من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
إبراهيم بن المهدي والمأمون
- لما دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون عند الظفر به سلّم عليه وقال له: يا أمير المؤمنين، وليّ الثأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن مدّ له في الأناة حسن عنده الذنب، وقد جعلك الله فوق كلّ ذنب، كما جعل كلّ ذي ذنب دونك، فإن عاقبت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك؛ فقال المأمون: يا إبراهيم إنّي شاورت العباس ابني، وأبا أسحاق أخي، في أمرك فأشارا عليّ بقتلك، إلّا أنّني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك.
فقال: يا أمير المؤمنين، قد نصح المشير بما جرت به العادة في السياسة وحياطة
الخلافة، إلّا أنك أبيت أن أطلب النصر إلّا من حيث عوّدته من العفو، فإن عاقبت فلك نظير، وإن عفوت فلا نظير لك، فإنّ جرمي أعظم من أن أنطق فيه بعذر، وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا العذر. فاستعبر إبراهيم، فقال المأمون: ما شأنك؟ قال: الندم، إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ. ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلّغاني عفوه، وإنّ لي الشفعة:
الإقرار بالذنب، وحق العمومة بعد الأب، فلا يسقط عن كرمك عمّك، ولا يقع دون عفوك عبدك. فقال: لو لم يكن في حقّ نسبك حقّ الصفح عنك لبلّغك ما أمّلت حسن تنصّلك، ولطف توصّلك. ثم أمره بالجلوس وقال له: ما البلاغة يا إبراهيم؟ قال: أن يكون معناك يجلّي عن مغزاك. فقال المأمون: هذا كلام يشذّر بالذهب؛ لقد أذهبت به وغرا كان في صدري.
- اعتذر كاتب إلى صديق له فأجابه: أنت في أوسع العذر عند ثقتي، وفي أضيق العذر عند شوقي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع