّ فأنشده:

لا زلت تنشر أيّاما وتطويهاتمضي بها لك أيام وتمضيها
مستقبلا زينة الدنيا وبهجتهاأيّامها لك نظم في لياليها
العيد والعيد والأيام مقبلةإليك بالنصر معقود نواصيها
أمست هرقلة تهوي من جوانبهاوناصر الدين والإسلام يرميها
ملكتها وقتلت الناكثين بهابنصر من يملك الدنيا وما فيها
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
ما روعي الدين والدنيا على قدربمثل هارون راعيه وراعيها
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

فأمر له بألف دينار وقال: لا ينشدني أحد بعده، فقال أشجع: والله لأمره أن لا ينشده أحد بعدي أحبّ إليّ من صلته.

- ولما فتح المعتصم عمورية أكثر الشعراء ذكر هذا الفتح، وهو من أعظم فتوح الإسلام، فمن ذلك قول الحسين بن الضحاك:

قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدىمتعسّفين تعسّف المرّاق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
إني أحذّركم بوادر ضيغمدرب بحطم موائل الأعناق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
متأهّب لا يستفزّ جنانهزجل الرعود ولا مع الابراق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
لم يبق من متعرّمين تواثبوابالشام غير جماجم أفلاق
من بين منجدل تمجّ عروقهعلق الأخادع أو أسير وثاق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
وثنى الخيول إلى معاقل قيصريختال بين أحزّة ورقاق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
يحملن كلّ غشمشم متغشّمليث هزبر أهرت الأشداق
حتى إذا أمّ الحصون منازلاوالموت بين ترائب وتراق
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
هرّت بطارقها هرير قساوربدهت بأكره منظر ومذاق
ثم استكانت للحصار ملوكهاذللا وناط حلوقها بخناق
هربت وأسلمت الصليب حماتهالم يبق غير حشاشة الأرماق

- ومن ذلك قول أبي تمام الطائي، وهي من عيون شعره، اقتصرت منها على ما يتعلق بالفتح وأولها:

السيف أصدق إنباء من الكتبفي حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بيض الصّفائح لا سود الصحائف فيمتونهنّ جلاء الشكّ والرّيب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
والعلم في شهب الأرماح لامعةبين الخميسين لا في السبعة الشهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

ومنها:

فتح الفتوح تعالى أن يحيط بهنظم من الشّعر أو نثر من الخطب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
فتح تفتّح أبواب السماء لهوتبرز الأرض في أثوابها القشب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
يا يوم وقعة عمّوريّة انصرفتعنك المنى حفّلا معسولة الحلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أبقيت جدّ بني الإسلام في صعدوالمشركين ودار الشرك في صبب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أمّ لهم لو رجوا أن تفتدى جعلوافداءها كلّ أمّ حرّة وأب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتهاكسرى وصدّت صدودا عن أبي كرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بكر فما افترعتها كفّ حادثةولا ترقّت إليها همّة النّوب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
من عهد اسكندر أو قبل ذلك قدشابت نواصي الليالي وهي لم تشب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
حتى إذا مخض الله السنين لهامخض الحليبة كانت زبدة الحقب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
أتتهم الكربة السوداء سادرةمنها وكان اسمها فرّاجة الكرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرةإذا غودرت وحشة الساحات والرّحب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
لما رأت أختها بالأمس قد خربتكان الخراب لها أعدى من الجرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

ومنها:

لم يغز قوما ولم ينهد إلى بلدإلّا تقدّمه جيش من الرّعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ»
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدامن نفسه وحدها في جحفل لجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
رمى بك الله برجيها فهدّمهاولو رمى بك غير الله لم تصب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
من بعد ما أشّبوها واثقين بهاوالله مفتاح باب المعقل الأشب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
لبيت صوتا زبطريّا هرقت لهكأس الكرى ورضاب الخرّد العرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

كانت الروم قد فتحت زبطرة، فصاحت امرأة من المسلمين بها: وا محمداه، وا معتصماه! فلما ورد الخبر إلى المعتصم ركب لوقته يؤمّ الشام وصاح: لبيك، وألحّ على حصون الروم حتى فتح أنقرة وعمورية.

عداك حرّ الثغور المستضامة عنبرد الثغور وعن سلسالها الحصب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

ومنها:

لم ينفق الذهب المربي بكثرتهعلى الحصى وبه فقر إلى الذهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
إنّ الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السلب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إن الأسود أسود الغاب همتها»
خليفة الله جازى الله سعيك عنجرثومة الدين والإسلام والحسب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترهاتنال إلّا على جسر من التعب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
إن كان بين صروف الدهر من رحمموصولة أو ذمام غير منقضب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
فبين أيامك اللائي نصرت بهاوبين أيام بدر أقرب النسب

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.