من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الأول مراثي الأكابر والرؤساء
- وقف عليّ بن أبي طالب ﵇ على قبر رسول الله ﷺ ساعة دفن وقال: إنّ الصبر لجميل إلّا عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلا عليك، وإنّ المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل.
- وألمّ الشعراء بهذا المعنى فأكثروا. فمن ذلك قول إبراهيم بن إسماعيل في عليّ بن موسى الرضا ﵇:
إنّ الرزية يا ابن موسى لم تدعفي العين بعدك للمصائب مدمعا
والصبر يحمد في المواطن كلّهاوالصبر أن يبكى عليك ويجزعا
- وقال الشماخ يرثي عمر بن الخطاب ﵁:
جزى الله خيرا من أمير وباركتيد الله في ذاك الأديم الممزّق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامةليلحق ما قدّمت بالأمس يسبق
أتيت أمورا ثم غادرت بعدهابوائج في أكمامها لم تفتق
وما كنت أخشى أن تكون وفاتهبكفي سبنتى أزرق العين مطرق
- وقال زهير بن أبي سلمى يرثي النعمان بن المنذر:
ألم تر للنعمان كان بنجوةمن الشرّ لو أنّ امرءا كان ناجيا
فغيّر عنه رشد عشرين حجةمن الدهر يوم واحد كان غاويا
فلم أر مسلوبا له مثل قرضهأقلّ صديقا معطيا ومؤاسيا
فأين الذين كان يعطي جيادهبأرسانهنّ والحسان الغواليا
وأين الذين كان يعطيهم القرىبغلّاتهنّ والمئين الغواديا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهممنيّته لما رأوا أنها هيا
وقالت أعرابية ترثي ابن عمّها:
عجبت لطود للمعالي وزاخرمن الجود أنّى صيّر اللحد مضجعا
فلم يلتحد جهم وحيدا وإنماحوى لحده طود المكارم أجمعا
ولم يخترمه الدهر فردا وإنماأصاب به بحر الندى والسّدى معا
وقد كانت الدنيا بجهم نضيرةفأحر بها من بعده أن تخشّعا
- وقالت ليلى بنت وهب ترثي أخاها المنتشر بن وهب الباهلي، وإنما أثبتناها في هذا الفصل لأنها أبنته تأبين الأكابر، والمقصود معنى المرثية لا من قيلت فيه، وبعض الرواة ينسبها إلى أعشى باهلة:
تنعى الذي لا يغبّ الحيّ جفنتهإذا الكواكب أعمى نورها القتر
من ليس في خيره شرّ ينكّدهعلى الصديق ولا في صفوه كدر
وليس فيه إذا استنظرته عجلوليس فيه إذا ياسرته عسر
أخو رغائب يعطيها ويسألهاجمّ المواهب مقسوم له الظفر
لم تر أرضا ولم تسمع بساكنهاإلا بها من بوادي غزوه أثر
لا يأمن القوم ممساه ومصبحهمن كلّ أوب وإن لم يأت ينتظر
يكفيه حزّة فلذ إن ألّم بهامن الشواء ويكفي شربه الغمر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبهوكلّ شيء سوى الفحشاء يأتمر
فإن جزعنا فمثل الخطب أجزعناوإن صبرنا فإنّا معشر صبر
إن تقتلوه فقد أشجاكم حقباكذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
إما سلكت سبيلا كنت سالكهافاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
إما علاك عدوّ في منازلةيوما فقد كنت تستعلي وتنتصر
- وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
ألا يا صخر إن أبكيت عينيلقد أضحكتني دهرا طويلا
دفعت بك الجليل وأنت حيّفمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
- وقالت أيضا:
ألا هبلت أمّ الذين غدوا بهإلى القبر ماذا يحملون إلى القبر
وماذا يواري القبر تحت ترابهمن الجود يا بؤس الحوادث والدهر
فشأن المنايا إذ أصابك ريبهالتغد على الفتيان بعدك أو تسري
- وقال الأبيرد الرياحي يرثي أخاه:
تطاول ليلي لم أنمه تقلّباكأنّ فراشي حال من دونه الجمر
أراقب من ليل التمام نجومهلدن غاب قرن الشمس حتى بدا الفجر
تذكّرت قرما بان منّا بنصرهونائله يا حبّذا ذلك الذكر
فإن تكن الأيام فرّقن بيننافقد عذرتنا في صحابته العذر
وكنت أرى هجرا فراقك ساعةألا لا بل الموت التفرّق والهجر
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنىوإن قلّ مالا لم يؤد متنه الفقر
وسامى جسيمات الأمور فنالهاعلى العسر حتى أدرك العسر اليسر
ترى القوم في العزّاء ينتظرونهإذا ضلّ رأي القوم أو حزب الأمر
فليتك كنت الحيّ في الناس ثاوياوكنت أنا الميت الذي غيّب القبر
فتى يشتري حسن الثناء بمالهإذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر
ولما نعى الناعي بريدا تغوّلتبي الأرض فرط الحزن وانقطع الصبر
عساكر تغشى النفس حتى كأنّنيأخو سكرة مالت بهامته الخمر
إلى الله أشكو في بريد مصيبتيوبثّي وأحزانا تضمّنها الصدر
وقد كنت أستعفي إلهي إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وما زال في عينيّ بعد غشاوةوسمعي عمّا كنت أسمعه وقر
على أنني أقنى الحياء وأتقيشماتة أعداء عيونهم خزر
فحيّاك عني الليل والصبح إذ بداوهوج من الأرواح غدوتها شهر
حلفت بربّ الرافعين أكفّهموربّ الهدايا حيث حلّ بها النحر
ومجتمع الحجّاج حيث تواقفترفاق من الآفاق تكبيرها جار
يمين امرىء آلى وليس بكاذبوما في يمين بثّها صادق وزر
لئن كان أمسى ابن المعذّر قد ثوىبريد لنعم المرء غيّبه القبر
فتى الحيّ والأضياف إن روّحتهمبليل وزاد السّفر إن أرمل السفر
إذا جارة حلّت إليه وفى لهافباتت ولم يهتك لجارته ستر
عفيف عن السوءات ما التبست بهصليب فما يلفى لعود به كسر
سلكت سبيل العالمين فما لهموراء الذي لاقيت معدى ولا قصر
وكل امرىء يوما سيلقى حمامهوإن نأت الدعوى وطال به العمر
وأبليت خيرا في الحياة وإنماثوابك عندي اليوم أن ينطق الشعر
- وقال جرير يرثي جبير بن عياض:
لعمري لقد عالى على النعش محرزفتى نال قدما عفّة وتكرّما
فتى كان أحيا من فتاة حييةوأجرأ من ليث بخفّان مقدما
إذا الأمر ناب الحيّ لم يقض دونهوإن طرق الأضياف ليلا تبسّما
- وقال يرثي قيس بن ضرار بن القعقاع بن معبد:
وباكية من نأي قيس وقد نأتبقيس نوى بين طويل بعادها
أظنّ انهلال الدمع ليس بمنتهعن العين حتى يضمحلّ سوادها
لحقّ لقيس أن يباح له الحمىوأن تعقر الوجناء إن خفّ زادها
- وقال الحكم بن عبدل يرثي بشر بن مروان:
أصبحت جمّ بلابل الصدرمتعجّبا لتصرّف الدهر
ما زلت أطلب في البلاد فتىليكون لي ذخرا من الذخر
حتى إذا جاء القضاء بهجاء القضاء بحينه يجري
فلأصبرنّ فما رأيت دواء الهمّ غير عزيمة الصدر
- وقال النابغة الذبياني:
لا يهنىء الناس ما يرعون من كلأوما يسوقون من أهل ومن مال
بعد ابن عاتكة الثاوي على أمرأمسى ببلدة لا عمّ ولا خال
ضخم الدسيعة مشّاء بأقدحهإلى ذوات الذرى حمّال أثقال
- وقال أبو الشغب السعدي:
أبعد بني الزهراء أرجو بشاشةمن العيش أو أرجو رخاء من الدهر
غطارفة زهر مضوا لسبيلهمألهفي على تلك الغطارفة الزّهر
يذكرنيهم كلّ خير رأيتهوشرّ فما أنفكّ منهم على ذكر
ومثله لأعرابي:
يذكرنيك الخير والشرّ والذيأخاف وأرجو والذي أتوقع
- وقال أبو عطاء السندي:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسطعليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النادبات وشقّقتجيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربّماأقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهدبلى كلّ من تحت التراب بعيد
- وقال محمد بن بشير:
أقول وما يدري أناس غدوا بهإلى القبر ماذا أدرجوا في السبائب
وكلّ امرىء يوما سيركب كارهاعلى النعش أعناق العدا والأقارب
- وقال أيضا:
نعم الفتى فجعت به إخوانهيوم البقيع حوادث الأيام
سهل الفناء إذا حللت ببابهطلق اليدين مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت شقيقه وصديقهلم تدر أيّهما أخو الأرحام
- وقال عبد الملك بن عبد الرحيم:
ولما حضرنا لاقتسام تراثهوجدنا عظيمات الّلهى والمآثر
وأسمعنا بالصّمت رجع جوابهفأبلغ به من ناطق لم يحاور
- وقال أبو الحجناء العبسي:
أضحت جياد أبي عبس مقسّمةفي الأقربين بلا منّ ولا ثمن
ورّثتهم فتسلّوا عنك إذ ورثواوما ورثتك غير الهمّ والحزن
- وقال العجير السلولي:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصبّابمرّ ومردى كلّ خصم يجادله
تركنا فتى قد أيقن الجوع أنهإذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائلولا رهل لبّاته وبادله
إذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّهوذو باطل إن شئت ألهاك باطله
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالماوكلّ الذي حمّلته فهو حامله
إذا نزل الأضياف كان عزوّراعلى الحيّ حتى تستقلّ مراجله
- وقال آخر:
لعمرك ما وارى التراب فعالهولكنما وارى ثيابا وأعظما
- ومثله لمنصور النمري:
فإن يك أفنته الليالي وأوشكتفإنّ له ذكرا سيفني اللياليا
- وقال التميمي في منصور بن زياد:
أما القبور فإنهنّ أوانسبفناء قبرك والديار قبور
عمّت فواضله فعمّ مصابهفالناس فيه كلهم مأجور
يثني عليك لسان من لم تولهخيرا لأنك بالثناء جدير
ردّت صنائعه إليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
فالناس مأتمهم عليه واحدفي كلّ دار رنّة وزفير
وقد روي البيت الثاني والثالث والخامس من هذه الأبيات لكثير في عبد العزيز
ابن مروان، ورويت لرجل من خزاعة.
- وقال رقيبة الجرمي:
أقول وفي الأكفان أبيض ماجدكغصن الأراك وجهه حين وسّما
أحقّا عباد الله أن لست رائيارفاعة بعد اليوم إلا توهّما
فأقسم ما جشّمته من ملمّةتؤود كرام الناس إلا تجشّما
ولا قلت مهلا وهو غضبان قد غلامن الغيظ وسط القوم إلا تبسّما
- وقال الربيع بن زياد العبسي:
من كان مسرورا بمقتل مالكفليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنهيلطمن أوجههنّ بالأسحار
قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرافاليوم حين برزن للنظار
يضربن حرّ وجوههنّ على فتىعفّ الشمائل طيّب الأخبار
قيل كان الرشيد بعد قتله البرامكة شديد الأسف عليهم والندم على ما فعله بهم، ففطن لذلك زبير بن دحمان المغني، فكان يغنيه في هذا المعنى فيحركه، فغناه يوما بهذه الأبيات فقال له: أعد، فأعاد فقال: ويحك كأنّ قائل هذا الشعر يصف به يحيى بن خالد وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل زبيرا صلة سنية.
- وقالت أمّ قيس الضبيّة:
من للخصوم إذا جدّ الخصام بهمبعد ابن سعد ومن للضمّر القود
ومشهد قد كفيت الغائبين بهفي مجمع من نواصي الناس مشهود
فرّجته بلسان غير ملتبسعند الحفاظ وقلب غير مزؤود
إذا قناة امرىء أزرى بها عوجهزّ ابن سعد قناة صلبة العود
- وقف رجل على قبر النجاشيّ فترحّم وقال: لولا أنّ القول لا يحيط بما فيك، والوصف يقصّر دونك، لأطنبت بل لأسهبت، ثم عقر ناقته على قبره وقال:
عقرت على قبر النجاشيّ ناقتيبأبيض عضب أخلصته صياقله
على قبر من لو أنني متّ قبلهلهانت عليه عند قبري رواحله
- وقالت امرأة من طيء:
ألهفي عليك ابن الأشدّ لبهمةأفرّ الكماة طعنها وضرابها
متى يدعه الداعي إليه فإنهسميع إذا الآذان صمّ جوابها
هو الأبيض الوضاح لو رميت بهضواح من الريّان زالت هضابها
الريان: جبل ببلاد بني عامر.
- وقالت العوراء بنت سبيع:
أبكي لعبد الله إذحشّت قبيل الصبح ناره
طيان طاوي الكشح لايرخى لمظلمة إزاره
يعصي البخيل إذا أراد المجد مخلوعا عذاره
- وقالت أخت الوليد بن طريف:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاكأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قنا وسيوف
فقدناك فقدان الربيع وليتنافديناك من دهمائنا بألوف
- وقال زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرّضللقتل بين أسنّة وصفائح
والقتل ليس إلى القتال ولا أرىحيّا يؤخّر للشفيق الناصح
إنّ السماحة والمروءة ضمّناقبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر بهكوم الهجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخا دم وذبائح
هلا ليالي لا يزال مشمّرايغشى الأسنة فوق نهد قارح
الآن لما كنت أكمل من مشىوافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّهاوأعنت ذلك بالفعال الصالح
- وقالت الخنساء ترثي معاوية أخاها:
اذهب فلا يبعدنك الله من رجلأبّاء ضيم وطلّاب بأوتار
قد كنت تحمل قلبا غير مؤتشبمركّبا في نصاب غير خوّار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقةوما أضاءت نجوم الليل للساري
كأنه يوم راموه بجمعهمراموا الشّكيمة من ذي لبدة ضار
- وقال ابن الغريرة، ويروى لكثير:
يا أوس ما طلعت شمس ولا غربتإلا ذكرتك والمحزون يدّكر
إني يذكّرنيه كلّ نائبةوالخير والشرّ والإيسار والعسر
- وقال منصور النمري:
أبا خالد ما كان أدهى مصيبةأصابت نزارا يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهرواشماتا لقد مرّوا بربعك خاليا
وأوتار أقوام لديك لويتهاوزرت بها الأحداث وهي كما هيا
يعزّي فؤادي عن يزيد بن مزيدوأيّامه أنّ المنايا أماميا
- وقال الرقاشي يرثي البرامكة:
ألان استرحنا واستراحت ركابناوقلّ الذي يجدي ومن كان يجتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السّرىوطيّ الفيافي فدفدا بعد فدفد
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفرولن تظفري من بعده بمسوّد
وقل للعطايا بعد فضل تعطّليوقل للرزايا كلّ يوم تجدّدي
ودونك سيفا برمكيّا مهنّداأصيب بسيف هاشميّ مهنّد
دخل البلاذري على علي بن موسى الرضا يعزيه عن أبيه فقال له:
أنت تجلّ عن وصفنا، ونحن نقصّر عن عظتك، وفي علمك ما كفاك، وفي ثواب الله ما عزّاك.
وقال علي بن موسى للفضل بن سهل يهنيه ويعزّيه: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
وقال عليّ ﵇: من صبر صبر الأحرار وإلا سلا سلوّ الأغمار. وفي خبر آخر أنه قال للأشعث بن قيس: إن صبرت صبر الأكارم، وإلا سلوت سلوّ البهائم.
- وأتى نصراني مسلما يعزيه فقال: مثلي لا يعزّي مثلك، ولكن انظر ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
- وقال الحسين بن الضحاك يرثي محمدا الأمين:
أعزّي يا محمد عنك نفسيمعاذ الله والأيدي الجسام
فهلّا مات قوم لم يموتواودوفع عنك لي يوم الحمام
كأنّ الموت صادف منك غنماأو استشفى بقربك من سقام
- وللحسين في الأمين مراث مختارة فمنها قوله:
ومما شجا قلبي وكفكف عبرتيمحارم من آل النبيّ استحلّت
ومهتوكة بالخلد عنها سجوفهاكعاب كقرن الشمس حين تبدّت
إذا حفزتها روعة من منازعلها المرط عاذت بالخشوع ورنّت
وسرب نساء من ذؤابة هاشمهتفن بدعوى خير حيّ وميّت
أردّ يدا مني إذا ما ذكرتهعلى كبد حرّى وقلب مفتّت
فلا يأت ليل الشامتين بغبطةولا بلغت آمالها ما تمنّت
- ابن القزاز المغربي:
ألا قل لركب فرّق الدهر شملهمفمن منجد نائي المحلّ ومتهم
إذا يمّم الحادي بكم قصد بلدةفسرتم على قبر هناك معظّم
تحلّ بمثواه الوفود رحالهاوينحر أبناء الجديل وشدقم
فعرّج به واستوقف الركب وابكهوصلّ على المقبور فيه وسلّم
فقد ضمّ قطراها ثلاثة أقبريضمّ نواحيها ثلاثة أنجم
بعيدة مسرى الزائرين غريبةمعظمة فيها رمائم أعظم
تمرّ عليها الريح وهي مريضةويسقي ثراها كل هتّان مثجم
وقد فرّقت أيدي الفراق بحورهاأيادي سبا في كلّ غفل ومعلم
كأنّ الردى خاف الردى في اجتماعهمفقسّمهم في الأرض كلّ مقسم
فبالعدوة القصوى من الغرب واحدوآخر ضمّته رجام المقطّم
وبينهما قبر غريب ببرقةبنوه على بحر من الجود خضرم
وأعجب شيء قيس شبر تضمنتنواحيه قطري يذبل ويلملم
سأبكيك لا أنّ البكا عدل لوعتيولا أنّ وجدي فيك كفؤ تندمي
وقلّ لعيني أن تفيض دموعهاعليك ولو أنّ الذي فاض من دمي
- القاضي الحسن بن محمد التميمي المغربي المعروف بابن الربيب:
ومصرّف للملك راح مصرّفافي الترب بين صفائح ورجام
حكمت عليك الحادثات وطالمانزلت به قسرا على الأحكام
يا قبر لا تظلم عليه فطالماجلّى بغرّته دجى الإظلام
أعجب بقبر قيس شبر قد حوىليثا وبحر ندى وبدر تمام
يا ويح أيد أسلمتك إلى الثرىما كنت تسلمها إلى الإعدام
- إبراهيم الرقيق الكاتب المغربي:
وهوّن ما ألقى وليس بهيّنبأنّ المنايا للنفوس بمرصد
وأني وإن لم ألقك اليوم رائحابصرف رزاياها لقيتك في غد
فلا يبعدنك الله ميتا بقفرةمعفّر خدّ في الثرى لم يوسّد
تردّى نجيعا حين بزّت ثيابهكأن على أعطافه فضل مجسد
مضاء سنان في سنان مذلّقوفتك حسام في حسام مهنّد
- حاطب بن قيس بن هيشة يرثي عمرو بن حممة الدوسي:
سلام على القبر الذي ضم أعظماتحوم المعالي حولها فتسلّم
سلام عليه كلما ذرّ شارقوما امتدّ قطع من دجى الليل مظلم
فيا قبر عمرو جاد أرضا تعطّفتعليك ملثّ دائم القطر مرزم
- وقفت عائشة على قبر أبيها أبي بكر ﵁ فقالت: يا أبة، نضر الله وجهك، وشكر لك سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها. ولئن كان أجلّ الحوادث- بعد موت رسول الله ﷺ وآله- رزؤك، وأعظم المصائب فقدك، إنّ كتاب الله ﷿ ليعد فيك بحسن العزاء عنك، وحسن العوض منك، بالاستغفار لك، فعليك السلام ورحمة الله [توديع] غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك؛ ثم انصرفت.
- وقف رجل من ولد حاجب بن زرارة على قبر عليّ بن أبي طالب ﵇ فقال: لقد كانت حياتك مفتاح خير ومغلاق شرّ، ووفاتك مفتاح شرّ ومغلاق خير، ولو أن قبلوك بقبولك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن آثروا الدنيا فانتقض الأمر كما ينتقض الحبل من مرائره.
- مات مخلد بن يزيد بن المهلب بخناصرة فخرج عمر بن عبد العزيز في جنازته وكان به معجبا لأنه كان سيّدا جوادا شجاعا، فصلّى عليه ثم تمثّل عند قبره:
على مثل عمرو تهلك النفس حسرةوتضحي وجوه القوم مسودة غبرا
وقال: لو أنّ الله أراد بيزيد خيرا لأبقى له هذا الفتى.
- عزّيت هند بنت عتبة عن يزيد بن أبي سفيان وقيل: إنا لنرجو أن
يكون في معاوية خلف منه، فقالت: أو مثل معاوية يكون خلفا من أحد؟ فو الله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها لخرج من أيّ أعراضها شاء.
عباءة بن يزيد بن جعشم:
كأن لم يقل يوما يزيد بن جعشملنار النّدى ارفع لي سناها وأوقد
وأذك سنا نار النّدى علّ ضوءهايجيء بمقو أو طريد مشرّد
فباتت على علياء نار ابن جعشمتشبّ لغوريّ وآخر منجد
وبات النّدى والجود يصطليانهاحليفي كريم واجد غير مجحد
العيزار بن الأخنس السّنبسيّ:
إلى الله أشكو أنّ كلّ قبيلةمن الناس قد أفنى الحمام خيارها
جزى الله زيدا كلما ذرّ شارقوأسكن من جنّات عدن قرارها
- الحسين بن مطير الأسدي:
فيا قبر معن كنت أوّل حفرةمن الأرض خطّت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتولو كان حيّا ضقت حتى تصدّعا
فلما مضى معن مضى الجود والندىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولم يكنجزاؤك من معن بأن يتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما أسدى أبوك وما سعى
- وقال أعشى همدان:
فإن يك عتّاب مضى لسبيلهفما مات من يبقى له مثل خالد
وشبيه بهذين المعنيين من قول أعشى همدان وابن مطير، قول أبي تمام:
أودى بخير إمام اضطربت بهشعب الرّحال وقام خير إمام
تلك الرزية لا رزية مثلهاوالقسم ليس كسائر الأقسام
ما أبصر الأقوام شمسا قبلهاأفلت فلم يعقبهم بظلام
- وقال مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحهخطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معدّ بعدهحزنا كعمر الدهر ليس يعار
نقضت بك الآمال أحلاس الغنىواسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةأثنى عليها السهل والأوعار
ومثل المعنى الأول قول امرأة عزّت المنصور على أبي العباس مقدمه من مكة:
عظّم الله أجرك، فلا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك.
- وقال أشجع السلمي:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرقولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفّهعلى الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح في لحد من الأرض ميتاوكانت به حيّا تضيق الصحاصح
فما أنا من رزء وإن جلّ جازعولا بسرور بعد موتك فارح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرهالقد حسنت من قبل فيك المدايح
- وقال يحيى بن زياد الحارثي:
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتتتريدك لم نسطع لها عنك مدفعا
مضى فمضت عنّا به كلّ لذةتقر بها عيناي فانقطعا معا
هما مضيا واستقبل الدهر ضرعتيولا بدّ أن ألقى حمامي فأضرعا
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةفقطّعها ثم انثنى فتقطّعا
- وقال أبو خراش الهذلي:
وإن تك غالتك المنايا وصرفهافقد عشت محمود الخلائق والحلم
كريم سجيّات الأمور محبّباكثير فضول الكفّ ليس بذي وصم
أشمّ كنصل السيف يرتاح للندىبعيدا من الآفات والخلق الوخم
- وقال الفرزدق يرثي مالك بن مسمع:
تضعضع طودا وائل بعد مالكوأصبح منها معطس العزّ أجدعا
لقد بان لم يسبق بوتر ولم يدعإلى الغرض الأقصى من المجد منزعا
- وقال أيضا:
لقد رزئت حلما وحزما ونائلاتميم بن مرّ يوم مات وكيع
وما كان وقّافا وكيع إذا بدتسحائب موت صوبهنّ نجيع
فصبرا تميم إنما الموت منهليصير إليه صابر وجزوع
- وقال آخر:
سأبكيك للدنيا وللدين إننيرأيت يد المعروف بعدك شلّت
ربيع إذا ضنّ الغمام بمائهوليث إذا ما المشرفيّة سلّت
وقال النهشلي:
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنهوشدّ لي الطّرف العيون الكواشح
- وقال الطائي:
عهدي بهم تستنير الأرض إن نزلوافيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا
ويضحك الدهر منهم عن غطارفةكأنّ أيامهم من أنسها جمع
- قال أبو هلال العسكري: أنشد ثعلب:
ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرىرضوى على أيدي الرجال يسير
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرىأنّ الكواكب في التراب تغور
وهي أبيات في قصيدة للمتنبي أولها:
إني لأعلم واللبيب خبيرأنّ الحياة وإن حرصت غرور
لعلّه ضمّنها شعره أو وهم الراوي فيها.
- وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّقتركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارقوالقصر ذي الشّرفات من سنداد
أرض تخيرها لطيب مقيلهاكعب بن مامة وابن أمّ دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهمفكأنهم كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةفي ظلّ ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكلّ ما يلهى بهيوما يصير إلى بلى ونفاد
- وقال الفرزدق:
ولو أنّ قوما قاتلوا الموت قبلنابشيء لقاتلنا المنية عن بشر
ولكن فجعنا والرزيّة مثلهبأبيض ميمون النقيبة والأمر
وما أحد ذو فاقة كان مثلناإليه ولكن لا بقيّة للدهر
- وقال سليمان بن قتّة التيمي، تيم قريش، يرثي الحسين بن علي:
مررت على أبيات آل محمدفلم أرها أمثالها يوم حلّت
فلا يبعد الله الديار وأهلهاوإن أصبحت فيهم برغمي تخلّت
وكانوا رجاء ثم أضحوا رزيّةألا عظمت تلك الرزايا وجلّت
وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشمأذلّ رقاب المسلمين فذلّت
- لما مات الرشيد رقي الأمين المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس وخصوصا يا بني العباس، إنّ المنون مراصد ذوي الأنفاس، حتم من الله تعالى لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي تجزون ثواب الصابرين، وتعطون أجور الشاكرين.
فتعجب الناس من جرأته وبلّة ريقه وشدة عارضته.
