من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثاني الولاية
- تهنئة بخلافة: فإنّ أولى النعم بالدوام، وأرجاها للبقاء والتمام، وأجدرها بالخلود، وأقربها إلى المزيد، وأحراها بالسّلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث، نعمة نشأت بفنائه، وسكنت ذراه، فحمدت مثواه، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم المصاحبة، سياسة الحاني الشفيق، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق، فزكت ونمت، وخصّت وعمّت، ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها، وأزعج كوامنها، وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس، والنفّرة بعد الإلف، تتقلقل تقلقل العوادي، وتشرد شرود الضوالّ، لافظة لها الأقطار، ونابية بها المحالّ، إلى أن أعادها الله تعالى بلطفه إلى معانها المعروف، وربعها المألوف، واستقرّت بعد الاضطراب، وفاءت بعد الاغتراب، وتلك نعمة الله عند سيدنا أمير المؤمنين، بما جدّده له من كرامته، واصطفاه من خلافته، وطوّقه إياه من أمانته، وردّه إليه من تدبير الملك، واعتمد عليه من سياسة الأنام، فأحيا به السّنن القاصرة، وأزال به الرسوم الجائرة، ونهج به سبل العدل، وأقام به منار الفضل.
من كتاب: وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليط الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن ميّل بينك وبين الذين سموا لرتبتك، وأجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضمارك، وخفّوا في ميزانك.
- روي أنّ الوليد قام على المنبر بعد موت عبد الملك فقال: يا لها من مصيبة ما أفجعها وأعظمها وأشدّها وأوجعها وأعمّها، موت أمير المؤمنين، ويا لها من نعمة ما أعظم المنّة من الله عليّ فيها، وأوجب الشكر له بها، خلافته التي تسربلتها. فكان أول من عزّى نفسه وهنّأها بالخلافة. فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلّم عليه بالخلافة قال: أصبحت يا أمير المؤمنين ورثت خير الآباء، وسمّيت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعزم الله لك على الرزيّة بالصبر، وأعطاك في ذلك فواضل الأجر، وأعانك في حسن ثوابه على الشكر، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله المنازل المرضيّة.
فأعجبه كلامه وقال: أثقفي أنت؟ قال: نعم، وأحد بني معتّب، فسأله في كم هو من العطاء، فقال: في مائة دينار، فألحقه بشرف العطاء.
- وقال محمد بن العلاء السجزي: لما ولي عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة دفع إليّ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر رقعة فيها تهنئة بالوزارة فأوصلتها إلى عبيد الله بن سليمان، وفيها:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنافأسعفنا في من نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّهاودع أمرنا إنّ المهمّ المقدم
فضحك وقال لي: يا أبا عليّ، ما ترى كيف لطف بشكوى حاله في تهنئته؟
امض إليه فأبلغه سلامي وجئني برقاعه في حوائجه. فمضيت وجئته برقاعه، فوقّع في جميعها بما أحب.
- البحتري:
اليوم أطلع للخلافة سعدهاوأضاء فيها بدرها المتلّل
لبست جلالة جعفر فكأنّهاسحر تجلّله النهار المقبل
جاءته طائعة ولم يهزز لهارمح ولم يشهر لديها منصل
حتى أتته يقودها استحقاقهويقوده حظّ إليها مقبل
- وقال أيضا:
ما تصرّفت في الولاية إلافزت من حمدها بحظّ جسيم
لم تزل من عيوبها أبيض الثوب ومن دائها صحيح الأديم
- وقال أيضا:
ولتهنك الآن الولاية إنهاطلبتك من بلد بعيد المنزع
لم تعطها أملا ولم تشغل بهافكرا ولم تسأل لها عن موضع
- وقال أيضا:
هنيئا لأهل الشام أنّك سائرإليهم مسير القطر يتبعه القطر
تفيض كما فاض الغمام عليهموتطلع فيها مثل ما طلع البدر
ولن يعدموا حسنى إذا كنت فيهموكان لهم جارين جودك والبحر
مضى الشهر محمودا ولو قال مخبرالأثنى بما أوليت أيامه الشهر
- وقال أيضا:
أرضى الإله نفوسا طالما سخطتوأعتب الدهر قوما طالما عتبوا
