من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الاعتذار بين المنصور والمأمون وقصة إبراهيم بن المهدي
- لما ظفر المأمون بابراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس
الناس، قال: فجيء بابراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ عفو. فإن عاقبت فبحقّك، وإن تعف فبفضلك.
قال: فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك؛ فإذا المعتصم والعباس بن المأمون، فقال له: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والرياسة فقد أشارا به عليك، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكن الله تعالى عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين.
فتبسّم المأمون ثم قال لثمامة: إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ويغلب السحر، وإنّ كلام عمي منه. أطلقوا عن عمي قيوده وردّوه إليّ مكرّما. فلما ردّ إليه قال: يا عمّ صر إلى الأنس وارجع إلى المنادمة، فلن ترى أبدا منّي إلّا ما تحبّ.
- وحدّث محمد بن الفضل الهاشمي قال: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول وقال: هو صديقك فخذه إليك، فقال: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه؟! أما إني وإن كنت صديقا له لا أمتنع من قول الحقّ فيه. قال له: قل فإنّك غير متهم، فقال- وهو يريد التسلق على العفو عنه-: إن قتلته، فقد قتل الملوك قبلك أقلّ جرما منه، وإن عفوت عنه
عفوت عمّن لم يعف من قبلك عن مثله. فمكث المأمون ساعة ثم قال:
فلئن عفوت لأعفون جللاولئن سطوت لأوهنن عظمي
قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
خذه إليك يا أحمد مكرّما. فانصرف به. ثم كتب إبراهيم إلى المأمون قصيدته العينيّة التي يقول فيها:
الله يعلم ما أقول فإنهاجهد الأليّة من حنيف راكع
قسما فما أدلي إليك بحجةإلّا التضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّنيأسبابها إلّا بنيّة طائع
يقول فيها:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثلهعفو ولم يشفع إليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعدماظفرت يداك بمستكين خاضع
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع