من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مكاتبات للصابي في الفتوح
(وللصابي مكاتبات في الفتوح) تدل على مكانه من الكتابة والبلاغة، وفيها إطالة كرهت لها أن تنقل على جهتها، فأوردت منها ما جاز، وتخيّرت من فصولها الأوجز والأفصح:
فمن ذلك كتابه عن صمصام الدولة إلى فخرها يذكر هزيمة
القرامطة وفتح الكوفة: كتابي- أطال الله بقاء مولانا- والسلامة لمولانا أمير المؤمنين شاملة، والكفاية بحوزته كاملة، فظلّه على الأمير السيد وعليّ ظليل، ورأيه فينا حسن جميل، وأنا للنعمة في ذلك مبد معيد، ومنها بالشكر مستمدّ ومستزيد، والحمد لله رب العالمين. وإذا قضى الله لي- أطال الله بقاء مولانا- بعلوّ يد على مطاوليها، وظهور راية على منازليها، وحلول نقمة بالمتمرسين بي، وامتناع جانب على المتطرفين لي، رأيت أنّ الموهبة في ذلك بادئة به قبلي، وواصلة إليه ثم إليّ، لتمسّكي بطاعته وولائه، واستئثاري على الأقران بحسن معتقده ورائه، ولأنّ الحضرة التي أنا مدبّرها دار أمير المؤمنين وحماه، وظل السلطان وذراه، فبصلاحها تصلح الأوساط والأطراف، وبصيانتها تصان الأثباج والأكناف؛ هذا إلى اجتماعي معه في ذروة مفخرنا الأفخم، وذؤابة بيتنا الأعظم، الذي حصّنه الله بجلالة الأسلاف، ونجابة الأخلاف، وكرم القديم، وشرف الحديث، وتكفّلي بحياطة ما يليني من الممالك التي ينادى بشعاره في أرجائها، وتمتنع بذكره على أعدائها. وجميع هذه المنح كالثمرات المجتناة من تقوى الله وطاعته، والتحدّث بآلائه ونعمه، والإقرار بالضّعف لولا أن أيّدنا الله، وبالضعة لولا أن أنهضنا، واللياذ به في كلّ أمر أهمّنا وملمّ طرقنا، وعلى حسب هذه الاستكانة منّا له، والإخبات لكبريائه وعظمته استكبار أعدائنا واستعلاؤهم، وسعيهم علينا وإجلابهم، ومخالفتهم في معاندتنا ومجاذبتنا إرادة الله سبحانه فينا، إذ مكّن لنا في الأرض، وفضّلنا على كثير من الخلق؛ لا جرم أنه عزّ وجهه يحكم لنا عليهم حكومة باطنها باطن عدل وإنصاف، وظاهرها ظاهر حيف وإجحاف، لأنّ العاقبة تكون لنا على المداومة لا المداولة، والدائرة تدور عليهم على المتواترة لا على المناوبة؛ وكان الأولى بهم إذ لم يكفّهم
العلم والمعرفة أن تكفّهم العادة الجارية، وإذ لم يحجزهم التأمل والروية أن تحجزهم التجربة المتكررة. وكفى بنا وبهم استطالة عليهم منّا، وانحطاطا منهم عنّا، أنّا على ذلك نكافحهم مراقبين لله تعالى، ويواجهونا محتربين على الله، حتى كأنّ تلك العادة لهم جرت لا لنا، وكأنّ بأس الله حلّ بنا لا بهم، فلهذا تنجلي عواقب ما بيننا وبينهم عن قهر جميعهم، وفضّ جموعهم، والاستظهار عليهم، والإحاطة بهم. فالحمد لله رب العالمين حمدا عائدا آخره إلى الابتداء، ومستمرّا لا إلى غاية وانتهاء. وذلك أبلغ ما يقوله ذو الأجل المحدود، في شكر المنعم المتفرّد بالخلود. ووفّر الله حظّ مولانا من دعائي هذا وكلّ دعاء صالح سمع مرفوعه وأجاب مسموعه، بمنّه وطوله، وقدرته وحوله.
وكان إسحاق وجعفر الهجريّان، ومن وراءهما من الأهل والأقران، أظهروا ما أظهر أشياخهم قبلهم من شعار المسلمين، وأقاموا الدعوة لمولانا أمير المؤمنين، وعقد بيني وبينهم ذمام اقتضاني الوفاء والمحافظة عليه، والرجوع في كلّ ما يجري بيني وبينهم إليه. فلما كان مذ مديدة بلغني أنّ هذين المسمّين منهم سارا إلى البصرة في جموع أكثفاها، وطوائف حشراها، ثم نحيا إلى الكوفة، فقدّرت أنّهما مجتازان عليها الى بعض الفلوات، لمطالبة سكّانها من العرب الذين على طاعتهم بالاتاوات، على عادة لهم بذلك قد عرفت، وسنّة قد ألفت، فلم يكن عندي من الاهتمام بأمرهما والاستعداد لهما إلا ما يجب للضيف الطارق والزائر الوافد، من مكاتبة العمال بإحسان عشرتهما وإجمال معاملتهما، وإقامة الأزواد لهما ولمن في جملتهما. فحين أناخا من الكوفة بالفناء، وخالطا من كان بها من العمّال والأولياء، تأوّلا بصغائر من الأمور لا عذر للمعتذر بها، ولا حجّة للمعوّل عليها، فخلعا الرّبق المحيطة بالأعناق، وأبديا الصفحة بالعناد والشقاق، وغيّرا الخطبة عن رسمها، وأقاماها على خلاف واجبها، وانتميا إلى طاعة بعض
الأهل تمويها على الأولياء، واجتذابا لهم إلى الازورار والالتواء، ولم يعلما أنّهما في ذلك يستهيجانهم فضل استهاجة، ويستزيدان من استثارتهم لدفعهما لما يعتقدونه في طاعتي من مصارمة كلّ مصارم لي وإن مسّ نسبه، وعداوة كلّ معاد وإن قرب منتسبه، ولأنهم كانوا يلقونها لو تركا هذا الاعتزاء، واطّرحا هذا الانتماء، بالقليل من الفكر فيهما، والكثير من الاستهانة بهما، فكأنّهما بما لجآ إليه من تلك الدعوى الباطلة، إنما استكثرا من حتفهم، واستوفرا من بأسهم، كل ذلك زلل في الرأي وخلل، وخطا في التدبير وخطل، فما تركت مع أول معرفتي بما فعلاه التمسك بالمعتقد الصحيح، والجري على الخلق السجيح، أن تقدمت إلى أبي الريان حمد بن محمد- أدام الله عزه- بمكاتبتهما بما دعيا فيه إلى رشدهما، واستنزلا به عن مركب غيّهما، وعرّفا أنّي أسعفهما بشيء إن كانا يسألانه، وأجيبهما إلى ما تجوز الإجابة إليه مما يلتمسانه، إذا تلافيا ما أقدما عليه، وعفّيا على ما أجريا إليه، فما ازدادا بذلك إلّا إصرارا على المنافرة، واستبصارا في المجاهرة، اغترارا بقوتهما، وكانت ألوفا من الرجال، وبمن التفّ إليهما من عشائر السواد ودعّار البلاد، وهم نحو عشرين ألف رجل. فأمرت حينئذ أبا الريان بالانتقال في مخاطبتهما عن التأنّس إلى التحمّس، وعن التلطّف إلى التعسّف، تقديما للنذر ونبذا للعذر، زمجرة الليث قبل الافتراس، ونضنضة الصلّ قبل الانتهاس، وانباض النابل للنذير، وإيماض السائف للتحذير، فأبيا إلّا تهافتا على الشرّ، كتهافت الفراش على الشّهاب، وهجوما على الأولياء كهجوم النّقد على ليوث الغاب.
منها:
وتقدّم أبو مزاحم بجكم الحاجب في عقد جسر على الفرات حتى عبر، فاصطكّ الجمعان، وتطاعنا وتضارب الفريقان، واشتدّت المعركة، واحتدمت الملحمة، ثم أسفرت العاقبة، وانجلت العجاجة، عن فقد ابن الجحيش هذا مرتثّا بضربات قد أثخنته، وقتل ألوف من أصحابه، وأسر كثير من أبطاله،
وحصول ثلاثة آلاف رأس من كراعهم، وثلاثة آلاف رأس من جمالهم في أيدي الأولياء وأتباعهم، سوى ما استبدت به البادية وهو أكثر من ذلك، وتفرّق الباقون في جهات المهارب، واعتصموا بالغياض والأنهار والمسارب. ووصل الفلّ إلى إسحاق وجعفر، وقد كانا بقيا في قلّ من عسكرهما، لتوجيههما جماهيره في هذه الحرب، فما تمالكا أن انهزما ناكصين خائبين، وضربا في البلاد مذعورين هاربين. وقيل إنّ مبلغ من نجا معهما من الفرسان ستمائة فارس، وصار من سواهم من تلك الجموع العظيمة والأحزاب الكثيرة بين أسير مكبّل، وقتيل مرمّل، ومستأمن داخل في الذمّة، وتائب مستقيل من العثرة، وراجل لا تحمله رجلاه، ولا يبلّغانه النجاه، وغريق في الفرات والأنهار لم يعرف خبره ولا بان أثره.
ومنها:
فالحمد لله ربّ العالمين حمدا لا يقصّر عن قضاء حقّه وأداء فرضه، واستحقاق مزيده واستنجاز وعده، وإياه أسأل أن يجعل ما أنا مصرّفه من رايات مولانا أمير المؤمنين وسيدنا الأمير منصورا على كلّ صادّ عن الحقّ بوجهه، وشامخ عليه بأنفه، ومتجاوز عنه بطرفه، ومخالف له بسرّه وجهره، ومجلب عليه بخيله ورجله، إنّ ذلك إليه وبيده، وهو المأمول المرجوّ بفضله وطوله، وقوته وحوله. فإن رأى مولانا أن يضيف هذه النعمة إلى نعم الله عنده المطيفة به، ومواهبه الراهنة عنده، ويعدّها من آيات إقباله وعلامات نصره، ويزيدها في محامد أوليائه، ومكايد أعدائه، ويأمر بإظهارها على ما جرت العادة به في أمثالها، ليأخذ منها المخالص حصّته، ويعالج بها المنافق غصتّه، وأجانبي بما أسكن إليه من أخباره وأحواله، وأمتثله من أوامره ونواهيه، فعل، إن شاء الله تعالى.
وكتب عن الوزير أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعدان إلى الأمير فخر الدولة عند فتح الموصل، وانهزام باد الكردي عنها: كتابي- أطال الله بقاء مولانا، ومولانا الأمير صمصام الدولة جار على أفضل حال جمع الله بينهما فيها على تمام عزّ ونصر، ونفاذ نهي وأمر، وعلوّ كلمة وراية، وسبوغ موهبة ونعمة، وشكر لله يستزيده من فضله، ويستدرّ المادة من طوله- وأنا جار في ما أحمله من أعباء خدمتها، وأتولّاه من معاظم شؤونها، على أجمل ما عوّد الله وزراء هذه المملكة المناصحين لها، وأولياءها المحامين عنها، من هداية إلى مراشد الأمور، وتوفيق لصواب التدبير، والحمد لله رب العالمين.
وقد جعل الله هذه الدولة الشريفة- أطال الله بقاء مولانا الأمير الجليل- مختوما لها بقوة الأسباب، وثبات الأطناب، وعزّ الأولياء، وذلّ الأعداء، فلم تلمّ بها ملمّة من ملمّات الزمان إلّا خفّ حملها، وقلّ لبثها، وقرب الخروج منها، وحسنت العاقبة فيها، ثم يكون مآلها إلى عزّ يتجدّد ويتمهّد، ونصر يتكرّر ويتردّد، وثيقة من الله لا تنقض عقودها، ولا تنكث عهودها، وعلى حسب ذاك تكون الجولة الجائلة من عدوّها في قصر المدّة، وانحلال العقدة، والإفضاء إلى عواقب الهلاك والبوار، وغايات الخذلان والإدبار. فأدام الله ذلك ولا قطعه، وتمّمه ولا انتقصه، وألهمنا الشكر الذي هو قيد النعم وشكالها، وحبسها وعقالها، ولا أخلانا من مواظبة عليه يتنجّز بها المزيد المضمون منه، إنّه جلّ وعزّ بذلك جدير، وعليه قدير. وقد عرف مولانا حال باد الكردي في كفر النعمة وغمطها، وإنكار الصنيعة وجحدها.
ومنها:
وكان مولانا صمصام الدولة يتأدّب في أمره بأدب الله ﷿ في دعائه إلى رشده، والصدوف به عن غيّه، وتقديم الإعذار إليه، والأخذ بالوثيقة عليه،
طمعا في أن يعطف إلى ما يعطف إليه التائب المنيب، والمراجع المصيب، والنازع عن الغواية، والعادل إلى سبيل الهداية، حتى إذا تقدّمت النّذر، وبلغ الإملاء إلى الحدّ المنتظر، استأنف به طريقا أخرى في الصّمد لاستئصاله، وتنجّز عادة الله في أمثاله، فجرّد إليه عسكرا استخلف صاحب الجيش أبا حرب زياد بن سهلويه واستظهر في تكثيف عدده وتوفير عدده؛ فنهض إلى عدوّ الله اللعين، متوكلا على الله ربّ العالمين، ومستشعرا شعار الدولة التي عوّدها الله إعزاز المرامي عنها والمحامي من ورائها، وإذلال المحادّ لها والساعي عليها. وورد في هذا الوقت كتابه من الموصل بأنه افتتحها ودخلها بعد حروب شديدة اضطرمت، ومعاركات متّصلة احتدمت، وثبات من ذلك الحائن للمقارعة، واستبسال في المجاهدة والمصارعة.
ومنها:
ونجا بحشاشته معتدّا أن سلم بها من أعظم غنائمه، ولا سلامة لمثلها مع عظيم ما نزل عليها وأحاط بها. ووقع الاستظهار بإنفاذ من يقتصّ أثره ويأتي بإذن الله عليه، والحمد لله ربّ العالمين حمدا يكون لانعامه مجازيا، ولاحسانه موازيا، وإن كانت آلاوه ﷿ لا تجازى ولا توازى، ولا تجارى ولا تبارى، ولا تقابل إلا بالانحطاط لها، وخفض الجناح دونها، والاعتراف بالعجز عن مداها، والقصور عن منتهاها. وهنأ الله مولانا بهذا الفتح المنسوب إليه، المقصور عليه، المستثمر من بركة أيامه، المستنتج عن إقبال جدّه. وأطال الله بقاءه وبقاء مولانا صمصام الدولة لعدوّ يرغمانه، ووليّ يعزّانه، وحجة حقّ
يثقبان زنادها، ويرفعان عمادها، وشبهة باطل يطفئان نارها، ويخفضان منارها، وجمع بينهما في هذه النعمة في أمثال كثيرة لها، لا يزالان يشتركان فيها، ويتناصفان الموهبة منها، ويتراجعان البشائر والتهاني بها، بمنّه وقدرته.
وكتب عن صمصام الدولة أبي كاليجار إلى فخر الدولة أبي الحسن في معنى ما جرى عليه من أمر أسفار بن كردويه عند عصيانه سنة خمسين: من أعظم النعم- أطال الله بقاء مولانا- قدرا، وأسيرها ذكرا، وأسناها خطرا، وأحسنها أثرا، نعمة سكّنت ثورة، وأطفأت فورة، وعادت على الناس بجميل الصّنع، وجليل النفع، وتظاهر الأمور، وصلاح الجمهور، فتلك التي يجب أن يكون الشكر عليها مترادفا، والاعتداد بها متضاعفا، بحسب ما أزالت من المضرّة، وجدّدت من المسرّة، وأماطت من المحذور، ويسّرت من المأمول.
وحقيق على الناس أن يعرفوا حقّها، ويوفوا من حمد الله قسطها، ويتنجّزوا وعده الحقّ في إدامتها وإطالة الإمتاع بها. فالحمد لله على أن جعلنا ممن يعرف ذلك ويهتدي إليه، ويعتقده وينطوي عليه، ويؤدّي فرض الاجتهاد في الاستدامة له والاستزادة منه، وأن خصّنا من هذه النعم بذوات الفضل السّابغ، والظلّ الماتع، الجامعة لكبت العدوّ ومساته، وإبهاج الولي ومسرّته، وهو المسؤول- جلّ اسمه وعزّ ذكره- ألا يسلبنا ما ألبسناه من سرابيلها، وأحرزناه من فضل ذيولها، وعوّدنا من جلالة أقدارها، وتعاظم أخطارها؛ ولا يعدمنا معونة منه على بلوغ أقصى الوسع في الاعتداد بها، ومنتهى الطّوق في النّشر لها، بمنّه وطوله وقوّته وحوله.
وقد عرف مولانا حال أسفار بن كردويه في اصطناع الملك السعيد عضد الدولة إياه، وجذبه بضبعه من مطارح الأصاغر إلى منازل الأكابر، ومن مزاجر
المتأخرين إلى مراتب المتقدّمين، حتى جمّت عنده الأموال، وتأثّلت له الأحوال، ووطىء عقبه من الأولياء من هم أكرم منه حسبا، وأفضل أمّا وأبا، وأنني حملته على حكم الرعاية الذي لا يزال يحمل عليه، من تظاهر الصنيعة لديه، وتقادم الإحسان إليه، إيفاء به على تلك الغاية، وزيادة له في الإيجاب والعناية، وإفاضة لسجال المواهب عليه حالا بعد أخرى، وثانية تلو أولى، فكان يقابل جميع هذه الحقوق بالنّكث والنّقض، والكفر المحض، إرصادا للدولة، واستعدادا للوثبة، وإسرارا للغيلة، وإعمالا للحيلة، وإفسادا لسفهاء الرجال الذين علم منهم ضعف النحائز ولؤم الغرائز، والإسفاف إلى الدنية، والإيضاع في الفتنة. وتمادت بي وبه الأيام في تناولي إياه بالتسكين والتأنيس، ومضيّه على غلوائه في الإدهان والتلبيس، إلى أن بلغت عقاربه في دبيبها إلى الأخ أبي نصر، فصادف منه حدثا غرّا، وصبيا غمرا، فأزاله عن سبيل الرشاد، واستزلّ قدمه عن مقام السّداد، وساعده على جميع ذلك أوثق كتّابي- كان- عندي، وأقدمهم رتوعا في نعمتنا، وأولاهم بالوفاء لنا، لولا أنّ البطنة نزت به، والشقوة انتحت له، فلان بن فلان.
منها:
إلى أن حكم الله بينهما حكمه العادل، وأمضى عليهما أمره النافذ، بإظهار رايتنا المنصورة، وتنكيس تلك الراية المخذولة، فانهزم أسفار وفلان، فريدين وحيدين، واستباح الأولياء ما كان هذا اللعين اشتمل عليه من أموالنا، وحاربني به من سلاحي وكراعي، وحصل الأخ أبو نصر في قبضتي أسيرا نادما، ومتأسّفا واجما، وقتل في المعركة خلق كثير من أولئك الفسقة، واستأمن الباقون، ولجج سرعان الخيل في قصّ آثار الهاربين، ولا شكّ أنّ الله يظفر بهم أجمعين على عادة
قضيته لهذه الدولة بإظهارها على كلّ غامط لها نعمة، وجارّ عليها فتنة. فالحمد لله حمدا لا تضرب عليه حدود الغايات، ولا يقف عند الأقاصي والنهايات، لكنه ينمي ويزيد، ويبدأ ويعود، حتى يبلغ رضى الله سبحانه، ويقضي حقّه ويؤدي فرضه، ويقتضي وعده، بمنّه وطوله، وإحسانه وفضله.
وهذه حال يسّرها الله بيمن مولانا، وببركة أيّامه، وإقبال دولته، وسعادة جدّه، وما يجمعني إليه من جوامع الموالاة وأسباب المشاركة، فهنأه الله إياها من نعمة جلّ موقعها، وعمّ نفعها وحسن أثرها، وعزّ الولي بها، وذلّ العدوّ لها.
ولا أخلاه من استماع البشائر بأمثالها في الاستعلاء والظهور، والابتهاج والحبور، وتذلّل الخطوب، وتأتّي المحبوب، واستقامة الأمور، ومسالمة المقدور، إنه بذلك جدير وعليه قدير.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع