حـيـاة ٌ و مـوت ْ
الشاعر: مثنى ابراهيم دهام · البحر: المديد
«حـيـاة ٌ و مـوت ْ» من شعر مثنى ابراهيم دهام، وتقع في 162 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
- 1مابين حيٍّ وحيّ — ..
الأول: — ..
ويمرُّ حشدُ العابرين.. — يمرُّ حشدُ العابرين
فعلامَ تجهش بالبكاء ؟ — هي خطوةٌ أولى ، وبشرى بالولادة والضياء
والناس حولك يضحكون يعربدون — وصدى غناء..
فعلامَ تجهش بالبكاء ؟ — سيمرُّ حشد العابرين
وتغيب أشرعة السنين — وتظلُّ وحدك جاثياً خلف المساء
فعلامَ تجهش بالبكاء ؟ — ..
الثانـي: — ..
أنا ما بكيت من الضياء — وبكيت من ليل ٍيغصُّ به الضياء
بؤَرُ الظلام تسود في أفق ٍتغلـّفه الظنونْ — والعابرون العابرون..إلى الفناء.!
يتسابقون ويلهثون — وتدوسهمْ أقدامهم.. يتألـّمون
أنا ما بكيت من الضياء — وبكيت من قصر الذراع..
فكيف أحتضن المدى — و أجزُّ ناصية الردى.!
وأكون فيها مثلما آثرت فيها أن أكون — أنا ما بكيت من الضياء..
وبكيت إذ أبصرت في أفق الظنون — ليلا ً تلطـّخه الدماء.!
.. — الأول:
.. — قـُلْ ما تشاء..
قـُلْ إنهم يتسابقون إلى الفناء — ولتستبد َّ بك الشجونْ
إن كنت تأبى أن تكون — يا أيها الباكي ستسلك ذلك الدرب الوحيدْ
قدرٌ عليك رضيت ذلك أم أبيتْ — أفإنْ بكيتْ ؟
ستحيدُ عن ذاك الطريقْ ؟ — لا.. لن تحيدْ.!
هي خطوة ٌ أولى ، فأطبقْ مقلتيك عن الظلامْ — واحمل فؤادك في يديك فإنَّ دربك من حديدْ
وغدا ً تنامْ .. غدا ً تنامْ — في ذلك الأفق البعيدْ .!
.. — الثاني:
.. — وسلكتُ دربَ العابرينْ..
متعثــّرَ الخطوات أمشي بين أروقةِ السنين — وعلى الطريق رأيتُ أشباحا ًحيارى بائسين
ورأيت نفسي بينهم أغفو فأحلمُ — ثمَّ أصحو من صراخ العالم المجنون والدم والقيودْ
أغفو فأحلمُ بانبعاث الشمس في أفق تلوّنه الأماني بالورودْ — بالفجر أحلم ، بالروابي ، بانتمائي للوجودْ
مَنْ علـّمَ الأشياء أن تحيا وتحلمَ بالخلود ؟ — يا أيها الجاثي هناك هناك.. خلفَ نهاية الأيام والليل البهيمْ
يا أيها الممتد ُّ بين نهاية الأحزان والمجهول — حيث يلفـّكَ الأزلُ المسافر دون دربٍ.. يا عظامُ ويا رميمْ.!
ما زال في أفـق السراب على طريق العابرين ؟ — باقٍ يؤرقني السؤال وذلك اللغز الكبيرْ .!
من أينَ جئنـا ؟ — كيفَ أصبحنا نسيرْ ؟
ما سـرُّ تلك الصرخة الأولى ؟ — وما سـرُّ النهاية ؟
ما المصيرْ ؟ — ..
الأول: — ..
لاتسألنَّ..فربما كان المصيرْ — في ذلك الجسد المعفـّن تحت أكوام الترابْ
في الأنف والفم والمحاجر يستحثُّ لكَ العذابْ — ولربّما هي لحظة ٌ.. هي همسة ٌ
ويلوح في أفق الظنونْ — ظلٌّ ترنــّح ثم غابْ .!
ولربّما تغفو وتحلمُ.. ثم تحيا بين أطياف السرابْ — ولربّما هي صرخة ٌ.. وبها تكونْ
روحاً تـئـنُّ من العذابْ .! — أنا لست أدري يا رفيقي.. ما النهاية ُ، ما المنونْ ؟
غادرْ تساؤلكَ الغبيّ .. فسوف يُـتـعبك الجوابْ .! — جئنا .! ولكن كيف جئنا ؟
لا تـَسَـلْ .! أكمِلْ طريقكَ دونَ وعي ٍ — دونَ حلم ٍ
تسـتـفـيـق .! — أوَمارايتَ على الطريق ؟
سـرّا ً تبوح به الحياة ؟ — في الأرض في الأنهار في الأشجار في ألق الربيعْ
في ذلك الطير المغرّد واختلاجات المراعي إذ يطرّزها القطيعْ — فإلامَ تبقى خلفَ ذاكَ الوهم ِ تعدو في متاهات الظلامْ
الأمس مات فلا تضيـّعْ ما سيأتي بانتظار ٍ واحتضارْ — وتظلُّ وحدكَ في الدياجي .. بعدما يمضي النهارْ..
.. — الثاني:
.. — الأمس مات.. ويوشك الغد أنْ يموتْ
وهناك ترقد في الظلامْ.. — ذكرى مضتْ عجلى..
وكانت في ليالي الأمس إنسانا ً.. — تلاشى واستحال إلى عظامْ .!
فاسمعْ أنيني .! — لا تـَسَـلـْني ما رأيتَ على الطريق ؟
أنا ما رأيتُ سوى المآسي والمنايا والظلامْ — سافرتُ وحدي في عوالم غربتي
وقطعتُ خاوية الدروب بلا رفيقْ — غيرَ الشقاء .!
وسطوة الدم ، والسلاسل ، — واحتراق العمر، عاماً إثرَ عامْ
بقيَ الرمادْ .! — وضاع زهو النظرة الأولى..
وغاب الضوء..والأنفاس أطفأها الحريقْ .! — فاسمعْ أنيني .!
سوف أرحل عن قيود الطين في جسدي — ولكن مرةً أخرى سألتحف الظلام
وهناك في ليل المدى وسراب خاتمتي أنامْ — فلربّما أغفو..
وأحلمُ بالحياة .! — ....
.. — 2- رماد السنين
.. — رماداً..
غدا كلُّ شيءٍ رمادْ — رماداً..
وأسطورة ًغابره — رماداً..
وما كلُّ شيءٍ يعادْ — فلا تسألوه عن المجمره
دعوه يمرُّ.. مع العابرينْ — بأمنٍ ..إلى عتمة المقبره
ولا توجعوه.. — لقد كان يحلم بالياسمين
وعطر الصباح.. — قفوا.. واسمعوا منه عزف الجراحْ
فما قال شعراً.. ولا قال نثراً.. — ولكنّه همس قيثارة ٍمزّقتها الرياحْ
لقد كان بالأمس.. ويح الردى .! — وميضاً يهمُّ بأنْ يولدا
ولكن أمانيه أودَتْ به — وعاثتْ به موجة ٌساخره
وبحرٌ من الدمع لفَّ الوميض — فأطفأه قبل أن يوقدا
وذاب الصدى.. — فلا تسألوه إذا غرّدا
بصوت الجراح .! — وأفضى بآلامه للرياح
فباحت ْ بآلامه للمدى — ولا تسألوه إذا ما اغتدى
مع السندبادْ.. — عن الشمس والدوحة المزهره
وعن شهرزادْ.. — وعمّا توارى وعمّا بدا
ولا تسألوه إذا ما غدا — رماداً .. رمادْ
وغامَ على الذاكره — رمادٌ..
فأنـّى له الإتـّقادْ ؟ — إذا خمد الجمرُ تحت الرمادْ
وخانتْ به المجمره .! — ..
.. — - 3مرثـيـّة الإنسانْ
.. — في غابة الأيام عمرٌ يضيعْ
تساقطتْ أوراقه في الربيعْ — وغاب صوته ، وفي نهاية المدى
تفجّرَ الصدى.. — يا موت يا خاتمة الأيام يا ردى
أخذتَ إذ أخذته الربيع والندى — .....
كانَ إذا مرَّ على روضةٍ — طافحةٍ بالعطر فوّاحه
مرَّ على آماله باكياً — وأطبقَ الراحة بالراحه
كأنـّما ذكـّره بالهوى — قلبٌ فأفشى سرَّه باحه
يا قلبُ ما هذا التصابي وقد — بثَّ إليك الزهر قدّاحه
فأيقظ الجرح على غفلةٍ — وآهةٍ بالصمت نوّاحه
هذا غدٌ.. هذا دمٌ سائلٌ — ملءَ الثرى والبوم صدّاحة
هذا صراع ٌ في بطون الدجى — والشرُّ مزهوٌّ على الساحه
مازالَ ذاكَ الدرب يفضي إلى — لهيبها، والنار لـوّاحه
يا أيها الراحل عن حلمهِ — هلْ تبتغي أن تملك الواحه ؟
كلا .. فإنَّ الدهرَ لايرتضي — أن يخلدَ الإنسان للراحه .!
..... — سلاسلٌ..تهافتٌ..رغبة ٌ
تبعده عن عالم الاخضرارْ — عن البراءة الـّتي أوشَكتْ
أنْ تنتهي في زمن الاندثار — وعزلة الإنسان عن أ ُفـقـهِ
إلى كهوف الليل خلف الجدار — سلاسلٌ، تهافتٌ، رغبة ٌ
تبعده عن السنا والنهارْ — كانَ شقيـّاً مثل أحلامهِ
غرامهُ محضُ أسىً وانكسارْ — يحلمُ بالحبِّ وأسراره ِ
يحلمُ بالنشوة ِوالانتصارْ — يقول للنهر وأمواجهِ
كعاشق ٍطال به الانتظار — نحن أسيرا حُلـُم ٍ واحدٍ
نحن كلانا رهن هذا المدار.. — .....
كانَ شغوفاً بالهوى والغرامْ — كان شغوفاً بالندى والمطرْ
قيثاره يصدح رغم الظلام — يفضي بمكنوناتهِ للبشر:
عن موسم الصبا وعن مواسم الحصادْ — عن ضفـّةٍ تنفـّستْ أشعـّة القمرْ
و ليلةٍ فاضتْ بها دموع شهرزاد — تكلـّمَ الصمت بها وغرّد الوتر..
وغربةِ الأرواح في مراكب الضياع ْ — وسندبادٍ صارع َ الرياح والقدر
مازال يشدو وكأنَّ الريح والشراع — صدىً يبثُّ شدوَهُ..فيهطلُ المطر .!
هو السنا لاحَ على أجنحة الوداع — من عمره الـّذي مضى.. كلمحة البصر..
..... — يا أيها الحالمُ آنَ الأوانْ
للروح أن تستريحْ.. — ضاقتْ بك الدنيا وضاق الزمان
هل يحتويكَ الضريح..؟ — قد كنت بالأمس وما كان كان
صيحة روحٍ وريح.. — لم يبقَ من ملحمة العنفوان
الا هواك الجريح..! — ..
يا أيها الراقد ما كان كانْ — بالأمس والأيام دوّاره
ها قد ألفتَ الموت والسرُّ بانْ — من عالم ٍ يكتم أسراره
ماذا ترى مما بدا للعيانْ ؟ — في عالمٍ جاوزتَ أسواره ..!
.. — ..
4 - صوتٌ من عالم الموتْ — ..
أنا الـّذي كنتُ على حيرةٍ — في عالم السابلة العابرينْ
أنهكني الترحال خلف المدى — وهاجسُ الشكّ وصوت اليقين
أطارد الأحلام أنـّى بدا — سرابها ألهث بين السنينْ
أحلمُ أنْ أصنعَ لي عالماً — من الندى والنور والياسمينْ
ما كنتُ أدري أنـّني حينها — ما كنتُ إلاّ محضَ ماءٍ وطينْ
حتى تغشّاني جليّ الرؤى — وأيقظتني صحوة الغـافـلـيـن
ماضون لا ندري لعلّ المنى — تـفضي لها قافـلة الراحـلـيـن
..... — ماذا أحسُّ اليومَ.. ماذا أرى ؟
كأنـّني محلـّقٌ بالفضاء .. — ما كان حلماً ذاك .. لكـنـّها
تحرّرتْ روحي وزال العناء ؟ — كأنـّني من قاع قبري أرى
إشراقة الفجر ونبعَ الضياء — وروضة ً طافحة ًبالندى
طيورها صاخبة ٌ بالغناء — كأنـّني .. بَلْ إنـّني سامعٌ
في جنـّة الأحلام صوتَ السماء.! — .....
تبدّدَ الوهم وزالَ الضبابْ — وذابَ ماء الغيمة الشارده
وانهتكتْ أستارها والحجابْ — فبانتْ الحقيقة الخالده..
ليسَ فناءً.. إنـّها صحوة ٌ — ويقظة ٌ للأنفس الراقده
كلُّ أمانيكمْ سرابٌ سرابْ — أيامكمْ شاردة ٌ شارده
قد غاب ماضيكم ورغم الغياب — يأتي غداً من صيحةٍ واحده..
..... — ليسَ فناءً.. إنـّها عودة ٌ
إلى أديم الفطرةِ الأولى — إلى أديم الأرض كلٌّ بما
يحمل من دنياه محمولا.! — مَنْ لوَّثتْ أيامكم روحه
يخلد مذموماً ومخذولا — ومَنْ أتى صافية ًروحه
يبقى بفيض النور مجبولا — في عالم الخلدِ نديُّ الرؤى
معانقاً أحلامه الأولى .! — .....
براءة ٌ..سعادة ٌ..نشوة ٌ — تجمعها حقيقة ٌ كالخيالْ
مباهجٌ تملؤه لهفة ً — تحمله نحو السنا والجمالْ
كأنـّما عاد إليه الصبا — في غفلةٍ من دهره ما يزال
عند ضفاف النهر مستودعاً — أحلامه بين الحصى والرمالْ
براءة ٌ تمنحه بهجة ً — في عالم ٍخلفَ حدود المحالْ
تحققتْ فيه المُنى كلـّها — للفائزين البالغين المنالْ..
..... — يا عابرين الدرب لا تجزعوا
فإنـّما أيامكم فانيه .. — ولايغرَّنــّكمُ زيفها
إذا بَدَتْ مغرية ٌ غاويه — فإنَّ مستقرَّكمْ هاهنا
في عالم الحقيقة ِالباقيه — يا عابرين الدرب إنَّ الخطى
تدفعها الرّيح إلى الهاويه — دنياكمُ خيرٌ وشرٌّ فلا
تجرفكم رياحها العاتيه — نحوَ كهوف الشرِّ نحو الدجى
نحو الخطايا والخطى داميه — إنَّ على الشرِّ هنا لعنةً
سوداء من أهوالها داجيه — وإنَّ للخير هنا جـنّـةً
سيعلم الآتي غداً ما هيه — كلٌّ يجازى بالـّذي ناله
كلٌّ يجازيهِ غداً ماضيـَهْ ..
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالبكاء: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى …
- حشد: حشد: حَشَدَ القومَ يَحْشِدُهم ويَحْشُدُهم: جَمَعَهُمْ. وحَشَدوا وَتَحَاشَدُوا: خَفُّوا فِي التَّعَاوُنِ أَو دُعُوا فأَجابوا مُسْرِعِينَ، هَذَا فِعْلٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمْعِ، وَقَلَّمَا يَقُولُونَ لِلْوَاحِدِ حَشَد، إ …
- فعلام: العَلاَّمُ والعَلاَّمَةُ : الكثير العِلْمِ، أو العالم الكبير؛ يحترمه الناسُ جميعاً لأنه علَّامة في الفيزياء. -: النسَّابة، أي العالم بالأنساب.
- والضياء: ضيأ: ضَيَّأَتِ المرأَةُ: كَثُرَ ولَدُها، وَالْمَعْرُوفُ ضَنَأَ. قَالَ: وأرى الأَوَّل تصحيفاً.