من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثالث ما جاء من المراثي والتعازي في الصغار والأطفال
- عزّى عبد الله بن عبّاس عمر بن الخطّاب ﵃ على بنيّ له فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك. وهذا الصبي هو الذي قال فيه عمر ﵁: ريحانة أشمّها، وعن قريب ولد بارّ أو عدوّ حاضر.
- وقال علي بن عبيدة لرجل يعزّيه عن ابنه: كان أبوك أصلك، وابنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله ولم يبق فرعه؟
- وقال أبو الشغب:
قد كان شغب لو انّ الله عمّرهعزّا تزاد به في عزّها مضر
فارقت شغبا وقد قوّست من كبربئس الحليفان طول الحزن والكبر
ليت الجبال تداعت عند مصرعهدكّا فلم يبق من أركانها حجر
- وقال آخر:
تعزّ أمير المؤمنين فإنّهلما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدملكلّ على حوض المنيّة مورد
- وقال أبو حكيم المرّي:
وكنت أرجّي من حكيم قيامهعليّ إذا ما النعش زال ارتدانيا
فقدّم قبلي نعشه فارتديتهفيا ويح نفسي من رداء علانيا
- وقال العتبيّ:
وقاسمني دهري بنيّ مشاطرافلما تقضّى شطره عاد في شطري
ألا ليت أمي لم تلدني وليتنيسبقتك إذ كنّا على غاية نجري
وكنت به أكنى فأصبحت كلّماكنيت به فاضت دموعي على نحري
وقد كنت ذا ناب وظفر على العدافأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري
- وقال الفرزدق:
ولو أنّ البكاء يردّ شيئاعلى الباكى بكيت على صقوري
بنيّ أصابهم قدر المناياوما منهنّ من أحد مجيري
ولو كانوا بني جبل فماتوالأضحى وهو مختشع الصخور
إذا حنّت نوار يهيج منيحزازا مثل ملتهب السعير
حنين الوالهين إذا ذكرنافؤادينا اللّذين مع القبور
- وقال أيضا:
أسنّة أرماح تخرّمن بعد ماأقيمت عواليها وسنّت حرابها
إذا ذكرت عيني الذين هم لهاقذى هيج منّي بالبكاء انسكابها
بنو الأرض قد كانوا بنيّ فعزّنيعليهم بآجال المنايا كتابها
وداع عليّ الله لو متّ قد رأىبدعوته ما يتّقى لو يجابها
ومن متمنّ أن أموت وقد بنتحياتي له شمّا عظاما قبابها
فنيت وأبقت من قناتي مصيبتيعشوزنة زوراء صمّا كعابها
على حدث لو أنّ سلمى أصابهابمثل بنيّ انفضّ منها هضابها
- وقال:
بفي الشامتين الترب إن كان مسنّيرزيّة شبلي مخدر في الضراغم
وما أحد كان المنايا وراءهولو عاش أياما طوالا بسالم
أرى كلّ حيّ ما تزال طليعةعليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكّرني ابنيّ السما كان موهناإذا ارتفعا فوق النجوم العواتم
وقد رزىء الأقوام قبلي بنيهموإخوانهم فاقني حياء الأكارم
وما ابناك إلا من بني الناس فاصبريفلن يرجع الموتى حنين المآتم
- وقال ابراهيم بن المهدي يرثي بنيا له:
وإني وإن قدّمت قبلي لعالمبأنّي وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحا نلتقي في مسائهصباح إلى قلبي الغداة حبيب
- وقال رجل من قريش في مثله:
بأبي وأمّي من عبأت حنوطهبيدي وودّعني بماء شبابه
كيف السلوّ وكيف صبري بعدهوإذا دعيت فإنّما أكنى به
- وقال أبو تمام يعزّي عبيد الله بن طاهر عن ابنين طفلين ماتا في يوم واحد:
لهفي على تلك الشواهد فيهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى وصباهماحلما وتلك الأريحيّة نائلا
إنّ الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدرا كاملا
نجمان شاء الله ألّا يطلعاإلا ارتداد الطّرف حتى يافلا
إنّ الفجيعة بالرياض نواضرالأجلّ منها بالرياض ذوابلا
لو ينسآن لكان هذا غارباللمكرمات وكان هذا كاهلا
- بعث معاوية بسر بن أرطأة أحد بني عامر بن لؤي، بعد تحكيم الحكمين، لقتل شيعة عليّ فمرّ في البلاد يشنّ الغارات، ولا يكفّون أيديهم عن النساء والصبيان، ففعل ذلك بالمدينة ومكة والسّراة ونجران واليمن. وكان عبيد الله بن العباس عاملا لعليّ على اليمن وكان غائبا، وقيل بل هرب من بسر، ووجد صبيين له فذبحهما ذبحا بمدية، ثم انكفا راجعا إلى معاوية. وأصاب أمّ الصبيين، واسمهما عبد الرحمن وقثم، وهي أمّ حكيم بنت فارط، على ابنيها
كالجنون، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في الموسم تنشد الناس أبياتا منها:
يا من أحسّ بنّييّ اللذين هماكالدرّتين تشظّى عنهما الصّدف
يا من أحسّ بنّييّ اللذين هماسمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
نبئت بسرا وما صدّقت ما زعموامن قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابنيّ مرهفةمشحوذة وكذاك الإثم يقترف
حتى لقيت رجالا من أرومتهشمّ الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسرا حقّ لعنتههذا لعمر أبي بسر هو السّرف
ولما بلغ عليا قتل الصبيين جزع ودعا على بسر فقال: اللهمّ اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله؛ فأصابه ذلك وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زقّ منفوخ، فلا يزال يضربه ما شاء حتى مات.
ولما كانت الجماعة واستقرّ الأمر على معاوية دخل عليه عبيد الله بن العباس وعنده بسر بن أرطأة، فقال له عبيد الله: أأنت القاتل للصبيين أيها الشيخ؟
فقال بسر: نعم أنا قاتلهما، فقال له عبيد الله: لوددت أنّ الأرض أنبتتني عندك، فقال له بسر: فقد أنبتتك الآن عندي، فقال عبيد الله: ألا سيف؟
فقال بسر: هاك سيفي، فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: أخزاك الله شيخا قد كبرت وذهب عقلك، تعمد إلى رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك؟ إنّك لغافل عن قلوب بني هاشم، والله لو تمكّن منه لبدأ بي قبلك. فقال عبيد الله: أجل والله ثم لثنيّت به.
- وقال الأصمعي: سمع رجل من اليمن، وقد قدم مكة، امرأة عبيد الله تندب ابنيها فرقّ لها وتوصّل إلى أن اتصل ببسر وخدمه، فلما وثق به احتال لقتل ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس فقتلهما وهرب، وقال أبياتا منها:
فاشرب بكأسيهما ثكلا كما شربتأمّ الصبيّين أو ذاق ابن عبّاس
- وقال إبراهيم بن العبّاس:
لئن كنت زينا للعيون وقرّةلقد صرت سقما للنفوس الصحائح
وهوّن وجدي أنّ يومك مدركيوأني غدا من أهل تلك الضرائح
مات ولد لأبي العباس أحمد بن المختار بن أبي الجبر، وعمي عقيب فقده فقال:
عيني وفت فكأنّماحلفت يمينا فيه برّه
ألّا ترى من بعدهأحدا فما سمحت بنظره
قال دعبل: كنت عند حميد الطوسي وقد أصيب بطفل له، فعزم على دفنه في داره، إذ أتاه بعض الخدم فقال: ليهنك الفارس أيها الأمير، فقال: يا دعبل أتعرف في الشعر صفة ما نحن فيه؟ فقلت: نعم، قول القائل:
ذهب الذين تكمّلوا آجالهمومضوا وحان من آخرين ورود
يمضي الصغير إذا انقضت أيامهإثر الكبير ويولد المولود
والناس في قسم المنيّة بينهمكالزّرع منه قائم وحصيد
كتب رجل إلى صديق له ولد له مولود فمات من يومه فجزع عليه:
فإن كنت تبكيه اطّلابا لنفعهفقد نال جنّات الخلود مسارعا
وإن كنت تبكي أنّه فات عودهعليك بنفع فاسل قد صار شافعا
- وقال المتنبي:
فإن تك في قبر فإنّك في الحشاوإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّهولكن على قدر المخيلة والأصل
بدا وله وعد السحابة بالرّوىوصدّ وفينا غلّة البلد المحل
هل الولد المحبوب إلّا تعلّةوهل خلوة الحسناء إلّا أذى البعل
- وقال محمد بن هاني:
نافس الدهر عليه يعرباورأى موضع حقد فحقد
هاب أن يجري عليه حكمهفنوى الغدر له يوم ولد
حين لم ينظر به ريعانهإنما استعجله قبل الأمد
- وقال الرضي في موت مولود:
فلا تحسبن رزء الصغائر هيّنافإنّ وجى الأخفاف ينضي الغواربا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع