كَيفَ تَحكِيكَ فِي التُّقَى الأتقِياءُ
الشاعر: حمدون بن الحاج السلمي · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر حمدون بن الحاج السلمي، من العصر العثماني، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
كَيفَ تَحكِيكَ فِي التُّقَى الأتقِياءُ ... يا نَبِيّاً تَسمُو بِهِ الأنبِياءُ
أفضَلُ الخَلقِ مِن قَرِيبٍ وَنَاءٍ ... فَالجَمِيعُ أرضٌ وَأنتَ سَماءُ
لَكَ جِـــــبـــــرِيـــــلُ خـــــادِمٌ وَرَســــولٌ ... وَرَقَــــت تَــــحتَ ذَيلِكَ الخُدَماءُ
ما لِجِبرِيلَ وَهوَ مِن نُورِهِ كا ... نَ بِتَفضِيلِهِ عَلَيهِ رِضَاءُ
وَالّذِي في التَّكويرِ مَطلَبُهُ ذا ... كَ المَقامُ فَما عَلَيهِ ابتِناءُ
كانَ أصلُ الكَلاَمِ فِي مَدحِ جِبرِيلَ ... فَمُقتَضَى الظَّاهِرِ الإِطراءُ
وبِــــذَاكَ المَــــديــــحِ إِدماجُ مَدحٍ ... لِلنَّبـــــــِيِّ دَرَت بِهِ الأذكِـــــــيــــــاءُ
رَفَــــعَ اللهُ أنــــبِــــيَاءَهُ عَن أن ... يَــــقرُبُوا ذَنباً فَهُم بُرَآءُ
إِنَّمَا الذَّنبُ ظاهِراً وَهوَ أمرٌ ... باطِناً مأمورٌ بِهِ الأنبِياءُ
إن تَقُل هَذَا يَقتَضِي أنَّهُ لَيسَ ... بِـــــــــذَنـــــــــبٍ وَإِنَّمــــــــَا ذَا أداءُ
قُلتُ فِي بَادِي الرَّأيِ ذَنبٌ وَقَد عَدَّ ... تـــــهُ مِـــــنــــهُ كَــــذِلكَ الأولِيــــاءُ
إن تَقُل سَلَّمنَاهُ لَكِنَّ مَا العَتبُ ... عَــــــلَيــــــهِ تَــــــمُــــــجُّهــــــُ الآراءُ
قُــــلتُ ذا تَــــابِعٌ عِتَابَهُمُ أن ... فُسَهُم خاطِراً وَهُم ما أساءُوا
وَعِـــــتـــــابُ الإلاَهِ غـــــالِبُهُ مِـــــن ... نَـــــحـــــوِهِ لاَ تَــــغُــــرَّكَ الأهــــواءُ
وأتى فِي القُرآنِ مَا ألهَمَ الوِز ... رَ وإِيــــهــــامُ ذاكَ مِنهُ هَباءُ
أخرَجَتهُ عَن ظاهِرٍ لَهُ أعلا ... مُ وضَــــــلَّت فــــــي لَيـــــلِهِ جَهَـــــلاءُ
وأتَى فِي الأنفَالِ ما أوهَمَ النُّقصَانَ ... فِـــــيـــــمَـــــن لَهُ النُّفـــــُوسُ فِــــداءُ
لَم يَكُن عالِماً بِأنَّهُ مَا لَم ... يُثخِنِ الأرضَ لاَ يَجُوزُ الفِداءُ
وبِذَاكَ تَبَيَّنَ الحُكمُ فِي هَذَا ... فَأينَ الَّذِي تَرَى الأغبِياءُ
بِالَّذِي أطلَعَ المُصِيبَ علَى التَّح ... قِيقِ قُل لِي طارَت بِهِ العَنقاءُ
أمَرَ المُصطَفَى بِصَفحٍ ولِينٍ ... أفصَحَت عَن كِلَيهِمَا الأنبِيَاءُ
فَأبَانَ المُنافِقُونَ مَعَاذِي ... رَهُمُ والنِّفَاقُ مِنهُم غِطاءُ
فَــــأبَــــاحَ لَهُــــم تَخَلُّفَهُم عَن ... هُ وَلَم يَمنَع إِذ لَهُ استِحياءُ
عــــالِمــــاً بِــــالَّذِي أســــرَوُّهُ لَكِــــن ... شاءَ أن يُفضَحُوا عَلَى مَا يَشاءُ
فَـــــأتـــــاهُ الإِلاَهُ جَــــلَّ ثَــــنَــــاهُ ... بِــــالَّذِي لِلنَّبــــِيِّ فِــــيــــهِ شِفاءُ
فَعَفَا اللهُ عَنكَ فِيهِ مَعانٍ ... عَجَزَت عَن بُلُوغِهَا البُلَغاءُ
وَذَوُو الأذوَاقِ السَّليمَة قَد كا ... نَ لَهُــــم لِلَطِــــيــــفِ ذاكَ اهتِداءُ
هُوَ تَكمِيلٌ فِي نِهَايَةِ حُسنٍ ... لِبُدُورِ الكَمالِ مَنهُ حَياءُ
لَم يُـــــوَاجِهـــــهُ بِــــالسُّؤَالِ إِلَى أن ... رَفَعَ الوَهمَ عَنهُ ذاكَ الدُّعاءُ
مِثلُهُ فَسَقَى وَبارَك فَانظُر ... أيــــنَ تَــــذهَــــبُ أيُّهــــَا الخَطَّاءُ
سَــــــقَــــــطَ القَـــــولُ إنَّ ذَلِكَ ذنـــــبٌ ... وَإِذَا الحَـــــقُّ جَـــــاءَ زَالَ المِــــرَاءُ
إن يَــــدُلَّ ذَاكَ الكَلاَمُ عَلَى الذَّن ... بِ أكَــــانَ لِذَا العِــــتَــــابِ بَقَاءُ
وَلَئِن سَــــلَّمناهُ تَسلِيمَ غَضٍّ ... فَهوَ تَركُ الأولَى وَما فِيهِ داءُ
وَإِذَا كَـــــــانَ رَبُّهـــــــُ لَم يُــــــواجِه ... هُ بِسُوءٍ كَفَى بِهِ الاقتِداءُ
لَم يَكُن يَخشَى النَّاسَ بَل كَانَ أخشَى ... النَّاسِ مِمَّنــ ذَلَّت لَهُ العُظَماءُ
كانَ يُوحَى تَزويجُهُ بِنتَ جَحشٍ ... فَاعتَراهُ مِن أجلِ ذَاكَ حَياءُ
وَأبَى الأمرَ بِالطَّلاَقِ إِلَى أن ... أوقِعَت بَينَ ذَينِكَ الحَشنَاءُ
فَاستَشَارَ زَيدٌ فَقَالَ لَهُ أح ... مَدُ أمسِك وَالأمرُ مِنهُ ابتِلاَءُ
رَجَعَ المُصطَفَى عَلَى نَفسِهِ بِال ... عَتبِ مِنهُ وَهَكَذَا الأصفِياءُ
فَــــعِــــتَــــابُ الإِلاَهِ جَــــلَّ ثَنَاهُ ... لِعِـــــتَـــــابِ حَـــــبِـــــيــــبِهِ إِبــــدَاءُ
أفــــصَــــحَت بِالّذِي جَلَوتُهُ آثَا ... رٌ صِــــحَــــاحٌ وَغَــــيــــرَ ذَاكَ جَفَاءُ
قَد تَعَالَى النَّبِيُّ صَلَّى عَلَيهِ ... رَبُّهـــــُ أن تُـــــرَى لَهُ فَـــــحـــــشَــــاءُ
وَالمُرَادُ بِالذَّنبِ فِي الفَتحِ أسبَا ... بُهُ حَـــــجـــــبٌ وغَــــفــــلَةٌ إغــــفَــــاءُ
وَالتَّقـــــَدُّمُ والتَّأـــــخُّرُ تَــــعــــمِــــي ... مُ مُبِينٌ أن تَنتَفِي الأدواءُ
نَزِّهِ المَولَى عَن حَدِيثِ الغَرَانِي ... قِ وَإِيَّاكَ مشنهُ فَهوَ افتِرَاءُ
مُوجِبٌ غَايَةَ الفَسَادِ لِمَا يَأ ... تِــــي بِهِ رُســــلُنَا وَهُم أمَنَاءُ
أينَ لِلغَاوِي أن يَحُومَ بِسَاحَا ... تِ نَــــــبِــــــيٍّ لَهُ الوَقَـــــارُ وِقَـــــاءُ
مُصطَفَّى ذُو خُلقٍ عَظِيمٍ وَيَكفِيهِ ... سَــــنَــــاءً مِنَ الجَلِيلِ الثَّنَاءُ
والّذِي فِي التَّحرِيمِ مِن حُسنِ أخلاَ ... قِهِ أنَّى يَخطُو إِلَيهِ الخَطَاءُ
قَصَدَ المُصطَفَى بِذَلِكَ تَضيِي ... قَهُ عَن نَفسِهِ وَمَا فِيهِ دَاءُ
سَاعِياً فِي مَرضَاةِ أزوَاجِهِ فِي ... مَــــا أرَدنَ وَهَــــكَــــذَا الفُــــضَــــلاَءُ
وَابتِدَاءُ الخِطَابِ يَنفِي الّذِي تُث ... بِـــــتُهُ جَهـــــلاً أيُّهــــَا الخَــــطَّاــــءُ
أتَرَى مَن آلى عَلَى شَيءٍ إن حَرَّ ... مَهُ فَـــــاعـــــتَـــــدُّوا بِهِ وَأسَـــــاءُوا
إِنَّهُ بُهتَانٌ عَظِيمٌ تَحَاشَت ... أن تَفُوهَ بِمِثلِهِ السُّفَهَاءُ
لاَ تَــــعُودُوا لِمِثلِه أبَداً إِن ... كُنتُمُ مُؤمِنينَ كَي لاَ تُسَاءُوا
وابنُ أمِّ مَكتُومٍ اعرَضَ عَنهُ ... حَيثُ كَان مِنَ الجَلِيسِ إبَاءُ
طَمَعاً فِي إسلاَمِ قَومِهِ إِذ يُس ... لِمُ هَــــذَا فَــــتُــــتــــبَعُ الرُّؤَسَاءُ
ثُـــــمَّ إنّ النَّبـــــِيَّ عَــــاتَــــبَ سِــــراً ... نَــــفــــسَهُ فَــــأَبَــــانَهُ الإِنــــبَــــاءُ
وَعُدُولُ الخَبِيرِ لِلغَيبِ فِيهِ ... دِقَّةــــٌ قَــــد دَرَت بِهَــــا البُصَرَاءُ
لَم يُوَاجِههُ بِالتَّعَبُّسِ كَي لاَ ... يَفزَعَ المُصطَفَى بِشَيءٍ يُسَاءُ
عَجَباً مِن هَذَا العِتَابِ فَمَا ... ألطَــــفَهُ عَــــجِبَت لَهُ اللُّطَفَاءُ
لُؤلُؤٌ مَكنُونٌ نَفِيسٌ إِذَا مَا ... أبرَزَتهُ فِي جِيدِهَا حَسنَاءُ
لَم يَلُح لِلمُخَطِّئِينَ وَمِن أي ... نَ تَرَى الشَّمسَ مُقلَةٌ عَميَاءُ
لَيتَ شِعرِي أعَابُ نُكتَةِ مَا ... قُلنَاهُ عَنهُم أم مَا يَرَونَ اجتِرَاءُ
حَيثُ لَم يَهتَدُوا بِذَاكَ يَقُولُو ... نَ ضَلاَلٌ والكُلُّ مِنهُ اهتِدَاءُ
وَالّذِي فِي الضُّحَى الضَّلاَلُ عِنِ الدُّن ... يَــــا أوِ الشَّرعِ قَــــدَّهُ الإِيــــحَــــاءُ
قَد دَعَا القَومَ لِلهُدَى فَتَأبَّوا ... وَعَــــلَيهِ مِن شِركِهِم أعبَاءُ
وَضَعَ اللهُ وِزرًَهُ حَيثُ شَدَّ الأزَرَ ... مِــــنــــهُ فَــــكَــــانَ بَــــعــــدُ عَــــلاَءُ
أيُّهَا العَالِمُ المُعَظِّمُ قَدرَ ال ... مُصطَفَى مَن نِيطَت بِهِ الأحشَاءُ
خُذ فَتَاةً حَسنَاءَ قَد طُوِّقَت عِق ... داً نَــــفِــــيساً وَتَاجُهَا لألاَءُ
نَافَحَت عَنِ المُصطفَى وَأبَانَت ... طُرُقًا قَد ظَلَّت بِهَا السُّفَهَاءُ
مَهرُهَا آدابٌ مَعَ الرُّسلِ فِيمَا ... أوهَمَتهُ الآيَاتُ والأنبَاءُ
إِنَّمَا الذَّنبُ مَا جَنَينَا وَلَكِن ... بِالنَّبِيِّ الكَرِيمِ مِنَّاــ التِجَاءُ
يَا نَبِيَّ الهُدَى تَشَفَّعــ لِعَاصٍ ... جَاهِلٍ حَيثُ تَذهَلُ الرُّضَعَاءُ
وعَـــــلَيـــــكَ تَـــــحِـــــيَّةـــــٌ وَسَـــــلاَمٌ ... مَا تَرَقَّتـــ بِمَدحِكَ الشًّعَرَاءُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- ابتناء: أبت: أَبَتَ اليومُ يَأْبِتُ ويَأْبُتُ أَبْتاً وأُبُوتاً، وأَبِتَ، بِالْكَسْرِ، فَهُوَ أَبِتٌ وآبِتٌ وأَبْتٌ: كُلُّهُ بِمَعْنَى اشتدَّ حَرُّه وغَمُّه، وسَكَنَتْ رِيحُهُ؛ قَالَ رؤْبة: مِنْ سافعاتٍ وهَجِيرٍ أَبْتِ وَهُوَ يو … (لسان العرب)
- التكوير: كير: الكِيرُ: كِيرُ الْحَدَّادِ، وَهُوَ زِقّ أَو جِلْدٌ غَلِيظٌ ذُو حافاتٍ، وأَما الْمَبْنِيُّ مِنَ الطِّينِ فَهُوَ الكُورُ. ابْنُ سِيدَهْ: الكِير الزِّقّ الَّذِي يَنْفُخ فِيهِ الْحَدَّادِ، وَالْجَمْعُ أَكْيارٌ وكِيَرة. … (لسان العرب)
- الظاهر: ظهر: الظَّهْر مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: خِلافُ البَطْن. والظَّهْر مِنَ الإِنسان: مِنْ لَدُن مُؤخَّرِ الْكَاهِلِ إِلى أَدنى الْعَجُزِ عِنْدَ آخِرِهِ، مُذَكَّرٌ لَا غَيْرُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ اللِّحْيَانِيُّ، وَهُوَ مِنَ الأَسماء ا … (لسان العرب)
- بتفضيله: فضل: الفَضْل والفَضِيلة مَعْرُوفٌ: ضدُّ النَّقْص والنَّقِيصة، وَالْجَمْعُ فُضُول؛ وَرُوِيَ بَيْتُ أَبي ذُؤَيْبٍ: وَشِيكُ الفُصُول بَعِيدُ الغُفُول رُوِيَ: وَشِيك الفُضُول، مَكَانَ الفُصُول، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة … (لسان العرب)
- تحكيك: حكك: الحَكُّ: إِمْرار جِرْم عَلَى جِرْمٍ صَكّاً، حَكَّ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَغَيْرِهَا يَحُكُّه حَكّاً؛ قَالَ الأَصمعي: دَخَلَ أَعرابي الْبَصْرَةَ فَآذَاهُ الْبَرَاغِيثُ فأَنشأَ يَقُولُ: لَيْلَةَ حَكٍّ لَيْسَ فِيهَا شَكُّ … (لسان العرب)
- خادم: خدم: الخَدَم: الخُدَّمُ. والخادِمُ: واحدُ الخَدَمِ، غُلَامًا كَانَ أَو جَارِيَةً؛ قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ قَوْمًا: مُخَدَّمون ثِقالٌ فِي مَجالسهم، ... وَفِي الرِّجال، إِذا رافقتَهم، خَدَمُ وتَخَدَّمْتُ خادِماً أَي اتَّ … (لسان العرب)
- ذيلك: ذيل: الذَّيْل: آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ. وذَيْل الثَّوْبِ والإِزارِ: مَا جُرَّ مِنْهُ إِذا أُسْبِل. والذَّيْل: ذَيْلُ الإِزار مِنَ الرِّداء، وَهُوَ مَا أُسْبِل مِنْهُ فأَصاب الأَرض. وذَيْل المرأَة لِكُلِّ ثَوْبٍ تَلْبَسه إِذا … (لسان العرب)