تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الجاحظ وابن أبي دواد

- أتي بالجاحظ بعد هلاك ابن الزيات، وكان من المنقطعين إليه، إلى ابن أبي دواد، وهو مقيّد وفي عنقه سلسلة، فقال له ابن أبي دواد: والله ما علمتك إلا متناسيا للنعم، كفورا للصنيعة، معدّدا للمساوىء، وما فتّني باستصلاحي لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، ورداءة دخلتك، وسوء اختيارك، فقال الجاحظ: خفّض عليك، والله لأن يكون الأمر لك عليّ خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أجمل في الأحدوثة عنك من

أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو في حال قدرتك أجمل من أن تنتقم مني. فقال ابن أبي دواد: والله ما علمتك إلا كثير تزويق اللسان، وقد جعلت بيانك أمام قلبك، واصطنعت فيه النّفاق. يا غلام، صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى.

فأخذ الحديد عنه، وأدخل الحمام، وحمل إليه تخت ثياب وطويلة وخفّ، فلبس ذاك، وانكفأ إليه، فصدّره في مجلسه، وأقبل عليه بوجهه، وقال: هات حديثك يا أبا عثمان. فقال: من أقرب ذاك أنك فككتني من الاسار، وعرّضتني لليسار، وأدخلتني في شكرك من باب الاضطرار، واستأنفت لي حياة كنت يئست منها، وصرفت عني شماتة كنت التبست بها، فرحمك الله بي كما رحمني بك، وأمتعك بنعمتك التي أعارك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.