من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الحسين الخليع والمأمون
- كان الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع مدّاحا للأمين، ولما قتل أفرط في الجزع عليه وهجا المأمون وترك بغداد مخافة، واجتهد في استعطافه، وسأل ابن البواب الحاجب حتى أنشده شعره الذي يقول فيه:
رأى الله عبد الله خير عبادهفملّكه والله أعلم بالعبد
وما زال يلطف له حتى أوصله إلى المأمون، فلما سلّم عليه ردّ ردّا جافيا وقرّعه بأشعاره فيه وفي أخيه فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة سلبتها بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيّد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك، فدمعت عين المأمون وقال: قد عفوت عنك وأمرت بإدرار أرزاقك عليك، وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك.
- أمر بعض ملوك العجم بقتل رجل غضب عليه، فقال الرجل: أيها الملك إن قتلتني وأنا صادق عظم جرمك، وإن تركتني وأنا كاذب قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريد، والعجلة موكّل بها الزّلل، فعفا عنه.
كتب أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى: فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطّف، إلى خادم متلهّف، ويجعل العفو عن فرطته وكفرانه، صدقة عن بسطته وسلطانه، فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار، فعل، إن شاء الله تعالى.
- وقال شاعر:
لئن سمتني ذلّا فعفت حياضهسخطت ومن يأت المذلّة يعذر
فها أنا مسترضيك لا من جنايةجنيت ولكن من تجنّيك فاغفر
- وقال سعيد بن حميد:
لم آت ذنبا فإن زعمت بأنأتيت ذنبا فغير معتمد
قد تطرف الكفّ عين صاحبهافلا يرى قطعها من الرّشد
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع