التَّمْثَالُ
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أقبلَ الليلُ، واتَّخذتُ طريقيلكَ، والنجمُ مؤنِسي، ورفيقِي
وتوارى النهارُ خلف ستارٍشفقيٍّ، من الغمام رقيقِ
مدَّ طيرُ المساءِ فيه جناحًاكشراعٍ في لُجةٍ من عقيقِ
هو مثلي، حيرانُ يضربُ في الليــلِ ويجتازُ كلَّ وادٍ سحيقِ
عادَ من رحلةِ الحياة كما عُدْتُ، وكلٌّ لوَكْرِهِ في طريقِ!!
أيُّهذا التمثالُ هأنذا جئــتُ لألقاكَ في السكونِ العميقِ
حاملًا من غرائب البرِّ، والبحــرِ ومن كل مُحدَثٍ، وعريقِ
ذاك صيدي الذي أعودُ به ليــلًا وأمضي إليه عند الشروقِ
جئت أُلقِي به على قدميكَ الآنَ في لهفةِ الغريب المَشُوقِ
عاقدًا منهُ حول رأسِكَ تاجًاووشاحًا، لقدِّكَ الممشوقِ!
•••
صورةٌ أنتَ من بدائعَ شتَّىومثالٌ من كلِّ فنٍّ رشيقِ
بيدي هذه جَبلتُكَ، من قلــبي، ومن رونقِ الشبابِ الأنيقِ
كلما شِمتُ بارقًا من جمالٍطِرتُ في إثرِهِ أشقُّ طريقِي
شهِدَ النجمُ، كم أخذتُ من الروعةِ عنهُ، ومن صفاءِ البريقِ
شهد الطيرُ، كم سكبتُ أغانيــهِ على مسمعيكَ سكبَ الرحيقِ
شهِدَ الكرمُ، كم عصرتُ جَناهُوملأتُ الكئوسَ من إبريقِي
شهد البَرُّ، ما تركتُ من الغارِ على مِعْطَفِ الربيع الوريقِ
شهد البحرُ، لم أدَعْ فيه من دُرٍّجديرٍ بمفرقيكَ، خليقِ
ولقد حيَّرَ الطبيعةَ إسرائي لها كلَّ ليلة وطُرُوقِي
واقتحامي الضحى عليها كراعٍأسيويٍّ، أو صائدٍ إفريقِي
أو إلهٍ مُجنَّحٍ يتراءَىفي أساطيرِ شاعرٍ إغريقِي
•••
قلتُ: لا تعجبي فما أنا إلَّاشبَحٌ لجَّ في الخفاءِ الوثيقِ
أنا يا أمُّ، صانعُ الأمل الضاحك في صورة الغد المرموقِ
صُغْتُهُ صوغَ خالقٍ يعشق الفنَّويسمو لكل معنى دقيقِ
وتنظَّرتْهُ حياةً، فأعياني دبيبُ الحياة في مخلوقِي!!
كلَّ يوم أقولُ: في الغدِ، لكنْلستُ ألقاهُ في غدٍ بالمفيقِ
ضاع عمري، وما بلغتُ طريقيوشكا القلبُ من عذابٍ وضيقِ
•••
معبدي! معبدي! دجا الليلُ إلَّارعشةَ الضوءِ في السراج الخفوقِ
زأرتْ حولكَ العواصفُ لماقهقه الرعدُ لالتماعِ البروقِ
لطمتْ في الدُّجى نوافذكَ الصــمَّ ودقَّتْ بكل سيلٍ دفوقِ
يا لتمثاليَ الجميلِ، احتواهُساربُ الماء كالشهيد الغريقِ
لم أعُدْ ذلك القويَّ، فأحميــه من الويلِ والبلاءِ المحيقِ
ليلتي! ليلتي جنيتِ من الآثامِ حتى حملتِ ما لم تطيقِي
فاطربي واشربي صُبابةَ كأسٍخمرها سالَ من صميم عروقِي!
•••
مرَّ نورُ الضحى على آدميٍّمُطرقٍ في اختلاجَةِ المصعوقِ
في يديه حُطامةُ الأمل الذاهب في ميعة الصِّبا الموموقِ
واجمًا أطبقَ الأسى شفتيهِغيرَ صوتٍ عبرَ الحياة طليقِ
صاح بالشمس: لا يُرعْكِ عذابيفاسكبي النارَ في دمي، وأريقِي
نارُكِ المشتهاةُ أندى على القلــب وأحنى من الفؤاد الشفيقِ
فخذي الجسمَ حفنةً من رمادٍوخذي الروحَ شُعلةً من حريقِ
جُنَّ قلبي فما يرى دَمَهُ القاني على خِنجرِ القضاءِ الرقيقِ!!
سند النص: صُحِّح بيتان فيه من نسخٍ أخرى في المكتبة
عن القصيدة
«التَّمْثَالُ» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ٤٥ بيتًا. ورويّها حرف القاف.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.