- وخطب المأمون بمرو وقد ورد عليه كتاب الأمين يعزّيه بالرشيد ويحثّه على أخذ البيعة له فقال: إنّ ثمرة الصبر الأجر، وثمرة الجزع الوزر، والتسليم لأمر الله ﷿ فائدة جليلة، وتجارة مربحة؛ والموت حوض
مورود، وكأس مشروب. وقد أتى على خليفتكم ما أتى على نبيّكم ﷺ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما كان إلا عبدا دعي فأجاب، وأمر فأطاع. وقد سد أمير المؤمنين ثلمه، وقام مقامه، وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم، فأحسنوا العزاء عن إمامكم الماضي، واغتبطوا بالنعماء لخليفتكم الباقي.
يا أهل خراسان إنّ الموت نازل والأجل طالب، وأمس واعظ، واليوم مغتنم، وغد منتظر. ثم نزل.
- قال العتبيّ: أغمي على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقالت ابنته رملة أو امرأة من أهله متمثلة:
إذا متّ مات الجود وانقطع الغنىمن الناس إلا من قليل مصرّد
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوامن الدين والدنيا بخلف مجدّد
فأفاق فقال:
لو فات شيء إذن لفات أبوحسان لا عاجز ولا وكل
الحوّل القلّب الأريب ولايدفع رزء المنيّة الحيل
- عزّى أبو العيناء عبيد الله بن سليمان عن أبيه فقال: عقم والله البيان، وخرست الأقلام، ووهى النظام.
- وقف جبّار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل فقال: كان والله لا يضلّ حتى يضلّ النجم، ولا يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا.
- وقال زهير بن أبي سلمى:
يا من لأقوام فجعت بهمكانوا ملوك العرب والعجم
استأثر الدهر الغداة بهموالدهر يرميني ولا أرمي
لو كان لي قرنا أناضلهما طاش عند حفيظة سهمي
أو كان يعطي النّصف قلت لهأحرزت قسمك فاله عن قسمي
يا دهر قد أكثرت فجعتنابسراتنا ووقرت في العظم
وسلبتنا ما لست معقبنايا دهر ما أنصفت في الحكم
أجلت صروفك عن أخي ثقةحامي الذمار مخالط الحزم
- وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
أقسمت أبكي بعد توبة هالكاوأحفل من دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالموت عار على امرىءإذا لم تصبه في الحياة المعابر
ومن كان مما يحدث الدهر جازعافلا بدّ يوما أن يرى وهو صابر
فلا الحيّ مما يحدث الدهر معتبولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شباب أو جديد إلى بلىوكلّ امرىء يوما إلى الله صائر
وكلّ قريني ألفة لتفرّقشتات وإن ضنّا وطال التعاشر
فلا يبعدنك الله يا توب هالكاأخا الحرب إذ دارت عليك الدوائر
فأقسمت لا أنفك أبكيك ما دعتعلى فنن ورقاء أو طار طائر
- وقالت عمرة أخت عمرو ذي الكلب:
تعلّما أنّ طول العيش تعذيبوأنّ من غالب الأيّام مغلوب
وكلّ حيّ وإن طالت سلامتهطريقه في سبيل الشرّ دعبوب
أبعد عمرو وخير القوم قد علمواببطن شرية يعوي عنده الذيب
الطاعن الطعنة النجلاء يتبعهامثعنجر من دم الأجواف مسكوب
تمشي النسور إليه وهي لاهيةمشي العذارى عليهنّ الجلابيب
والمخرج الكاعب الحسناء مذعنةفي السبي ينفح من أردانها الطيب
فلن يروا مثل عمرو ما خطت قدموما استحثت إلى أوطانها النيب
بينا الفتى ناعم راض بعيشتهتاح له من بوار الدهر شؤبوب
- وقال ابن سكرة الهاشمي:
لا عذّب الله ميتا كان ينعشنيفقد لقيت بضرّي مثل ما لاقى
طواه موت طوى عني مكارمهفذقت من بعده بالموت ما ذاقا
- كتب إبراهيم بن هلال الصابي إلى أبي الفتح ابن العميد يعزّيه بأبيه:
قد سبق في العلم، وثبت في العقل- أطال الله بقاء سيدنا الاستاذ الجليل- أنّ الله ﷿ جلّت كبرياؤه، وتقدست أسماؤه، القديم بلا ابتداء، الباقي بلا انتهاء، لا يشركه في ذلك غيره، ولا يختصّ به سواه، وأنه تعالى أبدع المخلوقات على اختلاف ذواتها، وتباين موجوداتها، وأعطى كلّا منها ما أوجبت الحكمة أن يعطاه، فلا سبيل إلى مزيد لها على حدودها التي وقفت عندها، ولا نقصان من غاياتها التي انتهت إليها. ولهذه المخلوقات منازل في الأعمار لا تتعداها، ومواقيت في الآجال لا تتخطاها، فلو أمكن فيها البقاء لارتفع الحدث ولساوى المفعول فاعله، والمجبول جابله، وسقط التفاضل بين الأدنى والأشرف، والأقوى والأضعف.
فوجود شخص الإنسان كأن لم يزل مود إلى عدم وكأن لم يكن. ولله ﷿ في ذلك منّة على البريّة لا يعرفها منهم إلّا الفذّ الفريد، والشاذّ الوحيد، لأضعاف عدد عوامّهم على خواصّهم، وجهّالهم على علمائهم. وكلّهم مركب من نفس تسمو إلى الأرفع الأسنى، ومن جسد يسفّ إلى الأدون الأدنى؛ فمن غلب أخسّ ما فيه أشرفه، قنط من الموت قنوط الغبيّ وكرهه كراهة الغرّ، وظنّ أنّ الله ﷿ قد قطع به عصمته، وأزال معه نعمته. ومن غلب أشرف ما فيه أخسّه أيقن أنّ الله لا يعبث في خلقه، ولا يفكه في نطقه، ولا يخلف ما وعد، ولا ينكل عمّا ضمن، وأنه ﷿ قد جبر مصاب الميت جبرين ظاهرين يشهد بأحدهما العيان عاجلا، وبالآخر العقل آجلا، فالعاجل النسل، والآجل النشر. فإن أخطأه الأول على عادة
الدنيا في تلوّن أحداثها وتفاضل أرزاقها فهو حاصل على الثاني لا شكّ فيه ولا شبهة عند كلّ ذي لبّ وديانة، ولا يعدم مزيدا، لأنّ حظوظه بقدر الفائت من غيره.
فإذا تدبر الإنسان [أمره] وجده مبنيّا على تدريج في الزيادة، قد لزم نطاقا لا يقطعه، ومنهاجا لا يزول عنه، وصادف كلّ منزلة من منازله فوق التي أمامها، ودون التي وراءها، إذ كان معدوما ثم صار موجودا على ضروب يخرج فيها من واحدة إلى أخرى: قد مار في ظهور الذكور، وارتكض في أرحام الإناث، ثم برز إلى الهواء فنسمه، ووقع إلى الثدي فارتضعه، ونما على الأرض فحبا، ونهض فسعى، ووعى وعقل ورأى، وأخذ وأعطى، واستمر به النشوء مترقّيا من كلّ حال إلى ما هو أعلى، ومن كلّ غاية إلى ما هو أوفى، وهو مع ذلك لا ينتقل إلى الرتبة الفاضلة إلا بمفارقة المفضولة، ولا يصل إلى المستأنفة إلا بالانفصال عن السالفة، حتى إذا نال الكمال أطلعه الله على ضروب مواهبه لديه، وصنوف إحسانه إليه، وأمره بأوامره، [وزجره بزواجره، ووعده وأوعده، وخبره وأنذره، ووفاه ما رزقه من أجله] توفاه عند المحتوم من أجله، ثم بعثه إلى مقر بناه على إمكان البقاء والخلود، وسقوط التكاليف والحدود، وهناك تتناهى النعمة عليه التي هو في هذا العالم مجتاز إليها ومتوجّه نحوها في طريق قد أمر بلزوم جوادّها، ونهي عن التعسّف في أغوارها؛ لكنه ينتقل في هذه المراتب مكرها لا طائعا، ومجبرا لا مختارا.
فمن ذلك أنه يستقر في الرحم استقرار الموافقة، ويستوطن استيطان الملاءمة، فلو كان [له] هناك عقل مع الحسّ لكره النقلة عن موضعه، لظنّه أنه أوطأ مواضعه، ولجهله بالأمر الذي فوقه. وهذه صورته في دنياه تريه البشرية أنها خير مواطنه فيفارقها ضنينا بها متأسّفا عليها، وهو إذا حصل في التي بعدها حمد الله على ما صار إليه، ولم يحبّ العود إلى ما كان فيه، لما أزاح الله علّته في العقل الآمر بالخير، الناهي عن الشر، ولم يعوّل به في كلّ أمره عليه، ولم يكله في جميعه إليه، بل بعث إليه أنبياء بآيات واضحة، وبيّنات لائحة، فأقاموا له الدليل، ووقفوه على سواء السبيل، وأرشدوه إلى الشرائع المنجية، وحذّروه من الموارد المردية. كلّ ذلك عناية من خالقه به، ورأفة منه عليه، وإرادة للأصلح فيه. ولا يصلح أن يكون الموت مبيدا له إبادة لا رجعة فيها، ولا إنابة منها، لأنّ الحكيم يصير حينئذ مبتور الحكمة، منبتّ العصمة، وتعود البريّة إلى العدم عند انقراضها، كما كانت قبل ابتدائها، فينتقض الغرض في خلقها، وتفسد العلة في إيجادها. وهو سبحانه أعظم من ذلك شأنا، وأتمّ سلطانا، وأكمل صنعا، وأتقن عملا. فالمصير إذن من هذه الدار إنما هو إلى الأخرى التي هي أرغد وأفسح، وأفضل وأصلح، وحقيق على الإنسان أن يشتاقها وينازع إليها ويستحبّها ويثابر عليها، إلّا من خالف المأمور به، وقارف المنهيّ عنه، وحطب على نفسه، وحمل على ظهره، وأسخط خالقه، واستحق عذابه، فلا بدّ أن يتقاعس عن سوء المآل، وأن يتعجّل إلى النّكال، ومن وراء ذلك رب يحمله على العدل، ويقضي [فيه] بالفصل، من القصاص الذي يظهره، وبقدر ما احتقب من الآثام التي تدنّسه، فتكون عقوبته بكسب يديه، وعاقبته بالتفضّل عليه. وقد نزّه الله عن هذا المورد من أحسن العمل، وسلك الجدد، وقدّم في أولاه لآخرته، وتزوّد من عاجلته لآجلته، وأخذ من ممرّه لمقرّه، واحتشد لمقدمه في سفره، وتلك
حال الاستاذ الرئيس أبي الفضل- نضر الله وجهه- فيما أرجح الله [من دينه]، وصحّح من يقينه، وأجزل من أدبه، وكرّم من منقلبه. فإنه تعالى ذكره جعله في هذه الدنيا سيدا، عليّا قدره، ساميا خطره، بعيدا صيته، وافيا حلمه، ثاقبا فهمه، غزيرا علمه، زاخرا بحره، فائضا برّه، وأخرجه عنها عالما بدناءتها، عازفا عن زخارفها، صادرا عن شرورها، صادفا عن غرورها، منافسا في التي بعدها، واثقا بجزيل حظّه منها، مغتبطا بتأثل محلّه فيها، مشوقا إلى ما قدّم وجهّز إليها. وأعطاه من سيدنا الاستاذ الجليل- أيّده الله- خلفا يسدّ مكانه، ويشيد بنيانه، ويحفظ معاليه، ويحرس مساعيه. وهو حريّ أن يجري على تلك الشاكلة ويوفي، ويسبق فيها ويجلّي. وكان انصرافه عنه بعد أن رأى فيه سوله، وبلغ مأموله، وقرّت عينه باستقلاله ووفائه، واضطلاعه وغنائه، وشاهد فيه المنظر السارّ، وسكن منه إلى الولد البارّ. وقضى الله ﷿ بما هو الأولى بهما من تقدّم الأصل وتأخّر الفرع، ومضيّ السلف وبقاء الخلف، ووثقنا لذلك بالفوز العظيم فيما صار إليه، ولهذا بالمنح الجسيم فيما حصل عليه. وتظاهرت مواهب الله في ذلك تظاهرا تكون به المحنة منحة، والرزية عطيّة، وإلى الله جلّ اسمه الرغبة في أن يتغمّد الثاوي بأتمّ الرحمة والغفران، وأطيب التحيّة والرضوان، ويخير له فيما أقدمه عليه، ويسعده بما أسرع به إليه، ويزلفه مراتب الأعيان الأخيار، ويبوّئه منازل الصديقين الأبرار، ويعلي شأنه في دار القرار، كما أعلاه في هذه الدار، ويتولّى السيد الباقي الذي يملأ العين قرّة، والصدر مسرّة، بامتداد البقاء، وترادف النعماء، ويرعاه بعينه اليقظى، ويدافع عنه بيده الطّولى، ولا يخليه من الصنع والتأييد، والإنافة والمزيد، ويلهمه الصبر المؤدّي إلى الأجر، والاحتساب العائد بالثواب، بجوده ومجده، وطوله وحوله.
ولم أطل هذه الإطالة- أيّد الله سيدنا- إغرابا عليه بها، ولا أنه من النفر المحتاجين إليها، وكيف ذلك وعلمه يوفي عليها، وصدره يجيش بأضعافها، لكنني اتبعت الأمر في الذكرى وتوخّيت من إيناسه الغاية القصوى، وسلكت طريق المجتهد في تعزيته، وذهبت مذهب المبالغ في تسليته، وكرهت أن أكون في شيء من ذلك واقعا دون قدرتي، أو تاركا شيئا من استطاعتي. وسيدنا وليّ ما يراه في التقدم بإجابتي بذكر خبره وحاله، وأمره ونهيه، وما وليه الله به في هذا الحادث الكارث، والملمّ المؤلم، من العمل بما يرضاه، والتجنّب لما يأباه؛ إن شاء الله تعالى.
- كانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله الحارثي عند عبد الله بن حسن ابن الحسن، فلما مات أبوها جزعت عليه جزعا شديدا ووجدت وجدا عظيما، فكلم عبد الله بن الحسن محمّد بن بشير الخارجي أن يدخل إليها فيعزّيها ويؤسّيها عن أبيها، فدخل معه إليها، فلما نظر إليها صاح بأعلى صوته:
قومي اضربي عينيك يا هند لن تريأبا مثله يسمو إليه المفاخر
وكنت إذا فاخرت أسميت والدايزين كما زان اليدين الأساور
وقد علم الأقوام أنّ بناتهصوادق إذ يندبنه وقواصر
وهي أطول من هذا. فقامت هند فصكت وجهها وعينيها، وصاحت بويلها وحربها، والخارجيّ معها، حتى لقيا جهدا. فقال له عبد الله بن الحسن: ألهذا دعوتك ويحك؟ فقال له: أظننت أنّي أعزّيها عن أبي عبيدة؟ والله ما يسلّيني عنه
أحد ولا لي عزاء عن فقده، فكيف يسلّيها عنه من ليس يسلوه؟
- علي بن جبلة يرثي حميدا الطوسيّ:
أللدهر تبكي أم على الدهر تجزعوما صاحب الأيام إلا مفجّع
تعزّ بما عزّيت غيرك إنهاسهام المنايا حائمات ووقّع
أصبنا بيوم من حميد لو أنهأصاب عروش الدهر ظلّت تضعضع
وأدّبنا ما أدّب الناس قبلناولكنه لم يبق للصبر موضع
ألم تر للأيّام كيف تصرّفتبه وبه كانت تذاد وتدفع
وكيف التقى مثوى من الأرض ضيقعلى جبل كانت به الأرض تمنع
حمام رماه من مواضع أمنهحمام كذاك الخطب بالخطب يقرع
وليس بغرو أن تصيب منيّةحمى أختها أو أن يذلّ الممنع
هوى جبل الدنيا المنيع وغيثها المريع وحاميها الكميّ المشيّع
وقد كانت الدنيا به مطمئنةفقد جعلت أوتادها تتقلّع
بكى فقده روح الحياة كما بكىنداه الندى وابن السبيل المدفّع
وأيقظ أجفانا وكان لها الكرىونامت عيون لم تكن قطّ تهجع
- أبو عطاه السندي:
فاضت دموعي على نصر وما ظلمتعين تفيض على نصر بن سيّار
يا نصر من للقاء الحرب إذ لقحتيا نصر بعدك أو للضيف والجار
بالخندفيّ الذي يحمي حقيقتهمفي كلّ يوم مخوف الشرّ والعار
والقائد الخيل قبّا في أعنّتهابالقوم حتى يلفّ الغار بالغار
من كلّ أبيض كالمصباح من مضريجلو بسنّته الظلماء للساري
ماض على الهول مقدام إذا اعترضتسمر الرّماح وولّى كلّ فرار
إن قال قولا وفى بالقول موعدهإنّ الكنانيّ واف غير غدّار
- قيل بينا جرير جالس بفناء داره بحجر إذا راكب قد أقبل، فقال له جرير: من أين أوضع الراكب؟ قال: من البصرة. فسأله عن الخبر فأخبره بموت الفرزدق فقال:
مات الفرزدق بعد ما جدّعتهليت الفرزدق كان عاش قليلا
ثم سكت ساعة فظنّ أنه يقول شعرا، فدمعت عيناه، فقيل له: سبحان الله، أتبكي على الفرزدق؟ فقال: والله ما أبكي إلّا على نفسي، أما والله إنّ بقائي خلافه لقليل، لأنّه قلّما تصاول فحلان في شول فمات أحدهما إلا أسرع لحاق الآخر به. وقال:
فجعنا بحمّال الديات ابن غالبوحامي تميم كلّها والبراجم
بكيناك حدثان الفراق وإنمابكيناك إذ نابت أمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرةولا مدّ أنساع المطيّ الرواسم
- كان بين سليمان بن فهد وبين أبي القاسم المغربي عداوة، وقتل
سليمان نفسه في نكبة ومصادرة طلب بها، فقال المغربي يرثيه:
يا ابن الكرام أرى الغمام تمرّ بي ولها حنين
ولهى فتلتدم الرعود لها وتسودّ الدّجون
أترى لها بالموصل الغرّاء مفقود دفين
قبر جفاه الأقربون وباع خلّته القرين
عجبا له ضمّ البلاغة وهو أخرس ما يبين
نصر المنون ولو يشاء لما تجاسرت المنون
وتحكمت فيه يمين لا يجاريها يمين
لو غير كفّك ساورتك لردّها كيد زبون
وعزائم يعيا اللبيب بها أعقل أم جنون
وهواجس كانت طلائعها على الغيب الظنون
تبكي عليك ولو تعيش إذن بكت منك العيون
ثم أثارته العداوة فقال:
آها سليمان بن فهد والحديث له شجون
أفمالك لك مالكأم أنت موقوف رهين
أم أنت منتظر فأنت لناره نعم الزبون
- لما أتى معاوية نعي عمرو بن العاص تمثل:
ماذا رزئنا به من حيّة ذكرنضناضة بالمنايا صلّ أصلال
خرّاجة من ذرى الأهوال إذ نزلتولأجّة في ذراها غير زمّال
- أعشى همدان:
فإن يك عتّاب مضى لسبيلهفما مات من يبقى له مثل خالد
- أنشدت لأبي الفضل ابن الخازن من شعراء عصرنا وكتّابه هذه الأبيات، ثم وجدتها في أمالي أبي علي القالي قال، أنشدني إسحاق بن الجنيد قال، أنشدني أحمد الجوهري، ولم يذكر شاعرها، فإمّا وهم الراوي عن ابن الخازن أو يكون انتحلها:
وا حربا من فراق قومهم المصابيح والحصون
والأسد والمزن والرواسيوالخفض والأمن والسّكون
لم تتنكّر لنا اللياليحتى توفّتهم المنون
فكلّ نار لنا قلوبوكلّ ماء لنا عيون
- المتنبي يرثي فاتكا الكبير:
الحزن يقلق والتجمّل يردعوالدمع بينهما عصيّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّدهذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافروالليل معي والكواكب ظلّع
إني لأجبن من فراق أحبّتيوتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوةويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافلعما مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغالط في الحقائق نفسهويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلّف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
المجد أخسر والمكارم صفقةمن أن يعيش لها الكريم الأروع
ولقد أراك وما تلمّ ملمّةإلّا نفاها عنك قلب أصمع
ما زلت تدفع كلّ أمر فادححتى أتى الأمر الذي لا يدفع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثريبكي ومن شرّ السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكافحشاك رعت به وخدّك تقرع
- وله:
نعدّ المشرفيّة والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقرباتوما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديماولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيبنصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتىفؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهامتكسّرت النصال على النصال
- أبو العيزار:
يدنو وترفعه الرماح كأنهشلو تنشّب في مخالب ضار
فثوى صريعا والرماح تنوشهإنّ الشراة قصيرة الأعمار
- الرضي يرثي عبد العزيز بن يوسف:
من يشرق الخصم الألدّ بريقهعيّا ويقدع منه ما لم يقدع
بنوافذ للقول يبلغ وقعهاما ليس يبلغ بالرماح الشّرّع
حتى يقول الغابطون وقد رأوافعلاته زاحم بجدّ أو دع
ويودّ من حمل القنا لو أصبحتتلك الأداة على الكميّ الأروع
إلا تكن في الجمع أمضى طعنةفلأنت أمضى خطبة في المجمع
- وقال:
ألا ناشد ذاك الجناب الممنّعاوجردا يناقلن الوشيج المزعزعا
ومن يملأ الأيام بأسا ونائلاوتثنى له الأعناق خوفا ومطمعا
أجلّى إليه ذلك الخطب مقدماوقد كان لا يلقاه إلا مروّعا
وجاز أضاميم الجياد مغيرةوحيّي نزار حاسرين ودرّعا
وسمر عقيل تحمل الموت أحمراوبيض عقيل تقطر السمّ منقعا
ولم يخش من حدّ الصوارم مضرباولم يلق من أيدي القبائل مدفعا
رأى ورق البيض الخفاف هشائماوشوك العوالي ناصلا ومنزّعا
هو القدر الألوى الذي يقص القناويلوي من الجبّار جيدا وأخدعا
وأبيض من عليا معدّ سما بهإلى السّورة العليا أب غير أضرعا
كأنك تلقى سنّة البدر طالعاإذا ابتدر القوم الرواق المرفّعا
فإن ألهبت فيه الحفيظة خلتهوراء اللثام الأرقم المتطلّعا
يقوم اهتزاز الرمح خبّت كعوبهويقعد إقعاء ابن غيل تسمّعا
ضمام عن الهمّ الذي بات ضيفهجموع على الأمر الذي كان أزمعا
صليب على قرع الخطوب كأنمايرادين طودا من عماية أفرعا
فبعدا لطيب العيش بعد فراقكمولا أسمع الداعي إليه ولا دعا
ألا أسفا للدهر إن صدّ مؤيساولا مرحبا بالدهر إن عاد مطمعا
وإن عثر الأحياء من بعد يومكمفلا دعدعا للعاثرين ولا لعا
- وقال يرثي إبراهيم بن ناصر الدولة الحسن بن حمدان وقد قتله أبو الذواد محمد بن المسيّب العقيلي:
ألقي الرماح ربيعة بن نزارأودى الردى بقريعك المغوار
وترجّلي عن كلّ أجرد سابحميل الرقاب نواكس الأبصار
ودعي الأعنّة من أكفّك إنهافقدت مصرّفها ليوم مغار
وتجنبي جرّ القنا فلقد مضىعنهنّ كبش الفيلق الجرّار
اليوم صرّحت النوائب كيدهافينا وبان تحامل الأقدار
أين الجياد مللن من طول السرّىيقذفن بالمهرات والأمهار
في معشر غلب الرقاب جحاجحغلبوا على الأقدار والأخطار
من كلّ أروع طاعن أو ضاربأو واهب أو خالع أو قار
ركبوا رماحهم إلى أغراضهمأمم العلى وجروا بغير عثار
واستنزلوا أرزاقهم بسيوفهمفغنوا بغير مذلّة وصغار
كانوا هم الحيّ اللّقاح وغيرهمضرع على حكم المقاول جار
لا ينبذون إلى الخلائف طاعةبقعاقع الإيعاد والإنذار
عقدوا لواءهم ببيض أكفّهمكبرا عن العقّاد والأمّار
واستفظعوا خلع الملوك وأيقنواأنّ اللباس لها ادّراع العاري
كثر النصير لهم فلما جاءهمأمر الرّدى وجدوا بلا أنصار
هم أعجلوا داعي المنون تعرّضاللطعن بين ذوابل وشفار
أوليس يكفينا تسلّط بأسهاحتى نسلّطها على الأعمار
نزلوا بقارعة تشابه عندهاذلّ العبيد وعزّة الأحرار
خرس قد اعتنقوا الصفيح وطالما اعتنقوا الصفائح والدماء جوار
شرفا بني حمدان إنّ نفوسكممن خير عرق ضارب ونجار
أنفت من الموت الذليل فأشعرتجلدا على وقع القنا الخطّار
- تتابع أهلي فمات منهم أحد عشر من عصبتي وجماعة من إخواني في مدة تقاربها فرثيتهم بهذه الأبيات:
يقولون صبرا عن محبتك الألىدعا بهم داعي المنون إلى القبر
أبي وبنيّ ابني وولدي تتابعواسراعا وإخواني فعزّ بهم صبري
فلو أنّ ميتا يرتجى منه أوبةصبرت ولكن لا إياب إلى الحشر
وهم سلكوا نحو الردى فتتابعواإليه كما انفضّ الجمان من النحر
إذا أنست نفسي الأسى عزّ فقدهمبحيّهم أخنت عليه يد الدهر
فقدت بهم أنس الصديق وراحة الرفيق وريحان العشا وقوى الأزر
غنينا زمانا في سرور وغبطةوعيش رخيّ غير ضنك ولا وعر
تطالعنا الأيام لا تستطيعناويرنو إلينا الدهر بالنظر الشزر
تسر الأودّا بالسلامة والغنىوتعتبر الأعداء بالعدد الدثر
فما برحت زرق العيون تصيبناإلى أن أصابت عندنا سالف الوتر
إلى الله أشكو يوم أهلي ومعشريوعادية ضاقت لها ساعة الصبر
فيا رب أنت العدل في ما قضيتهفلا تحبطن في لوعتي بهم أجري
أسرّ إذا نوديت حبا إليهمسرور رياض آنست نبأة القطر
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع