تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر في الاعتذار والاستعطاف

- قال المدائني: ورد على المنصور كتاب من مولى له بالبصرة أنّ سلما ضربه بالسياط، فاستشاط المنصور غضبا وقال: أعليّ يجترىء سلم؟ والله لأجعلنّه نكالا يتّعظ به غيره. فأطرق جلساؤه جميعا، وأراد ابن عياش أن يعتذر عنه، وكان أجرأهم على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأينا من غضبك على سلم ما شغل قلوبنا، وإنّ سلما يضرب مولاك لا بقوّته ولا قوة أبيه، ولكنّك قلّدته سيفك، وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطامن منه ما رفعت، ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل له ذلك. يا أمير المؤمنين، إنّ غضب العربيّ في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد، وإنّ غضب النبطيّ في استه فإذا خرىء ذهب عنه غضبه؛ فضحك المنصور وكفّ عن ذكر سلم.

قدّم إلى عبد الله بن علي أسير من بني أمية فأمر بقتله، فلما وقف على رأسه بالسيف ضرط، فوقع السيف من يد الرجل المأمور بقتله، فضحك عبد الله وعطف عليه وقال: خلّوا سبيله. فقال الأموي: وهذا أيضا من الادبار، كنّا ندفع الموت بأسيافنا، صرنا ندفعه بأستاهنا.

بلغ أبا إسحاق النحويّ المعروف بالهدهد أنّ أبا إسحاق الزجاج

عاتب عليه، وكان الهدهد أعمى، فقال لقائده: قفني على حلقة الزجّاج في الجامع، فوقفه فصاح به وقال: يا أبا إسحاق أنت مني بمرأى أو مسمع؟

فقال: نعم، فقال: أنشدني وإياك المبرد:

غضبت هند وصدّتبعرة في المدّ الاكبر

ثم انصرف.

- اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فأساء، فقال له يحيى: ذنبك يستغيث من عذرك.

- اعتذر رجل إلى ابن أبي خالد فأساء، فقال لأبي عبادة: ما تقول فيه؟ قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة.

شاعر:

ارفق بعبدك إنّ فيه بلادةجبليّة ولك العراق ومأوه

تمّ الباب السابع عشر في المدح والثناء والشكر، والحمد لله وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وسلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.