حواء

الشاعر: علي محمود طه · البحر: المنسرح

«حواء» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أأبغض وّاء و هي التي ... عرقت الحنان لها و الرّضى؟

و باع بها آدم خلده ... و لو لم يكن لتمنّى القضا ؟

و رثت هواها، فرمت الحياة ... و حبّب لي العالم المبغضا

أراها على الأرض طيف النّعيم ... و حلم الفراديس فيما مضى !

و كانت حياتي محض اتّباع ... فصارت طرائف من فنّها

و كان شبابي صمت القفار ... و رجع الهواتف من جنّها

فعادت ليالي الصّبا و الهوى ... أرقّ المقاطع في لحنها

و أفرغت بؤسي في حضنها ... و أترعت كأسي من دنّها !

و كم ذكريات لها عذبة ... أعيش عليها و أحيا بها

لها في دمي خلجات الحياة ... كأنّي خلقت بأعصابها

مسامرتي حين يمضي الصّبا ... و تهتف روحي بأحبابها

و تخلو بي الدّار عند الغروب ... و أجلس وحدي على بابها !!

بدت شبه عابسة فانثنيت ... و قد زايل الشمس لألاؤها

و خلت الحياة و ضوضاءها ... تموت على الأرض أصداؤها

و كفّ عن الهمس حتّى النّسيم ... و أمسك عن لعب ماؤها

و ناديت ، فالتفت لا تجيب ... و لكن دعاني إغراؤها

و مرّت إزائي فتابعتها ... بقبي ، و عيني إلى أمّها

رأيت مفاتنها غير تلك ... و إن لم يخلّدن في جسمها

و أبصرت من حولها الكائنات ... جوانح تهفو إلى ضمّها

و يحنو الصّباح على ثغرها ... و قد جنّ شوقا إلى لثمها

يساءلني القلب عن أمرها ... و أسأله أنا عن سرّها

و يعطفني في الهوى ضعفها ... و أنسى بأنّي في أسرها

و تبدي لي الأنجم الوامقات ... رفيف الأماني على ثغرها

فأحسب أنّ اهتزاز الحياة ... صدى حبّها و رؤى سحرها !

لكذبتها تستحبّ الحياة ... و يصفو الزّمان بتغريرها

و يأخذني الشّك في قولها ... فتقنعني بأساريرها

و تعصف بي شهوة للجدال ... فتسكتني بمعاذيرها

غفرت لها كلّ أخطائها ... سوى دمعتين لتبريرها !

أحاول أفهمها مرّة ... فأعيا بها و بتفكيرها

أمخلوقة هي ؟ أم ربّة ... تسير الخلائق في نيرها ؟

و ما سحرها ؟ ألتكوينها ؟ ... و ما حسنها ؟ ألتصويرها ؟!

تقول الطّبيعة : بنتي ! و ما ... أحسّ لها بغض تأثيرها !

أعند الطّبيعة هذا الدلال ؟ ... و في دفئها مثل هذا الحنان ؟

إذ قيل لي : هاك ملك الثّرى ... و دنيا الشّباب و عمر الزّمان

فما لذّتي بالذي نلته ، ... و ما نشوتي برحيق الجنان

كرعشة روحي و هزّاتها ... و صدري على صدرها و اليدان!

و غنّت فأسمعني صوتها ... صدى الرّوح في خلجات البدن

عميقا كأنفذ ما في الحياة ... و أبعد ما في قرار الزّمن

فأحسست كيف تطيش العقول ... و تسهو القلوب و تصحو الفتن

و قال لها الحسن : يا ربّتي! ... فقالت له : كلّ شيئ حسن !!

رآها على النّبع بعض الرّعاة ... مصوّرة في إطار الغصون

فقالوا : أحلم تراه العيون ؟ ... أفي الغاب حوريّة ؟ من تكون ؟

و مسّ مزاهرهم روحها ... فرفّت بها خالدات اللّحون

و باتت تعانق أحلامهم ... و قد كان يرقص حتّى السّكون !

و لاحت بمرأى لعيني فتى ... طوى البحر ليس له من قرار

تفتّح عن صدرها موجتان ... و ينشقّ في الفجر عنها المحار

رآها فجنّ غرامها بها ... و غنّى بها اللّيل بعد النّهار

و قالوا تعشّق جنيّة ... فتى شاعر تائه فب البحار !

قضى الله أن تغوي الخالدين ... وتغري بالمجد عشّاقها

لقيت على بابها الفاتحين ... و غار الفتوح و أبواقها

و كلّ مدلّ عصيّ القياد ... دعته الصّبابة فاشتاقها

سلا مجده الصّخم في قبلة ... تذلّ و تسعد من ذاقها !

أمانيّ شتّى تمثّلن لي ... بكلّ وضيء الصّبا ناعم

مبعثرة حولها في التّراب، ... بقايا الدّمى في يد الحاطم

تمرّ بها و هي في ضحكها ... و ما ذرفت دمعة النّادم

فيا لك من طفلة فذّة ... و رحماك سيّدة العالم !

البحر والقافية

القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.

تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • اتباع: تبع: تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً فِي الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً: سِرْت فِي إِثْرِه؛ واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعاً لَهُ وَكَذَلِكَ تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعاً؛ قَالَ القُطامي: وخَي … (لسان العرب)
  • القفار: قفر: القَفْرُ والقَفْرة: الخلاءُ مِنَ الأَرض، وَجَمْعُهُ قِفارٌ وقُفُورٌ؛ قَالَ الشَّمَّاخُ: يَخُوضُ أَمامَهُنَّ الماءَ حَتَّى ... تَبَيَّن أَن ساحَتَه قُفورُ وَرُبَّمَا قَالُوا: أَرَضُونَ قَفْرٌ. وَيُقَالُ: أَرض قَفرٌ و … (لسان العرب)
  • المقاطع: قطع: القَطْعُ: إِبانةُ بَعْضِ أَجزاء الجِرْمِ مِنْ بعضٍ فَصْلًا. قَطَعَه يَقْطَعُه قَطْعاً وقَطِيعةً وقُطوعاً؛ قَالَ: فَمَا بَرِحَتْ، حَتَّى اسْتبانَ سُقَابُهَا ... قُطُوعاً لِمَحْبُوكٍ مِنَ اللِّيفِ حادِرِ والقَطْعُ: مَ … (لسان العرب)
  • بؤسي: بوس: البَوْسُ: التَّقْبِيلُ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ باسَه يَبُوسه. وَجَاءَ بالبَوْسِ البائِسِ أَي الْكَثِيرِ، وَالشِّينُ الْمُعْجَمَةُ أَعلى. (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • إلى قمة الزمن الغابر
  • كَأْسُ الْخَيَّامِ
  • قصيدة
  • قصيدة