تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

رسائل في الاعتذار والاستعطاف

ومن الاعتذار: إنك- أعزّك الله- بحسن معاشرتك للنعم، واستدامتك لها، واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب، واستعمالك الصفح عن المجرم لما في عاقبته من جميل الذكر، وجزيل الأجر، تقبل العذر على معرفتك بشناعة الذّنب، وتقيل العثرة وإن لم تكن على يقين من صدق النيّة، وتدفع السيئة بالتي هي أحسن.

- ومن الاستعطاف: شفع إبراهيم بن المهدي إلى المأمون في محبوس فقال: يا أمير المؤمنين، ليس للعاصي بعد القدرة عليه ذنب، ولا للمعاقب بعد الملكة عذر؛ قال: صدقت، ووهبه له.

كتب إبراهيم بن عبد الله اليقطيني إلى محمد بن ثوابة: إن كان ما أسخطك- أعزّك الله- من جرمي دون مقدار حرمتي، فالصفح عنه واجب لي، وإن كان موازيا فالحسنة تذهب السيّئة، وإن كان فوقه فإنّ الله ﷿ يقول

وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ

(البقرة:) والفضل أعلى منزلة من الحقّ، وأولى بأهل الفضل والمجد. ومن قدّم- أعزّك الله- حرمة ترعى، أو ختم بإقرار وإعتاب يروى لم يكن لسيّئة منه واسطة بين حسنتين جزاء من العقوبة ولا موضع من الحفيظة.

كتب محمد بن عبد كان عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس بن أحمد حين عصى عليه: قد كتبت إليك يا بنيّ كتابا يصل بوصول هذه الرقعة، وعظتك فيه بالعظات النوافع، واحتججت عليك فيه بالحجج البوالغ، وذكّرتك بالدنيا والدين، وخلطت لك الغلظة باللين: أردت بالغلظة تسكين نفارك، وباللين أن أثني إليّ قيادك، فلا تحسب الغلظة يا بنيّ دعتني إليها فظاظة، ولا اللين حملتني عليه ضراعة. وكن على أوثق الثقة وأصحّ المعرفة بأنّ قلبي لك سليم وأنك عليّ كريم.

فصل لأحمد بن يوسف: إنّ عذر المعتذر يكاد أن يلحق بمنزلة المذنب عند أكثر الناس، ولولا جلالة حقّك، ومخافة سخطك، لم أتشبّه في الاعتذار بأهل الذنوب.

- وكتب سعيد بن حميد إلى سليمان بن وهب: إنما يطالب الناس- أعزّك الله- بالإنصاف على قدر منازلهم في المعرفة بفضله، وتلزمهم الحجة فيه على حسب ما عندهم من العلم بشرف محلّه؛ ووردت الكتب عنه بالاستبطاء لي، وتجاوزت فيها إلى ما أستحقّ غيره بإخلاصي وميلي وصدق محبتي. فإن كان ما كتبت به- أعزّك الله- حقّا، فلست أحتشم أن أقول:

قد وقع الأمر في ذلك موقع الظلم لعلّتين: إحداهما أنه كان ينبغي أن تتقدّم إليّ بما تحبّ لأتّبعه وما تكره لأجتنبه، فإن ملت عن الواجب في أحد الأمرين فالعتب حينئذ واقع موقعه، وإلا فما الحجة عليّ، قال الله ﷿ وهو أولى من اتّبع علمه وأطيع أمره وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ

(التوبة:) اللهمّ إلا أن تكون عاتبا بسبب فلان، وقد رددت الحكم فيه إليك، فإن خفّ الكتاب عليك نفذت لأمرك، وإن ثقل حملت نفسي على ما تحبّ، وإن نالني ما أكره. وكان ينبغي أن تنتظر بالعتاب رجوع الجواب، فإن خالفت أمرك فأنا أسرع إلى الحكم لك على نفسي منك. وقد أنصفت أخت جسّاس في قولها:

يا ابنة الأقوام إن شئت فلاتعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تيقّنت التيعندها اللوم فلومي واعذلي

ولست بحمد الله ممن يعيب وليه ولا يغتنم زلّته وهفوته، بل يبسط العذر حين لا عذر له، ويقيم الحجة إن وجبت له عليه. وفي دون ما قلت ما أغنى، لأنّ الاختصار إذا لم يكن كافيا، فإنّ الإكثار أحرى أن لا يكفي.

قيل: وجد حماد بن أبي سليمان أستاذ أبي حنيفة زلّة كانت منه إليه، فأظهر الإعراض عنه، فكتب إليه أبو حنيفة رقعة يقول فيها: من كان ذنبه إلى الكرام، والعفو عنه في أبدي الصالحين، وتوبته إلى الرحماء، وجنايته إلى الحكماء، كان حريّا بالسلامة، وجديرا بالتخلّص من الملامة، وكان ذلك من سعادة جدّه، ومن التوفيق الذي لا يسلمه إلى أشدّ عاقبة أمره.

فلما قرأها حماد صفح عن زلّته، وأعاده إلى رتبته.

- خرج محمد بن البعيث بن حلبس الرّبعي على المتوكل، فأخذه وحبسه، فهرب من الحبس وعاد إلى ما كان عليه، فجيء به وقدّم ليضرب عنقه، فقال له المتوكل: يا محمد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإنّ لي بك لظنّين، أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو.

- كتب أبو محمد المهلبي: أوجست مني إبعادا لك وانعطافا عنك:

وهل يباعد عذب الماء ذو غصصأو ينثني عن لذيذ الزاد منهوم

- عبد العزيز بن الطارقي المغربي:

تمنّيت أنّ الدهر أبقاك عصمةيفوت بها الراجي مدى كلّ أعصما
وإن عرضت دون الرضى منك نبوةوكادت وجوه البشر أن تتجهّما
وأخفق حسن الظنّ إلّا تعلّةيراقب حكم الودّ أن يتلوّما
فيا للنّهى هل من عذير لمشفقتجشّم ذنب الدهر في ما تجشّما

- كتب ابن المعتز جوابا عن كتاب اعتذار: والله لا قابل إحسانك

مني كفر، ولا تبع إحساني إليك منّ، ولك عندي يدان: يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ضرّك، فتجنّب ما يسخطني فإني أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار.

- وقال ابن شهاب: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنّا، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له، فقال: كان أبوك وعمّك يخبّان في فتنة ابن الزبير، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ مثلك إذا عفا لم يعدّد، وإذا صفح لم يثرّب؛ فأعجبه ذلك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.