تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الاعتذار بين المنصور والمأمون

سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إنّ العدل من عدّله أبو العباس، وقد كان وصفك بما وصفك به ثم أتتني الأنباء بخلاف ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الذي بلغك حمل عليّ، ولو كان كذلك لقلت نعم كما بلغك، فأخذت بحقي من الله في الصدق، واتكلت على أمير المؤمنين في سعة عفوه؛ قال: صدقت.

- أقبل المنصور يوما راكبا، والفرج بن فضالة جالس على باب الذهب، فقام الناس إليه ولم يقم، فاستشاط المنصور غضبا وغيظا، ودعا به فقال

له: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لم فعلت، ويسألك عنه لم رضيت، وقد كرهه رسول الله ﷺ، فسكن غضبه وقضى حوائجه.

- قال المأمون لاسحاق بن العباس: لا تحسبنّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمسّ من أرحامهم، وقد قال كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

(يوسف:) وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه الأمة وممتنّ بها. قال: هيهات، تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك في إسلامك، وفي دار خلافتك. قال: والله يا أمير المؤمنين للمسلم أحقّ بالإقالة وغفران الزلّة من الكافر. هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله ﷿: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

إلى قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

(آل عمران:) والناس يا أمير المؤمنين سمة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف. قال: صدقت، اجلس، وري بك زنادي، ولا برح بإزائي من الغابرين من أهلك أمثالك.

- وقال عمرو بن عبيد للمنصور، وأراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حدّ المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس الفضلين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.

- قال المنصور لرجل كان واجدا عليه: تكلّم بحجتك. قال: لو كان لي ذنب لتكلمت بعذري، وعفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.

- كان النّخعي يكره أن يعتذر إليه ويقول: اسكت معذورا فإنّ المعاذير يحضرها الكذب.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.