عُلْيَا المَناَصِب
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: الطويل
«عُلْيَا المَناَصِب» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تجاوزت في العلياء أعلى المناصب ... إلى أن بلغت الشأو بي المراتب
وُطلت على الجوزاء قدرا ورفعة ... وأنت عليها للعلى خير راكب
أمن أجل هم في ضلوعك جاثم ... هجرت حبيب القلب هجرة غاضب
ونكبت عنه والصبا فيك موقدُ ... فتائل ذبال على دَير راهب
وجانبت عنها مضجعاً متنائيا ... إلى أن اقضت فيك بين الحبائب
وناديتها في نغمة الحب بالهنا ... فلما انحنت ناديتها في النوادب
تدير الأماني والدجى عنك غافل ... وتغنُلُ عنه والقنا في الملاعب
الستين القوم الأولى طوعوا الفنا ... وراضوا متون العاديات الشوازب
يديرون أسباب المنايا كريهة ... على وثبة الضاري وختل الثعالب
اطافوا على الاملاك في سبحاتها ... وهم في ذراها جنة للمصائب
أقاموا على العلياء صرحا ممردا ... بألوية حمر وبيض قواضب
وفتيان صدق تحت سمر عواسل ... على صهوات الصافنات السلاهب
يعبون مسفوح النجيع بلهفة ... من الخصم لا يخشون سود المصائب
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازبً
ثقال كأن الحلم خيم فوقهم ... خفاف على ظهر الجواد الملاعب
فلا الخوف يثنيهم عن الكروقعه ... ولا الطيش يحدوهم حُداء الركائب
إذا ركبوا الجرد العتاق تسابقوا ... إلى الموت في غرم بعيد المذاهب
وإن جنحوا للسلم فالحرب طوعهم ... يقودونها قود الأسير المشاغب
وأن هاجموها فالهجوم سجية ... لهم في لقاء القِرن بين الكتائب
تبارك قومي حلمهم وأباؤهم ... وأقدامهم ما بين ساب وسالب
يقودون للهيجاء غُرا سلاهبا ... وهم في ذراها جنة للمصائب
يعاطونها كأسا من الحتف مترعا ... إذا استعرت نار الوغى كالحباحِب
فمن لي بقومي باركتهم يد السما ... غداة أتوها في الكريم المواكب
إذا اركبوا والحادثات تنوشهم ... فأرواحهم نهب لأدهى المقانب
وما برحوا يغشون للحرب نارهم ... وللبيض تحت البيض قرع القواضب
أولئك قومي والسماء تمدهم ... بإمدادها عند اشتداد المصائب
وهم للجدا والجود من خير أهله ... وهم في رفيع المجد أعلى المناصب
وما برموا من دهرهم واجترائه ... عليهم باهراق الدما والمتاعب
فغاؤا إلى القدوس في ذات قرسه ... وقد وجدوه شاهدا غير غائب
وراموا طريق السالكين بعزمهم ... فجاؤا بأقصى مرتقى للكواكب
وعادوا إلى الرحمن يحدوهم هوىً ... إليه هم بين سالٍ وسالب
ويدعونه والجرح يرمي قلوبهم ... وجمعهم في برزخ متقارب
سلام عليهم من فؤاد بشوقهم ... مدين لهم يشتار سم العقارب
يردد فيهم آية الشوق والثنا ... بنغمة مشتاق وترتيل راهب
ويذكرهم والليل يرخي سدوله ... على راهب من خشية الله هارب
ومنقطع في الله يزجيه شوقه ... إليه ويحدوه حداء الغوارب
يلح به الاقوا فتهوي به القوى ... لمقلب لولا تقى الله خائب
وتهفو به الآناء في قُبَلِ الهنا ... محبية منه صدور الشوارب
وناشرة عبر السرى غارب البرُى ... وناظرة من شرقها كل غارب
تعود إليه كسرة بعد كسرة ... تحيط به آياتها كالكواكب
وتسمو به الآيات في عنفوانها ... محجلة بين النوى والنوائب
ويعدو به غمرة الحب بازل ... جواد إذا راض الهدى لم يجانب
ويرمي به تحت القنا حافز القنا ... فيسلمه للنائبات النوادب
ويعلو به فوق المجرة ناصب ... على هامة الجوزاء فوق النواصب
ويحفزه من جانب الله حافز ... صبور على اللأواء ليس بعازب
تغاديه بالإخلاص آية حبه ... وتغمزه في الشرق عين المغارب
ويلتف فيها حوله البيض والقنا ... ليلقاه فيها صادقاً غير كاذب
له وثبات يشهد الله أنها ... تواصل تسيار الضحى بالمغارب
ولا يمتطبها الفدم لو جدَّ جده ... ولا تعتليها عاليات المراتب
ضمنت لها حبي وأن لم أُطق له ... تحمل ذي باس إلى الله راغب
واقطعتها من قلبيَ الحب والوفا ... وأن غالبتنى والهوى شر غالب
وحملتها طوقي على حين عِزةٍ ... وما كان طوقاً من نسيج العناكب
فلله مسراها وسير رعيلها ... إذا هي نسيطت في متين الذوائب
وفي الله منها سيرها وقرارها ... إذا وقفت تتلو صلاة الرغائب
فلم يَسلُها قلب له نبض هاجس ... ولم يعلُها عالي القنا والمراتب
وفيها من الآيات ما تم عَّم نوره ... ومن آية التوفيق خير المكاسب
تعلمت منها الكرّ والقرّ في الوغي ... ولا قيتها فوق الجواد الملاعب
فمن لي بها والزاكيات تسوقها ... إلى منبع التسويف خلف الرغائب
ولكنني أرعى لها شان مخلص ... ومن حبها نبضي وقلبي وقالبى
وأحمدها والذكر يهمي بهامتى ... فيا لسماء السلسبيل المصاحب
سلام عليها والسلام قراره ... تقربها عين الهوى المتجاذبَ
فلله إقبالي لتقبيل ثغرها ... إذا إبتسمت للشوق بسمة عاتب
واشكر اخوانا كراما ألفتهم ... وقد صحبوني والدجى شر حازب
فالفيتهم في الحب أخلص من مشى ... على ظهرها بين القنا والقواضب
لهم من لدن ذي العرش نظرة حافظ ... لو اشتدت اللاواء شدة غاضب
وعادت إلى المختار تشكو همومها ... إليه وتثني في صلاة المواهب
وتنشره في عرفه متضوعا ... وتشكره في نفحةٍ بالاطايب
ليفض منها الختم مسكاً معطراً ... يعطر منها كل سالٍ وسالب
ويختم منها الطهر بالحمد والثنا ... ليدرك منها عاليات المناصب
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الستين: ستن: ابْنُ الأَعرابي: الأَسْتانُ أَصل الشَّجَرِ. ابْنُ سِيدَهْ: الأَسْتَنُ أُصول الشَّجَرِ الْبَالِي، وَاحِدَتُهُ أَسْتَنَة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الأَسْتَنُ، عَلَى وَزْنِ أَحمر، شَجَرٌ يَفْشُو فِي مَنابته وَيَكْثُرُ، … (لسان العرب)
- المراتب: رتب: رَتَبَ الشيءُ يَرْتُبُ رتُوباً، وتَرَتَّبَ: ثَبَتَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ. يُقَالُ: رَتَبَ رُتُوبَ الكَعْبِ أَي انْتَصَبَ انْتِصابَه؛ ورَتَّبَه تَرتِيباً: أَثْبَتَه. وَفِي حَدِيثِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: رَتَبَ رُتُوبَ ال … (لسان العرب)
- الملاعب: لعب: اللَّعِبُ واللَّعْبُ: ضدُّ الجِدِّ، لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِباً ولَعْباً، ولَعَّبَ، وتَلاعَبَ، وتَلَعَّبَ مَرَّة بَعْدَ أُخرى؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ: تَلَعَّبَ باعِثٌ بذِمَّةِ خالدٍ، ... وأَوْدى عِصامٌ فِي الخُطوبِ الأَ … (لسان العرب)
- المناصب: نصب: النَّصَبُ: الإِعْياءُ مِنَ العَناءِ. والفعلُ نَصِبَ الرجلُ، بِالْكَسْرِ، نَصَباً: أَعْيا وتَعِبَ؛ وأَنْصَبه هُوَ، وأَنْصَبَني هَذَا الأَمْرُ. وهَمٌّ ناصِبٌ مُنْصِبٌ: ذُو نَصَبٍ، مِثْلُ تامِرٍ ولابِنٍ، وَهُوَ فاعلٌ ب … (لسان العرب)
- النوادب: ودب: الوَدَبُ: سُوءُ الْحَالِ. (لسان العرب)
- انحنت: نحن: نَحْنُ: ضَمِيرٌ يُعْنَى بِهِ الاثنانِ وَالْجَمِيعُ المُخْبرون عَنْ أَنفسهم، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ، لأَن نَحْنُ تَدُلُّ عَلَى الْجَمَاعَةِ وجماعةُ الْمُضْمَرَيْنِ تَدُلُّ عَلَيْهِمُ الْمِيمُ أَو الْوَاوُ … (لسان العرب)