وأكسف الله بال الكاشحين علىعمد وأبطل ما قالوا وما كذبوا
- طريح بن إسماعيل الثقفي في المنصور:
لما أتى الناس أنّ ملكهمإليك قد صار أمره سجدوا
واستبشروا بالرّضى تباشرهمبالخلد لو قيل إنهم خلدوا
كنت أرى أنّ ما وجدت من الفرحة لم يلق مثله أحد
حتى رأيت العباد كلّهمقد وجدوا قاربوا فيك مثل ما أجد
قد طلب الناس ما بلغت فمانالوا ولا قاربوا وقد جهدوا
يرفعك الله بالتكرّم والتتقوى فتعلو وأنت تقتصد
قد صدّق الله مادحيك فمافي قولهم فرية ولا فند
تهنئة لأبي إسحاق الصابي: أهنىء الوزير- أطال الله بقاءه- بالحال التي جدّدها الله له، كما يهنأ ناشد الضالّة إذا وجدها، أو كما يهنّا طالب الغريبة إذا ظفر بها؛ وقديما ألقت الوزارة إليه بالمقاليد، وتحمّلت به تحمّل من سواه بها، وسمت إليه سموّ غيره لها، بما جمع الله من الأدوات التي ببعضها تستحقّ
الرياسات. فالحمد لله على أن جعله لها نصابا تستقرّ فيه، وملاذا تعتصم به، وكفؤا كريما تؤثره ولا تفركه، وتأوي إليه ولا تنشز عنه. وعرّفه الله بركة مقدمها بعد الاغتراب، واستيطانها بعد التقلّب والاضطراب، ولا أعدمه النهوض بأعبائها، ولا عرّى مناكبه من ردائها، وأعانه فيها على اكتساب المكارم، وادّخار المثاوب، مشتملا عليها حائزا، ومستبدّا بها فائزا، ليكون فناؤه - عمره الله- سوقا لبضائعها، وأيامه- أطالها الله- موسما لوفودها، فيسعد بعاجل ثمرها وجناها، ويحظى بآجل ذكرها وثناها، بمنّه.
سعيد بن حميد: النعمة فيك أجلّ من أن يقضى حقّها بالقول دون الاجتهاد في كلّ ما يرضي الله ﷿ من الفعل. ولكنّ الله جعل تقديم الحمد عند المنعم عليه علامة من علامات الشكر، وفرقا بين العالم بالحقّ والجاهل به. والحمد لله رب العالمين حمد معترف لله بأن أقصى ما يبلغه من الشكر مقصّر عن أداء ما تطوّل به من نعمه، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله صلاة تبقى بعد موت قائلها، ويتّصل على طول الأيام تتابعها، وأسأل الله الذي بيده ملكوت كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير أن يتولّاك بالتوفيق للشكر، فإنّ كلّ نعمة خلت من الشكر فإنّ اسم البليّة أولى بها، وأن يمدّك بالمزيد، ويحرسك من الغير، ويحسن لك العواقب، ويبسط يدك ولسانك بأجمل القول والفعل، فإنّ أولى الدعاء بالإجابة دعاء خرج من نيّة صادقة وطويّة صحيحة، والله يعلم كيف النيّة لك، والشكر لسالف بلائك، والعلم بفضلك على كثير من أهل دهرك بل على من تقدّمهم من أهل الدهور المذكورة بالخير، الموصوفة بالفضل.
كاتب آخر: لو أمسكت عن التهنئة بما جدده الله من هذه النعمة
اعتمادا عليك بالنية ومشاركتي إياك في السرور بكلّ ما خصّك الله به من الكرامة، وخلطت بذلك ذكر ما أنا متصرّف فيه من المحنة التي تحول بيني وبين كثير من الفرض والنافلة، لكنت في ذلك على سبيل يجب بها العذر، وتزول معها الحجة؛ لكنّي كرهت الإخلال بالعادة، وإضاعة ما جرت به السنّة، فأقتصر على ما حضرني من القول والدعاء الذي أرجو من الله الإجابة لأنه يخرج عن إخلاص من السريرة وصدق من النيّة؛ وأنا أسأل الله المتطوّل بالنعم قبل الاستحقاق لها، والهادي إلى شكرها ليوجب بذلك المزيد منها، أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، فإنّ ذلك أولى ما تفتتح به المسألة، وتستنجح به الطّلبة، وأن يتولّاك في لطيف أمورك وجليلها بالحياطة، ولا يخليك من جميل الصنّع والكفاية، فإنه لا ضيعة على من تولّاه، ولا خوف على من حاطه وكفاه، وأن يقرن لك رأيك بالتوفيق، فإنه خير قائد وقرين، ويصل أمرك بالتسديد، فإنه أفضل صاحب ومعين، ولا يكلك إلى نفسك في قريب من الأمر ولا بعيد، فإنه من وكل إلى نفسه فقد وكل إلى غير كاف، وأسلم إلى أضعف ناصر، وأن يصحبك في أمرك كلّه العافية، ويختم لك بحسن العاقبة. ولم أكن أكلّفك أعزّك الله الجواب في أوقات الفراغ، إبقاء عليك من الأذى، وعلى نفسي من مزلّة التثقيل، فكيف أكلّفك ذلك مع اتصال الشغل والعمل؟.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع