ميلاد شاعر
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
هبط الأرض كالشعاع السنيّبعصا ساحر و قلب نبيّ
لمحة من أشعّة الرّوح حلتفي تجاليد هيكل بشريّ
ألهمت أصغريه من عالم الحكــمه و النّور كلّ معنى سريّ
و حبته البيان ريّا من السحــر به للعقول أعذب ريّ
حينما شارفت به أفق الأرض زها الكون بالوليد الصّبيّ
و سبى الكائنات نور محيّاضاحك البشر عن فؤاد رضيّ
صور الحسن حوّم حول مهدحفّ بالورد و العمار الزّكيّ
و على ثغره يضيء ابتسامرفّ نورا بأرجوان نديّ
و على راحتيه ريحانة تنــدى و قيثارة بلحن شجيّ
فحنت فوق مهده تتملّىفجر ميلاد ذلك العبقريّ
و تساءلن حيرة : ملك جاء إلينا في صورة الإنسيّ؟
من ترى ذلك الوليد هــشّ له الكون من جماد و حيّ؟
من تراه؟ فرّن صوت هتوفمن وراء الحياة شاجي الدّويّ
إنّ ما تشهدون ميلاد شاعر***
كان وجه الثّرى كوجه الماء رائق الحسن مستفيض الضّياء
حين ولّى الدّجى و أقبل فجرواضح النّور مشرق اللألاء
بهج في السّماء و الأرض يهدىمن غريب الخيال و الإيحاء
صفّقت عنده الخمائل نشوىو شدا الطّير بين عود و ناء
مظهر يبهر العيون و سحرهزّ قلب الطّبيعة العذراء
و جلا من بدائع الفنّ روضانمّقته أنامل الإغراء
ما الرّبيع الصّناع أوفى بنانامنه في دقّة و حسن أداء
نسق الأرض زينة و جلاهاقسمات من وجهه الوضّاء
ربوة عند جدول عند روضعند غيض و صخرة عند ماء
فزها الفجر ما بدى و تجلّىو ازدهى بالوجود أيّ ازدهاء
قال:لم تبد لي الطّبيعة يوماحين أقبلت مثل هذا الرّواء
لا و لم يسر ملء عيني و أذنيمثل هذا السّني و هذا الغناء
أيّ بشر لها تجمّلت الأرض و زافت في فاتنات المرائي؟
علّها نبّئت من الغيب أمراحملته لها نجوم المساء
قال ماذا أرى ؟ فردّد صوتكصدى الوحي في ضمير السّماء
إنّ هذا يا فجر ميلاد شاعركان فجر و كان ثمّ صباح
فيه للحسن غدوة و رواحبكرت للرّياض فيها عذارى
تزدهيهنّ صبوة و مراححين لاحت لهنّ رنّ هتاف
و علت بالدّعاء منهنّ راحقلن : ما لأجمل الصّباح فما حـ
ـلّ على الأرض مثل هذا صباحفتعالوا بنا نغنّي و نلهو
فهنا اللّهو و الغناء يتاحو هنا جدول على صفحتيه
يرقص الظّلّ و السّني و الوضّاحو على حافتيه قام يغنّيـ
ـنا من الطّير هاتف صدّاحو فراش له من الزّهر ألوا
ن و من ريق الشّعاع جناحدفّ في نشوة يناديه نوّا
ر و عطر من الثّرى فوّاحو هنا ربوة تلألأ فيها
خضرة العشب و النّدى اللماحو نسيم كأنه النّفس الحا
ئر تصغي لهمسه الأدواحمثل هذا الصّباح لم يلد الشّر
ق و لم تنجب الشّموس الوضاحلكأّنا بالكون أعلام ميلا
د و عرس قامت له الأفراحأيّ حسن نرى؟ فردّد صوت
شبه نجوى تسرّها أرواحإنّ هذا الصباح ميلاد شاعر
و تجلى المساء في ضوء بدرو شفوف غرّ الغلائل حمر
و سماء تطفو و ترسب فيها الــسّحب كالرّغو فوق أمواج بحر
صور جمّة المفاتن شتّىكرؤى الحلم أو سوانح فكر
لا ترى النّفس أو تحسّ لديهاغير شجو يفيض من نبع سحر
أفق الأرض لم يزل في حواشيــه صدى حائر بألحان طير
و بأحنائه يرفّ ذماءمن سني الشّمس خافق لم يقرّ
و على شاطئ الغدير ورودأغمضت عينها لمطلع فجر
وسرى الماء هادئا في حوافيه يغنّي ما بين شوك و صخر
و كأنّ النجوم تسبح فيهقبلات هفت بحالم ثغر
و كأنّ الوجود بحر من النور على أفقه الملائك تسري
هتفت نجمة: أرى الكون تبدوفي أساريره مخايل بشر
و أرى ذلك المساء يثير السّحــر و الشّجو ملء عيني و صدري
ترانا بليلة الوحي و التّنـ ـزيل؟ أم ليلة الهوى و الشّعر؟
ما لهذا المساء يشغفنا حبّــا و يروي بنا الفتون و يغري
أيّ سرّ ترى؟فرنّ هتافبنجيّ من الصدى مستسرّ
إنّ هذا المساء ميلاد شاعرقمر مشرق يزيد جمالا
كلّما جدّ في السّماء انتقالاو سكون يرقى الفضاء جناحا
ه على الأرض يضفوان جلالاهذه ليلة يشفّ بها الحسـ
ـن و يهفو بها الضّياء اختيالاجوّها عاطر النّسيم يثير الـ
ـشّجو و الشّعر و الهوى و الخيالاو إذا النّهر شاطئا و نميرا
يتبارى أشعّة و ظلالاو سرى فيه زورق لحبيبـ
ـن شجيّين ينشدان وصالايبعثان الحنين في صدر ليل
ليس يدري الهموم و الأوجالاشهد الحبّ منذ كان روايا
ت على مسرح الحياة توالىو جرت ملء مسمعيه أحاديـ
ـث عفا ذكرها لديه و دالاذلك الباعث الأسى و المثير الـ
ـنّار في مهجة المحبّ اشتعالالم يجب قلبه لميلاد نجم
لا و لم يبك للبدور زوالابيد أنّ القضاء أوحى إليه
ليذوق الآلام و الآمالافأحسّ الفؤاد يخفق منه
و رأى النّور جائلا حيث جالاو استخفّته من شفاه الحبيـ
ـبين شؤون الهوى فرقّ و مالاو تجلّت له الحياة و ما فيـ
ـها فراعته فتنة و جمالافجثا ضارعا: أرى الكون ربّي
غير ما كان صورة و مثالالم يكن يعرف الصّبابة قلبي
أو تعي الأذن للغرام مقالاأتراها تغيّرت هذه الأر
ض أم الكون في خيالي حالاربّ ماذا أرى؟ فرنّ هتاف
مستسرّ الصّدى يجيب السّؤالاإنّ هذا يا ليل ميلاد شاعر
***و تجلّى الصّدى الحبيب السّاحر
في محيط من الأشعّة غامرو سكون يبثّ في الكون روعا
وقفت عنده اللّيالي الّدوائرو ستكان الوجود و التف الدّهـ
ـر و أصغت إلى صداه المقادرلم يبن صورة و لكن راته
بعيون الخيال منّا البصائرقال: يا شاعري الوليد سلاما
هزّت الأرض يوم جئت البشائرفإليك الحياة شتّى المعاني
و إليك الوجود جمّ المظاهرلا تقل كم أخ لك اليوم في الأ
رض شقيّ الوجدان أسوان حائرإن تكن ساورته في الأرض آلا
م و حفّت به الجدود العواثرفلكي يستشفّ من خلل الغيـ
ـب جمالا يذكي شباب الخواطرو لكي ينهل السّعادة من نبـ
ـع شهيّ الورود عذب المصادرفلكم جاء بالخيال نبيّ
و لكم جنّ بالحقيقة شاعرإنّما يسعد الوجود و تشقو
ن و إنّي لكم مثيب و شاكرو لكم جنّتي اصطفيتكم اليو
م لتحيوا بها جميل المآثرفانسقوها جداولا و رياضا
و اجعلوها سرح النّهى و النّواظراجعلوا النّهر كيف شئتم و مدّوا
شاطئيه بين المروج النّواضرماؤه ذوب خمرة و سنا شمـ
ـس وريّا ورد و ألحان طائروضعوا هضبة تطلّ عليه
ذات صخر منوّر العشب عاطرواغرسوا النّخلة الجنيّة فوق النّبـ
ـع في الموقف البديع السّاحرو اجعلوا جنّتي قصيدة شاعر
***أدخلوا الآن أيّها المحسنونا
جنّة كنتم بها توعدونااجعلوها من البدائع زونا
و املأوها من الجمال فنونااملأوها فنّا و ليس فتونا
و انشروا الصّفو فوقها و السّكوناغير لحن يرفّ فيها حنونا
تتغنّى به الطّيور و كوناو سنا مشرق يضيء الدّجونا
سرمديّ الشّعاع يمحو المنونارائق النّور ليس يعشي العيونا
وتغنّوا بها كما تشتهوناو صفوها جداولا و عيونا
وورودا نديّة و غصونالا تثيروا بها الهوى و المجونا
و احذروا أن تذكّروا المجنونافلقد ثاب من هواه شجونا
و خلا مهجة و جفّ شؤوناو هو في جنّتيه أسعد شاعر
***أيّها الشّاعر اعتمد قيثارك
و اعزف الآن منشدا أشعاركو اجعل الحبّ و الجمال شعارك
و ادع ربّا دعا الوجود و باركفزها و ازدهى بميلاد شاعر
عن القصيدة
«ميلاد شاعر» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ١١١ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
نسخ أخرى من هذه القصيدة
القصيدة نفسها من مصدر آخر، وقد تختلف في عدد الأبيات أو في بعض الروايات.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.