تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الثامن شواذ التهاني

حضر أعرابيّ وليمة فرأى نعمة فقال: النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأدام الله لك ما أنت فيه، وحقّق ظنّك في ما ترجوه، وتفضّل عليك بما لا تحتسبه.

- كتب جعفر بن يحيى إلى صديق له: ما جاوزتني نعمة خصصت بها، وما قصّرت دوني ما كان محلّها بك.

- وكتب أبو إسحاق الصابي إلى رجل زوّج أمّه: قد جعلك الله- وله الحمد- من أهل التحصيل، والرأي الأصيل، وصحة الدين، وخلوص اليقين، فكما أنك لا تتبع الشهوة في محظور تحلّه، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره. وتأدّى إليّ من اتصال الوالدة- نفّس الله لها في مدتها ومدّتك، وأحسن في البقية منها إمتاعك- بأبي فلان، أعزّه الله، ما علمت فيه أنك بين طاعة للديانة توخّيتها، ومشقة فيها تجشّمتها، وأنك جدعت أنف الغيرة لها، وأضرعت خدّ الحميّة فيها، وأسخطت نفسك بإرضائها، وعصيت هواك إليها.

فنحن نهنئك بعزيمة صبرك، ونعزّيك عن فائت مرادك، ونسأل الله الخيرة لك فيه، وأن يجعلها أبدا معك في ما شئت وأتيت، وتجنّبت وأبيت.

- ولكاتب متقدم في المعنى: الرضى بما يبيحه حكم الشريعة أولى من الامتعاض مما تحظره أنفة الحمية، ولا قبح في ما أحلّ الله، كما لا جمال في ما حرم الله، فعرّفك الله الخيرة في ما اختارته من طهارة العفاف ونبل الحصانة، وعطفك من برّها على ما تؤدّي به حقها، وما ألزمك من المعروف في مصاحبتها.

- البحتري يهنىء الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق:

بعدوّك الحدث الجليل الواقعولمن يكايدك الحمام الفاجع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
قلنا لعا لما عثرت ولا تزلنوب الليالي وهي عنك رواجع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
ولربّما عثر الجواد وشأوهمتقدّم ونبا الحسام القاطع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
لن يظفر الأعداء منك بزلّةوالله دونك حاجز ومدافع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
إحدى الحوادث شارفتك فردّهاصنع الإله ولطفه المتتابع
وفضيلة لك أن منيت بمثلهافنجوت مبتدئا وقلبك جامع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
حتى برزت لنا وجأشك ساكنمن نجدة وضياء وجهك ساطع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعدوك الحدث الجليل الواقع»
ما حال لونك عند ذاك ولا هفاعزم ولا راع الجوانح رائع

- فرّ أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فدخل إليه أهل البصرة فلم يدروا كيف يكلّمونه، ولا ما يلقونه به من القول،

يهنئونه أم يعزّونه، حتى دخل عبد الله بن الأهتم فاستشرف الناس له وقالوا: ما عسى أن يقول لمنهزم؟ فسلّم وقال: مرحبا بالصابر المخذول، والحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة جهدك، ولكنّ الله علم حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك.

فقال أمية: ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك.

- عزل الرشيد الفضل بن يحيى عن عمل وقلّده جعفرا أخاه، فكتب يحيى إلى الفضل: قد رأى أمير المؤمنين أن تحول الخاتم من شمالك إلى يمينك. فأجاب الفضل: سمعا لأمير المؤمنين وطاعة، وما انتقلت عني نعمة صارت إلى أخي.

- كتب عامل إلى المصروف به: قد قلّدت العمل بناحيتك، فهنّاك الله تجدّد ولايتك، وأنفذت خليفتي لخلافتك، فلا تخله من هدايتك إلى أن يمنّ الله بزيارتك. فأجابه: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك، وإني لأجد صرفي بك ولاية ثانية، وصلة من الوزير وافية، لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة ومحمود العاقبة، والسلام.

»

- إبراهيم ابن عيسى الكاتب يهنّىء إبراهيم بن المدبّر بالعزل عن عمل:

لتهن أبا إسحاق أسباب نعمةمجدّدة بالعزل والعزل أنبل
شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوالأنّك يوم العزل أعلى وأفضل

- آخر في ما يشبهه:

إنّ الأمير هو الذييضحي أميرا عند عزله
إن زال سلطان الولاية فهو في سلطان فضله
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ان الأمير هو الذي»

وصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد فأرسل من جاء به، فقال له الطريحيّ: يا أمير المؤمنين هناك الله ما خصّك به من نيل مباغيك، وإدراك محابّك، فما شيء يصغر مع طلب أمير المؤمنين عن أن يهنّأ به، ويرغب إلى الله في زيادته. فقال له المتوكل: هو لك جزاء عن هذه التهنئة، فبعه منّي بحكمك.

فباعه منه بألفي دينار، فألقاه على أسد فتواثبا وتناهشا حتى وقعا ميتين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.