مأساة سهيل اليماني كاملة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
مَن مَرَّ مِنكُم بِجِلْدٍ كان ثُعبَانا؟شَيءٌ على الأَرضِ يُلقِي جِلدَهُ الآنا
وَحدِي مِن النَّاسِ مَذعُورًا شَكَكْتُ بهِفلم أَجِد لِشُكُوكِي فيه إِمكانا
وَحدِي مِن الخَلقِ يا وَحدِي أَفَقتُ، وقدتَشَابَكَ الكَونُ أَفلاكًا وكُثبَانا
صَرَختُ بِالبابِ: لا تَفتَح، فَأَلفُ يَدٍسَتَطرُقُ الآنَ طَرقَ المُدمِنِ الحَانا
كي أُبصِرَ الخَطبَ.. كُلِّي كان في بَصَرِيكي أسمَعَ الصَّوتَ.. كُلِّي كان آذانا
فَتَحتُ شُبَّاكَ خَوفِي، والنُّجُومُ على التُّرابِ، يَنزِفنَ أَصواتًا وأَلوانا
ولِلمَجَرَّاتِ هالاتٌ وفَرقَعَةٌتُحِيلُ شُمَّ جِبالِ الأَرضِ شُطآنا
وفي فَمِ الرِّيحِ قَرنٌ، وهي نافِخةٌبِهِ على الأَرضِ، تَروِيعًا وإِثخانا
وكانت الشَّمسُ مُلقاةً كَجُمجُمةٍعلى الخَريطةِ، كان اللَّيلُ غِربانا
وكان كُلُّ شِهابٍ يَرتَمِي شُعَلًافَيَلتَقِي بِجَحِيمِ الأَرضِ بَردانا
وسُجِّرَ الماءُ.. حتى صار أَدخِنةًعلى المُحِيطاتِ، صار البَحرُ قِيعانا
والشَّرقُ والغَربُ، لا شَمسٌ، ولا قَمَرٌتَلَاقَيَا، لِفِرَاقٍ كادَ، أَو حانا
ولِلسَّماءِ شَظايا كالزُّجَاجِ، هَوَتعلى الجَميعِ.. فَعَادَ الكَونُ عُريانا
وأَمطَرَ الأَسوَدُ الغِربِيبُ.. فاختَلَطَتبهِ الأَقالِيمُ، غاباتٍ وخُلجَانا
وانشَقَّتِ الأَرضُ.. حتى صِرتُ أُبصِرُ فيعِظامِها البِيضِ أَشجارًا وحِيتانا
***ومِثلَ رَعدٍ غَضُوبٍ صاحَ في أذُنِي
صَوتٌ يَقُولُ: تَعَوَّذ.. قُلتُ: سُبحاناوكنتُ أَدعُو (سُهَيلًا) لِلنَّجاةِ، فَلا
يُجِيبُنِي، فَسُهَيلٌ صارَ جُثماناسُهَيلُ!.. كيف تَهَاوَى؟! كُنتُ أَحسَبُهُ
يَعِيشُ بعدَ زمانِ المَوتِ أزماناسُهَيلُ "رَبُّ جُدُودِي" قبل أن تَلِدَ ال
سَّماءُ والأرضُ أَربابًا وأَدياناسُهَيلُ أَكرَمُ نَجمٍ كان يَنزلُ مِن
سَمَائهِ لِيُحِيلَ القَحطَ وِدياناوكان خَيرَ بَشِيرٍ.. حِين نَسأَلُهُ:
(يا حارِسَ البُنِّ.. بُشرَى)، قال: بُشرَاناوكان حين تَهِيجُ الشَّمسُ يَحمِلُنا
إِلى الظِّلالِ.. زَرَافاتٍ ووُحداناوكان يَجمَعُ كُلَّ الغَيمِ في فَمِهِ
إِلى الحُقُولِ.. ويَقضِي العامَ ظَمآناوكان كُلَّ صَبَاحٍ يَستَوِي، فَنَرَى
نُضُوجَ أثمارِنا، بُنًّا، ورُمَّاناسُهَيلُ كان أَبَانا، حين تُنهِكُنا
مَوَاسِمُ الجَدبِ تَجويعًا وخِذلاناوها هُو الآنَ.. لا (الشِّعرَى) نَعَتهُ، ولا (ال
عُبُورُ) ناحَت عليهِ حِينما عانَىوها هُو المَوتُ يَدنُو نافِضًا يَدَهُ
كَعَامِلٍ يَتَقَاضَى الأَجرَ عَجلاناوها أَنا الآنَ وَحدِي أَرتَجِيهِ بما
لَدَيَّ مِن كَلِماتٍ ذُبنَ أَشجَانافَلم يَقِف بِإزائِي غَيرَ ثانيةٍ
وغابَ.. غابَ حَسِيرَ الطَّرفِ، حَيراناوكُنتُ أَسأَلُ نَفسِي: كيف لم يَرَنِي
وكان أَقرَبَ مِن عَينَيهِ وَجْهانا؟!أَلَم يَجِد لِفَراغِي فيه مُتَّسَعًا
أَم أَنه لِرُجُوعٍ غابَ حُسبانا؟!(ما كُلُّ ما يَتمَنَّى المَرءُ يُدرِكُهُ)
فالمَرءُ قد يَتَمنَّى المَوتَ أحيانا***
وحين أَيقَنتُ أَنِّي ما أَزالُ علىقَيدِ الحَياةِ، حَمَلتُ القَيدَ قُضبانا
لم تَترُكِ النَّارُ لِي بَابًا فَأُغلِقَهُولم تَدَع لِيَ تحت السَّقفِ جُدرانا
تَصَاعَدَ الخَوفُ، وانسَلَّ الدُّخَانُ كمايَنسَلُّ سارِقُ لَيلٍ عادَ كَسبَانا
وصائِحٌ صَاحَ: (لا غُفرَاااانَ).. قُلتُ لهُ:وهل وُلِدنا، لكي نَحتاجَ غُفرانا؟!
نَحنُ الذين دُفِنَّا قَبلَ أَزمِنةٍمِن خَلقِنا.. أَفَنُعطَى اليَومَ دَفَّانا؟!
وهل نَخَافُ على ما سَوف نَفقِدُهُوقد سُلِبناهُ -قَبلَ الفَقدِ- حِرمانا!
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. هذا يَومُ مَولِدِنافَنَحنُ أَقدَمُ خَلقٍ عاشَ فُقدانا
أَين اشتِعالُ رُؤُوسٍ في بَيَاضِكَ مِنمَن لم يَذُوقُوهُ أَطمارًا وأكفانا!
كُنَّا بَنِي سَكَرَاتٍ غَيرِ كافيةٍحتى لِنَعرِفُ أُوْلَانا وأُخرَانا
لم نَقطَعِ العُمرَ.. لا شَكًّا، ولا ثِقَةًولا كَفَافًا، ولا كُفرًا وإيمانا
إِن كان ذَنبٌ فإِنَّا لا ذُنُوبَ لنافَنحنُ لم نَتَعدَّ العُمرَ صِبيانا
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. ماذا لو رَجَعتَ بِناحتى نُعِدَّ لِهذا اليَومِ أَذقانا؟
ما دُمتَ قَبلَ بُلُوغِ الدَّفقِ قاطِفَنافَلا تَكُن بِبُلُوغِ الفَقدِ مَنَّانا
مَن لم يَعِش -مُستَطِيبًا عَيشَهُ- فَلَهُأَن يَقبِضَ العَيشَ بَعدَ المَوتِ مَجَّانا
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. لا تَضرِب يَدًا بِيَدٍكي تُنصِفَ النَّاسَ كُن ما اسطَعتَ إِنسانا
***وعُدتُ أَسأَلُ نَفسِي: مَن أنا؟! وعلى
ماذا أَنُوحُ؟! وما لِي زِدتُ نُقصانا؟!وكَيف أَصبَحتُ طَيفًا لا يَرَى أَحَدًا
ولا يَرَاهُ.. وعَمَّن أَبحَثُ الآنا؟!هذا الصُّداعُ غَريبٌ.. كيف يَحمِلُنِي
(قَوسًا).. وأَحمِلُهُ (ثَورًا) و(مِيزانا)؟!وكيف -دُونَ جَميعِ النَّاسِ- بِتُّ على
مَصَارِعِ الخَلقِ والأَفلاكِ نَدمانا!أَعُوذُ بِاللهِ مِن سَمعٍ ومِن بَصَرٍ
لا يَعرِفانِ إِلَيَّ الآنَ عُنوَاناومِن ثُمَالَةِ أَشعَارٍ تَقُولُ: أَفِق
فَإِنَّ (عَبدَ يَغُوثٍ) ماتَ سَكراناومِن بَقِيَّةِ نَفسٍ لا تُزِيحُ أَسَى
مُشَرَّدٍ، أَو فَقِيرٍ باتَ جَوعاناأَعُوذُ بِاللهِ مِن لَيلٍ يَصِيحُ مَعي:
أَيَّانَ -يا رَبِّ- يَومُ الدِّينِ.. أَيَّانا؟!***
(قُل هَل أُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِين)؟؟ هُمُومَن يَمنَحُونَ دَنِيءَ الأَصلِ سُلطانا
ومَن يُلَاقُونَ مَن يَسطُو مَلائِكةًويَسأَلُونَ: لماذا صَارَ شَيطانا!
لَانُوا لِمَن عاثَ، أَجسادًا وأَفئِدَةًوالنَّارُ تَأكُلُ حتى الصَّخرَ إِن لَانا
(لا تَشتَرِ العَبدَ "حتى" والعَصَا مَعَهُ)فَالحُرُّ أَرخَصُ مِنه اليَومَ أَثمانا
يا بَين قَوسَينِ إِنِّي بين أَربَعَةٍوما أَزالُ غَريقَ الماءِ عَطشانا
ما أَطوَلَ البَحثَ عن شَيءٍ بلا صِفَةٍوما أَمَرَّ احتِمالَ العَجزِ إِذعانا
هل أُفصِحُ الآنَ عن شَوقِي إِلى وَطَنٍ؟!لا أَستَطِيعُ لِهذا الشَّوقِ كِتمانا
***وعُدتُ اَسأَلُ نَفسِي عن (سُهَيلَ)، وعن
بَنِيهِ، كيف غَدَوا صُمًّا وعُميانا!وكَيف لم يَتَساءَل عَنهُ مَن سَجَدُوا
لِوَجهِهِ، وحَبَوهُ الزَّادَ قُرباناأَين الذين تَسَاقَوا صَفْوَ غُرَّتِهِ
وأَين مَن عَهِدُوا مَسرَاهُ سُلوانامَن وَحَّدُوهُ، وقالُوا: أَنتَ كالِئُنا
وعَدَّدُوهُ، وصارُوا عنه كُهَّاناومَن لِوَمضَةِ طَيفٍ مِن جَلالَتِهِ
كانوا يَذُوبُونَ أَرواحًا وأَبدَاناتَزَاحَمِي يا سُمُومَ القاتِ في دَمِهِم
وأَطلِعِي الوَعيَ بِالمَأساةِ أَغصانامَن سَوف يَبكِي سُهَيلًا أَو يُسامِرُهُ
إِن كان كُلُّ عَزيزٍ هانَ أَو خانا؟!***
يا أَيُّها اليَمنيُّونَ انهَضُوا، فإذالم تَنهَضُوا فَسِوَاكُم ليس خَسرانا
إِنّا لَنَنطِقُ كُفرًا حِين نَبرَأُ مِنشَقَائِنا، ونَقولُ: اللهُ أَشقانا
لا تَبعَثُوا لِسُهَيلَ اليَومَ تَعزِيَةًسُهَيلُ لا يَتَقَاضَى الحُزنَ أحزانا
لَن تُرجعُوهُ مُنِيرًا قَبلَ أَن تَئِدُواظَلامَكُم، وتُزِيحُوا النَّارَ والرَّانا
لَن تَغلِبُوا المَوتَ بِالمَوتَى، ولَن تَجِدُواسِوَاكُمُو بين أَهلِ الأَرضِ أَعوانا
أَنْ تَكبَحُوا النَّارَ مَغلُوبِينَ أَشرَفُ مِنأَنْ تَربَحُوا العَارَ هالاتٍ وتِيجانا
لا يَبلُغُ الذُّلُّ بِالأَوطَانِ مَبلَغَهُإِن لم يَجِد بِبَنِيها مِنه أَقرانا
ولا يَنَالُ عَدُوٌّ مُبتَغَاهُ سِوَىمِن مَوطِنٍ نالَ مِن أَهلِيهِ عُدوانا
يا تاركًا شَاتَهُ لِلذِّئبِ يَحرسُهالا يَملِكُ الذِّئبُ إِلَّا الفَتكَ إِحسانا
***وعُدتُ أَسأَلُ نَفسِي عَن (سُهَيلَ)، كما
لو أَنَّهُ لِيَ وَحدِي كان هَيماناحِينٌ مِن القَهرِ لم يَشعُر بهِ أَحَدٌ
عاصَرتُهُ، وعَصَرتُ القَلبَ ذَبلاناولم أَكُن بِمَصِيرِي عابِئًا، فَلَقد
رَضِيتُهُ يَمَنِيًّا، زانَ، أَو شَاناخَمَّارةً كانت البَلوَى، وجَارِيَةً
وكُنتُ أكثَرَ خَلقِ اللهِ إِدماناوكُنتُ عِندَ بُلُوغِ البابِ أَصغَرَ مِن
يَدِي، وأَكبَرَ مِن دُنيَايَ فِنجانالم أَستَعِر صَوتَ غَيري كَي أَنُوحَ بِهِ
بَلِ استَعَرتُ بِدَمعٍ سَالَ نِيراناواختَرتُ أَن أَتَخَلَّى فيه عن فَرَحِي
لا عِشتُ حَيثُ يَسُودُ القَهرُ فَرحانالا شَيءَ يَقتُلُ مِثل الصَّمتِ في وَطَنٍ
بِأَهلِهِ ضَاقَ حتى صَارَ أَوطانا***
وقِيلَ: مَن أَنتَ؟! قُلتُ: اللهُ أَعلَمُ مَنأَنا.. فَكُلُّ جَوابٍ صارَ بُهتانا
لا السَّاعةُ الآنَ تَدري ما الزَّمانُ، ولا الزَّمانُ يُدرِكُ مَعنَى السَّاعةِ الآنا
ودارَتِ الأَرضُ.. وانشَقَّ الغَمَامُ علىغَيَابَةٍ، أَنبَتَت دُورًا وسُكَّانا
وعادَتِ الشَّمسُ تَجري في مَجَرَّتِهاوالبَحرُ عادَ عَمِيقَ القَاعِ، رَيَّانا
وعادَ لِلأُفقِ لَونٌ كان فارَقَهُوعادَتِ الشُّهبُ قُطعانًا فَقُطعانا
وعادَ كُلُّ زَمَانٍ صَوبَ وِجهَتِهِوعادَ كُلُّ مَكانٍ حَيثُما كانا
إِلَّا (سُهَيلُ).. وإِلَّا أَهلُهُ.. فَلَقَدتَأَرَّضُوا، وغَدَوا لِلنَّملِ جِيرانا
***سُهَيلُ هانَ على مَن كان سَيِّدَهُ
فكيف يَرفَعُ رَأسًا سَيِّدٌ هانا!سُهَيلُ كان بَعيدًا عن قَذَائِفِنا
فكيف أصبَحَ قَتلانا وجَرحانا!وكيف صار غَريبًا وهو وَالِدُنا
وجَدُّنا، وهو وَالِينَا، ومَولاناوكَيفَ بَعدَ نَجَاةِ الكَونِ أَجمَعِهِ
سُهَيلُ أصبَحَ لِلبَارُودِ خَزَّانا؟!سهيلُ أصبَحَ يَمشِي حافيًا، وعلى ال
دُّرُوبِ يَعطِسُ أَضراسًا وأَسناناوصَارَ يَمسَحُ نَعلَ الغَاصِبِيهِ، ولا
يُريدُ غَيرَ رِضَاهُم عَنهُ رِضواناوصارَ يَلعَقُ (صَحنَ الجِنِّ) مُختَلِسًا
وصارَ يَدخُلُ (سُوقَ الطَّلحِ) طَحَّاناوصارَ يَبرَأُ مِن (صَنعاءَ) في (عَدَنٍ)
وصارَ يُنكِرُ في (البَيضاءِ) (عمرانا)وصارَ بَعدَ أَذَانِ الفَجرِ يَخجَلُ مِن
خُرُوجِهِ -بِثِيَابِ المُلكِ- قُرصاناوصارَ يَلعَنُ طَيفَ الذِّكرياتِ إِذا
أَعَدنَهُ لِزَمانٍ كان رُبَّاناوصَارَ يَشحَذُ -حتى الشَّمعَ- مُفتَخِرًا
بِأَنَّهُ كان أَقمارًا وشُهباناوأَنَّهُ كان لِلأَنهارِ مُرضِعَةً
وأَنَّهُ كان لِلأَدهارِ خَتَّانا!ماذا يُرِيدُ عَزيزٌ باسِطٌ يَدَهُ
مِن فَخرِهِ؟! أُيُعِيدُ الفَخرُ ما بانا؟!وَجهُ العَزِيزِ إِذا ما ناحَ مِن عَوَزٍ
لَيلٌ يُنَطِّفُ ماءَ الرُّوحِ قَطرانا***
سُهَيلُ كيف تَنَاسَى أَنه مَلِكٌلا سائِلٌ يَتَمنَّى النَّومَ شَبعانا
وكيف أَصبَحَ وَكرًا لا أَمَانَ بهِوكان تَحتَ ظِلالِ العَرشِ بُستانا
وكيف صار عُبَيدًا لِلعَبِيدِ لهوكان أَكثَرَ غاراتٍ وفُرسانا؟!
سُهَيلُ ليس سُهَيلًا بعد أَن خَلَعُوابَرِيقَهُ، وكَسَوهُ العُريَ أَدرانا
لا يَبلُغُ السَّوطُ بِالتَّعذِيبِ نَشوَتَهُإِلَّا بِظَهرِ سَجِينٍ كان سَجَّانا
سُهَيلُ مُذ هَارَ لم يَترُك لِآسِرِهِولا لِخَاسِرِهِ -في الأَسرِ- بُرهانا
سُهَيلُ في القَيدِ نَبضٌ غيرُ مُنضَبِطٍيُصَارِعُ المَوتَ، تَرحابًا، وعِصيانا
وكُلَّما شاءَ أَن يَنسَاهُ.. عانَقَهُعِنَاقَ مُنتَحِرٍ لم يُبقِ شِريانا
بِهَيكَلٍ لا تُحِسُّ الرِّيحُ إِن عَبَرَتبِهِ، أَكَانَ (عُزَيرًا) أَم (سُليمانا)!
ولم يَزَل صارخًا بِالمَوتِ: يا شَبَحًايُحِيطُ بي.. لم أُعُد أَحتاجُ حِيطانا
كُلِّي امَّحَى بين سِندانٍ ومِطرَقَةٍأُرِيدُ مِطرَقَةً أُخرَى وسِندانا
أُريدُ أَكثَرَ مِن رَأسٍ أَنامُ بهحتى أُلَاقِيَ مَا أَخشاهُ يَقظانا
وكَي أُحِسَّ بِأَنَّي صِرتُ أَكبَرَ مِنصَخرٍ يُقَسَّمُ أَسداسًا وأَثمانا
لو كُنتُ أَعلَمُ أَنِّي سوف أُبخَسُ.. ماتَرَكتُ -حِين لَمَستُ الأَرضَ- دُكَّانا
ما أَظلَمَ النَّاسَ إِن غابُوا وإِن حَضَرُواوأَعدَلَ المَوتَ في الحَالَينِ إِن آنا
***ماذا أُسَمِّيكَ يا حَظًّا وَقَعتُ بِه
سَهوًا، وجَاوَرتُ -بَعدَ الشُّهْبِ- جُرذاناماذا أُسَمِّيكَ يا هذا الهَوانُ إِذا
جُعِلتُ لِاسمِكَ بين الخَلقِ جُسماناماذا أُسَمِّيكَ يا هذا الزَّمَانُ وقد
غَدَا بِكَ البَعرُ ياقُوتًا ومِرجانا؟!واااا غُربَتَاهُ.. أَمَا لِي مَن يُقَاسِمُني
شَوقَ الصُّعُودِ كَريمًا، كان مَن كانالم يُنسِنِي القَيدُ مِقدارِي ولا نَزَعَ ال
غُبَارُ مِن يَدِيَ المُلقاةِ إِيوانايا مَعشَرَ اليمنيين الذين رَأوا
سُهَيلَهُم، فَأَشاحُوا عنه نُكرانالا بُدَّ لِلحُرِّ مَهما هانَ مِن قَدَرٍ
يُعِيدُهُ بَعدَ طُولِ اليَأسِ دَيَّاناوالبُؤسُ إِنْ طالَ أَعوامًا، فَإِنَّ لَهُ
يَومًا، يُحِيلُ زُقَاقَ الكُوخِ إِيواناشَتَّانَ ما بين طَمَّاحٍ يَمُجُّ دَمًا
وخانِعٍ حَرَّرَتهُ النَّاسُ.. شَتَّانا***
يا يَومَ أَنْ أَلقَتِ الدُّنيا بِزِينَتِهاواصَّاعَدَ اللَّيلُ في الآفَاقِ هَتَّانا
لم يَنسَ قَطُّ (سُهَيلٌ) فيكَ نَكبَتَهُلكنَّهُ صَارَ لا يَسطِيعُ نِسيَانا
ما بَينَ أَكبَرِ مِن صَخرٍ، وأَصغَرِ مِنطَودٍ، أَرَاهُ يَحِيكُ السِّرَّ إِعلانا
ويُوقِظُ الحُلمَ في عَينَيهِ، عَن ثِقَةٍأَنَّ الطُّمُوحاتِ لا يُغمِضنَ أَجفانا
ويَقدَحُ الأَرضَ مُشتَاقًا إِلى سَفَرٍمُجَنِّحٍ، وجَنَاحٍ ليس عِيدانا
سُهَيلُ أَصبَحَ يَدري ما عَلَيهِ، ومالَهُ، ويَعرِفُ مَن عادَى، ومَن صَانا
وأَصبَحَ اليَومَ أَقوَى حُجَّةً ويَدًامِمَّن أَعَاشُوهُ واعتَاشُوهُ طُغيانا
وصَارَ يُدرِكُ أَنَّ الأُفقَ مَنزِلُهُلا حَيثُ يَصحَبُ تَحتَ الشَّمسِ خِرفانا
وصَارَ يُدرِكُ أَنَّ المَوتَ أَكرَمُ مِنحَيَاةِ مَن يَتَعَاطَى الذُّلَّ جَذلانا
سُهَيلُ أَصبَحَ شَوقًا لا حُدُودَ لهووَثبَةً تَتَخَطَّى الكَونَ أَكوانا
لكنَّهُ دُونَ (رَأسٍ) يَستَطِيعُ بِهِأَن يَنهَضَ الآنَ حُرًّا، رافِعًا شانا
***سُهَيلُ كم عاشَ مَسلُوبَ الجَنَاحِ، وكم
أَحَالَهُ الشَّوقُ أَعناقًا وأَحضَاناكم عاشَ تَحتَ رَمَادِ الحَربِ مُفتَرِشًا
جُرحًا، ومُلتَحِفًا سُوسًا ودِيدانايُسَائِلُ النَّاسَ عَن شَعبٍ وعن بَلَدٍ
تَنَافَرَا، وأَحَالَا اليُمنَ أَضغاناسُهَيلُ كم طافَ أَرضًا كان يَرمُقُها
مِن السَّمَاءِ، حِبَاءً، ليس سُؤلانافي كَفِّهِ صُرَّةٌ غَبرَاءُ يَحمِلُها
حينًا، وتَحمِلُ عنه الكَفَّ أَحياناكم عاشَ بائِعَ وَردٍ في (طُلَيطِلَةٍ)
يُحَاوِرُ (ابنُ زِيَادٍ) فيه (أَسبانا)ويَستَبِينُ رَعَايا (تاشفِينَ) وقد
تَجَوَّلُوا بِدُرُوعِ الفَتحِ رُهباناوعَاشَ سائِقَ (باصٍ) في (السُّوَيدِ)، وفي
أَطرافِ (لَندَنَ) حُوذِيًّا، وفَرَّاناومَاسِحًا لِزُجَاجِ المَركَبَاتِ، على ال
حُدُودِ، ما بين (هانجتشو) و(هُونانا)وعاشَ تاجِرَ مِلحٍ، لا "جَوَازَ" لَهُ
مِن (ساحِلِ العاجِ) مَطرُودًا إِلى (غانا)وكَم قَضَى في (جنوبِ الشَّرقِ) داعِيَةً
حِينًا، ونائِحَةً حِينًا، وفَنَّانا!وفي (الخَليجِ) عُقُودًا عاشَ، ليس سِوى
إِلى "الكَفَالَةِ" يُلقِي المَالَ تَعباناوطاهِيًا في بِلادِ (التُّركِ)، مُجتَلِبًا
مَوَاشِيًا، بين (سُوريَّا) و(لبنانا)وطاف كُلَّ بِلادِ اللهِ مُحتَمِلًا
إِهَانَةَ النَّاسِ، مَلعُونًا ولَعَّاناشَوقُ البيُوتِ إِذا ما أَهلُها افتَرَقُوا
شَوقُ القَصائِدِ أَن يُصبِحنَ دِيوَانا***
(يا رَبَّةَ البَيتِ قُومِي غَيرَ صاغِرةٍ)كي تَذبَحِي الجُوعَ.. إِنَّي شِمتُ ضِيفانا
لا تُشعِرِيهِم بِأَنَّا مُنذُ أَزمِنةٍلا نَرفَعُ اللَّحمَ إِلَّا عن ضَحايانا
أَو نَعرِفُ العَيشَ إِلَّا في ضَمَائِرِناأَو نُبصِرُ المَوتَ إِلَّا في مَرَايانا
لا تُشعِرِيهِم بِأَنَّا جائِعُونَ، ومافي دَارِنا لِلقِرَى فَأرًا، ولا ضَانا
قُومِي اطبُخِي الجُوعَ مَندِيًّا، ولا تَقِفِيوُقُوفَ مَن يُشبِعُ الأَضيافَ أَيمانا
قَولُ ابنِ مَحكَانَ: (أَخوَالِي بَنُو مَطَرٍ)لَن يُحدِقَ اليَومَ إِلَّا بِابنِ مَحكَانَا
قُولِي لَهُم: إِنَّ دَعوَى (مُرَّةَ) انقَلَبَتمَرَارَةً، أَو فَقُولِي: ماتَ خَزيانا
لا عُذرَ كالمَوتِ يُنجِي مِن نِكَايَتِهِمأَو قَولِهِم: كان يُقرِي الفَردَ ثِيرانا
(سُبحانَ مَن أفقَرَ الأَغنَى، وعَلَّقَنا)بَينَ (ابنِ مَروانَ) جَوعَى، و(ابنِ مَرَّانا)
***(يا رَبَّةَ البَيتِ) نُوحِي، إِنَّهُ زَمَنُ ال
نوَاحِ، أَو فَلتُعِيدِي الطِّينَ كِيزاناأَمَّا (سُهَيلُ) فَإِني غَيرُ تارِكِهِ
تَركُ اليَمَانِيِّ ما لا يَنبغِي الآناسُهيلُ يَبحثُ عَن رَأسٍ يَطِيرُ بِهِ
لا زَاحِفٍ يَتَحَدَّى المَوتَ نَعساناسُهَيلُ ليس مَجَازًا.. إِنَّهُ يَمَنٌ
بَينَ (ابنِ زايِدَ) مُلقًى، و(ابنِ سَلمانا)يا مَعشَرَ الجِنِّ إِنَّا لائِذُونَ بِكُم
مِن عالَمٍ صارَ فيه النَّاسُ ذُؤباناإِخوَانُنا فيهِ جَارُوا في مَحَبَّتِنا
فَضَاعَفُوا البُؤسُ -بَعدَ الرّطلِ- أَطناناوصَيَّرُوا الخَوفَ مَأوَانا، وأَصبَحَ ما
يُخِيفُهُم: أَن يَصِيرَ الخَوفُ مَأوَانا!وحَرَّرُونا.. ولكنْ مِن مِنازِلِنا
وأَهلِنا، وغَدَوا لِلخَصمِ أَخدانا!والآنَ خَمسَةُ أَعوامٍ.. ونَجدَتُهُم
تُمَزِّقُ الصَّفَّ إِنسَانًا وبُنيَاناوالآنَ خَمسَةُ أَعوامٍ.. ونَحنُ على
فَرشِ الخِيَاناتِ "أَنصَارًا وإِخوانا"لم نَقتَنِع بَعدُ أَنَّا زَاحِفُونَ إِلى
هَلَاكِنا، لا إِلى إِحياءِ قَتلانايا بَانِيَ الوَهمِ مِن طِينٍ ومِن حَجَرٍ
ما زِلتَ في الوَهمِ حَجَّارًا وطَيَّانابِالرَّأسِ يُعرَفُ قَدرُ القَومِ، ليس بِما
أَحَالَهُ العَجزُ أَعجازًا وسِيقانالا بَأسَ إِن كان هذا الرَّاسُ قُنبُلةً
لكنه بَانَ بعد الفَحصِ "جِعنانا"!وأَصبَحَ اليَومَ ذَيلًا لِلذّيولِ، وصَا
رَ الذَّيلُ لِلذَّيلِ حَنَّانًا وطَنَّانامَن ذا يُعِيدُ سُهَيلًا لِلسَّماءِ إذا
بَنُوهُ صَارُوا خفافيشًا وفِئرانا؟!***
(يا حِميَريُّونَ يَستَغشُونَ كاظِمةً)الحِميَرِيَّاتُ لا يُنجِبنَ عُبدانا
تَعِبتُ مِن سَردِ فَصلٍ لا انتِهاءَ لهُوما أَزَالُ بِسِفرٍ مِنه مَلآنا
أُشَاغِلُ النَّجمَ عن ظِلٍّ يُشَاغِلُهُ..فَالظِّلُّ يُصبِحُ عِندَ الخَوفِ غِيلانا
وأَقطِفُ الفَجرَ بَعدَ الفَجرِ مُنتَظِرًاسُهَيلَ، وهو بِصَدرِي يَغرِسُ "الدَّانا"
ما أَقرَبَ الحُلمَ مِن سَمعِي ومِن بَصَرِيلا تَهجُرُوا الحُلمَ هَجرَ البَانَةِ البَانا
ولْتَسأَلُوا إِن سَأَلتُم عَنهُ (عَبهَلَةً)لا تَسأَلُوا عَنهُ (باذَانَ بْنَ ساسَانا)
وإِن أَرَدتُم بَيَانًا عنه ذا ثِقَةٍفَلتَسمَعُوا عنه (حَسَّانًا) و(نَشوانا)
لا تَرتَضُوا الحُكمَ مَحكُومًا، ولا تَضَعُوامِن بَأسِكُم فيه إِعوالًا وإِرنانا
لا يُرتَجَى الرُّشدُ مِن (رَأسٍ) له ذَنَبٌحتى ولو كان رَبُّ الرَّأسِ (لُقمانا)
كُلُّ العَمَالاتِ أَذيالٌ، وإِن حَمَلَتغَيرَ اسمِها، أَو تَخَلَّت عنه أَحيانا
ما كُلُّ مَن قال: إِنِّي رَبُّكُم، هَطَلَتأَرزاقُهُ.. فاكتُبُوا (فِرعَونَ) (هامانا)
***يا حِميَرِيُّونَ.. ما في الأَرضِ مِن أَحَدٍ
كالحِميَرِيِّينَ إِعجازًا وإِتقاناكُنَّا حُدَاةَ الثُّرَيَّا والثَّرَى، ولنا
بَينَ السِّمَاكَينِ قُطبٌ كان (رَحمانا)وقَبلِ أَن تَستَدِيرَ الشَّمسُ سَاخِنَةً
كُنَّا ب(شَمسَانَ) نَغلِيها، و(غَيمانا)وقَبلَ أَن يَتَقَصَّى الرَّملُ قَامَتَهُ
ونَحنُ نَغزِلُ لِلمِرِّيخِ فُستَاناوقَبلَ أَن يَتَهَادَى البَحرُ مُعتَكِزًا
ونَحنُ نَبرِي عَمُودَ الصُّبحِ غُدرانالا نَدَّعِي الفَخرَ.. إِنَّا مَن إِذا ذُكِرُوا
رَنَا إِلى الأُفقِ مَزهُوًّا وحَيَّانانحن الذين اجتَذَبنا العَيشَ، لا صَلَفًا
ولا أَذًى، واجتَذَبنا المَوتَ شُجعاناما بَالُنا اليَومَ خَلفَ (الرَّسِّ) مَوكِبُنا
مُعَطَّلٌ، وهُدانا خَلفَ (خَلفانا)!ما بَالُنا نَتَسَاقَى مِن جَمَاجِمِنا
فِدَاءَ مَن بِغُرابِ البَينِ داوَانا!شَيءٌ عَن الحُلمِ أَلهَانا وأَخَّرَنا
والحُلمُ إِن طَالَ يَومًا زادَ هِجرانا***
يا حِميَرِيُّونَ.. لا ذِكرَى لِ( حِميَرَ) فيأَبنائِهِ، إِن أَنَالُوا الحُكمَ زُعرانا
دُوسُوا الخِلافَاتِ إِن تُقتُم إِلى بَلَدٍإِنَّ الخِلافاتِ لا يُبقِينَ بُلدانا
لا تَطمَعُوا أَن تُعِيشُوا آمِنِينَ وقدنَاصَرتُمُ الخُلفَ إِغضَابًا وتَحنانا
هذا سُهَيلٌ يُنادِي: يا بَنِيَّ قِفُواكي تُبصِرُوا كَم مُرادًا زادَ إِمعانا
كادَ الظَّلامُ عَليكُم أَن يَثُورَ، ومازِلتُم تَقُولُونَ: شَوقُ الفَجرِ أَعمانا!
مَن غَيرُكُم مَن يَقُودُ الفَجرَ إِن فُقِئَتعيونُهُ، وغَدَا لِلشَّوقِ عَجَّانا!
مَن غَيرُكُم مَن سَيُعطِي النَّجمَ أَجنِحَةًخَفَّاقَةً؟ مَن سَيُعطِي الرِّيشَ أَلوانا؟!
مَن غَيرُكُم مَن سَيُنهِي الشَّوطَ، مُكتَنِزًافي صَدرِهِ مِن عُيُونِ القَهرِ طُوفانا؟!
لا تُؤمِنُوا بِاعتِسَافِ اليَأسِ، واحتَرِسُواأَن تُمنَحُوا الوَهمَ جُدرانًا وأَركانا
غَدًا يَعُودُ سُهَيلٌ زَاهِيًا نَضِرًايُعانِقُ الأَهلَ أَشياخًا وفِتيانا
ولَن يَظَلَّ أَسِيرًا لِلتُّرابِ، ولَنيُهَادِنَ اللَّيلَ مَهما جَارَ واختَانا
سَنَلتَقِي ذاتَ فَجرٍ تَحتَ رَايَتِنامُوَحَّدِينَ، كِبَارًا، رُغمَ بَلوانا
لا يَغلِبَ اليَأسُ إِلَّا مُؤمِنِينَ بِهِونَحنُ بِالحُلمِ أَقوَى النَّاسِ إِيمانا
***هذا بَيَانِي إِلَيكُم، صُغتُهُ جُمَلًا
ما لُحنَ لِلعَينِ إِلَّا فُحنَ أَلحاناهَاجَرتُ فَيهِنَّ، حتى صِرتُ مُطَّلِعًا
وكاشِفًا ما سَيَأتي بِالذي كاناوقُلتُ؛ والشِّعرُ يَحسُو مِن فَمِي ودَمِي:
ما دُمتُ أَملِكُ نَفسِي لَستُ خَسرانالا أَشتَهِي الآنَ لا حُزنًا ولا فَرَحًا
ولا أُرِيدُ على ما قُلتُ شُكراناإِذا صَدَقتُ.. فَقَولِي تِلكَ عادَتُهُ
وإِن كَذَبتُ.. فَقَولِي ليس قُرآناوإِن يَكُن لِيَ عَيشٌ بِالهَوَانِ يُرَى
فَالحَمدُ للهِ أَنِّي مِتُّ إِنسانا
عن القصيدة
«مأساة سهيل اليماني كاملة» من شعر يحيى الحمادي، من العصر الحديث، وتقع في ٢٣٢ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.