رحلة الخمسين

الشاعر: وليد حجار · البحر: المديد · الغرض: قصيدة غزل

«رحلة الخمسين» من شعر وليد حجار، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مع ثلة من أصدقائي و أحبائي الخلص ... و أنا أحتفل بعيد ميلادي الخمسين

فقلت : ... لو تَشعُرونَ بِما أكُنُّ و أضمُرُ

ومَحَبَّتي بالقلبِ كيفَ تُصَوَّرُ ... لو تُدرِكونَ إذا القَصيدةُ أقبَلَتْ

ماذا أُحَمِّلُها وكمْ هي أقدَرُ ... لو تَعلَمونَ إذا خَلَوتُ لِعالَمي

ما أَسْتَبيحُ بِهِ وما أَسْتَنكِرُ ... الحُبُّ مَهما صَوَّرَتْهُ مَشَاعِرٌ

بالرّوحِ فيهِ طَلاسِمٌ لا تَظهَرُ ... لا تَسألوني كيفَ عِشتُ بِنارِهِ

لا تسألوا إنَّ الحَقيقةَ أكبَرُ ... خَمسونَ عاماً ما انْطَفأتُ بِها ولا

أوْهى الفُؤادَ تَبَدّلٌ و تَغَيّرُ ... مَرَّتْ و تَاريخي يُسَجِّلُ ما بِها

خَبَرٌ يَشيعُ و آخَرٌ يَتَسَتَّرُ ... صَفَحاتُهُ الخَضراءُ جَدُّ قليلةٌ

بسِطورِها ماازْدادَ إلا الأحْمَرُ ... الأربَعونَ وقَفتُ عِندَ بُلوغِها

يوماً كَهذا و الشَّبابُ يُزَمجِرُ ... عَشْرٌ مَضَتْ ما بَعدَ ذلكَ و انْقَضَتْ

وكَأنّها في سَيرِ عُمري أشهُرُ ... ما زِلتُ أختَصِرُ السِّنينَ و رَغْبَتي

فيها مِنَ الشَّهَواتِ ما لا يُحصَرُ ... في كُلِّ آونَةٍ يَطيبُ ليَ الهَوى

أحْيا كَما يَهوى المِزاجُ و يَأمُرُ ... هِيَ ذي الطَّبيعةُ ما تَغَيَّرَ سَيرُها

وكَذا تَظَلُّ مَعَ الدُّهورِ تُكَرَّرُ ... شيءٌ تَبَدَّلَ في مَسِيرةِ رِحلتي

لا تَحسَبوهُ مَعَ الزَّمانِ يُؤثِرُ ... أصبَحْتُ أكْثرَ خِبرَةً و دِرايَةً

فيما أقولُ عَن النِّساءِ و أُخبِرُ ... كمْ كنتُ أجهَلُ بالهوى فإذا أنا

بالحُبِّ صاحبُ مَنهَجٍ و مُقَرِّرُ ... طَوْرَينِ عِشتُ معَ النِّساءِ مُخَضْرَماً

طَوْرَ الشَّبابِ و ما بِهِ قد طَوَّروا ... حَتّى انْتَقلتُ إلى المَشيبِ و لمْ أزَلْ

أبغي المَزيدَ بما أحسُّ و أشعُرُ ... حُبّي لَهُنَّ يَزيدُ كُلَّ عَشيةٍ

لا يَستَكِينُ ولا العَزيمةُ تَفْتُرُ ... في الأربعينَ قدِ اكْتَمَلنَ إثارَةً

طابَ القِطافُ و ذابَ فيها السُّكَرُ ... هيَ ومضةُ الإبداعِ كيفَ أرُدّها

مِن أينَ يأتي الوَحْيُ حينَ أُعَبِّرُ ... كالخَمرِ عَتَّقها الزَّمانُ بِحانَةٍ

في كُلِّ خَابِيةٍ يُجَسَّدُ عَبْقَرُ ... فإذا ارْتَشَفْتُ ودَبَّ فِيّ دَبِيبُها

بِعوالمِ النَّشوى أطُوفُ و أبحِرُ ... فأنا اكْتَسَبتُ مِن التَّجارِبِ حِكْمَةً

كالوَحْيِ تُرشِدُني فَلا أتَهَوَّرُ ... أظْهَرتُ في دُنيا الجَمالِ مَفاتِناً

البَوْحُ مَمنوعٌ بِها و مَحَذَّرُ ... ماجَفَّ نَبعٌ كانَ يُطفئ غُلتي

إلاّ و أردَفَتِ المَشاعِرَ أنهرُ ... فأنا المُعَلمُ ما اسْتَعنتُ بحُجَّةٍ

إلا أتَيتُ بما يَفوهُ مُفَكِّرُ ... و الشَّيْبُ جاءَ يَلفّني بوَقارِهِ

فَوَجَدتُهُ بالرّوحِ ليسَ يُوقِّرُ ... ما زلتُ أبحَثُ و الطَّريقُ طَويلةٌ

عمَّا يَجُدُّ مِن الفُنونِ و يُنشَرُ ... حَتّى وصَلتُ إلى القَناعَةٍ واثِقاً

أنّي وَجَدتُ ونِلتُ ما أتَصَوَّرُ ... أبقى على قِمَمِ الخَيالِ مُحَلّقاً

وكأنَّني ( هاروتُ ) بابلَ أسحرُ ... هنَّ النّساءُ كما وصَفتُ بحُقْبَةٍ

تلكَ الحَقيقَةُ كيفَ فيها أكْفُرُ ... لا نَفعَ يُرجى إنْ عَشِقتُ صَغيرةً

فأنا الوَحيُد مِن الصَّغائرِ أنْفُرُ ... ما عدتُ أرغَبُ أنْ أطارِدَ ظَبيةً

بدويةَ الأطْوارِ لا تَتَحَضَّرُ ... مِثلَ (المُلوحِ ) لا أُحَقِّقُ مَأرباً

أمَلي يَضيعُ وخُطْوَتي تَتَقَهْقَرُ ... مَهما بَدَتْ عَصْرِيةً بِدَهائها

عِندَ التَّجارِبِ فَنُّها يَتَبَخَّرُ ... رأسُ الحَماقَةِ حينَ أعشَقُ غَادَةً

تَرضى و تَغضَبُ و الوِصَالُ يَكَدَّرُ ... تَبقى مُراهِقَةً تُقَلِّدُ غَيرَها

أمَّا الخَبيرَةُ كمْ تُثيرُ و تَأسُرُ ... تُعطيكَ ما تَصبو إليهِ بِلهفَةٍ

تَبغي المَزيدَ إذا اعْتَراكَ تَأَخُّرُ ... ماذا أقولُ وفي الفُؤادِ حَقيبَةٌ

فيها حَقَائِقُ ما أبَوحُ و أسْتُرُ ... خَمسونَ مَرَّتْ و الخَطيئةُ لمْ تَزَلْ

تَبني قُصوراً و الصَّغائرُ تَكبُرُ ... والنَّاسُ ما بَرِحَتْ تَلوكُ بِسيرَتي

وتَزيدُ فيها ما يَشينُ و يُنكَرُ ... همْ يَمكُرونَ إذا سَمِعتَ حَديثَهم

و أنا أكَذِّبُ ما يُقالُ و أمكُرُ ... مَهما أُعَدِّدُ فالشَّواهِدُ جَمَّةٌ

إنْ قَللوا مِن شَأنِها أو أكثَروا ... لنْ أستَفيدَ و قد خَلعتُ عَباءَتي

ورَمَيتُها خَلفَ السِّنينِ تُشطّرُ ... خَالفتُ قانونَ الحياةِ بثَورَةٍ

فيها دَمَجْتُ مَبادئاً لا تُصْهَرُ ... الحُبُّ عِندي ليسَ دَفقَ عَواطِفٍ

هَمَجِيةَ الأمواجِ دوماً تَهدُرُ ... هو كالشِّتاءِ و كالرَّبيعِ تَقَلباً

في كُلِّ مَرحَلةٍ لَهُ ما يَعذرُ ... هو كاحْتِجابِ الشَّمسِ عِندَ غُروبِها

تأتيكَ فيما بَعدُ لا تَتَأخَّرُ ... و النَّفسُ بينَ غُروبِها و شُرو قِها

هيهاتَ يُعرَفُ ما تَحِسُّ و تَشعُرُ ... فالحُبُّ عِندَ النَّاسِ غَيَّرَ شَكلَهُمْ

لعداوةٍ بينَ النُّفوسِ تُسيطِرُ ... ما للخِيانَةِ بالنُّفوسِ تَرَبَّعَتْ

تَغزو ضَمائرَنا ولا نَتَذَمَّرُ ... إنْ ظَلَّ هذا الحُبُّ دونَ عَقيدةٍ

ومَبادئٍ نَدعو لها و نُبَشِّرُ ... لا بدَ أنْ تأتي النِّهايةُ نَكسَةً

في دِرْكِ واقِعِها المَريرِ نُبَعْثَرُ ... تُعطي الحياةُ كما نُحِبُّ ونَشتَهي

لكنَّها عِندَ الكَمالِ تُقَصِّرُ ... فاعْذُرْ صَديقَكَ إنْ كَبا في هَفْوَةٍ

واخْلِصْ لَهُ إنَّ الصَّداقَةَ جَوْهَرُ ... كُلُّ ابْنِ أنثى لا مَحَالَةَ نَاقِصٌ

إنَّ التَّجارِبَ بالحياةِ تُبَصِّرُ ... فإذا امْتُحِنْتَ وخَابَ فَألُكَ مَرَّةً

في خَوضِ تَجرِبَةٍ و خَانَكَ مَعْشَرُ ... أنتَ الكَريمُ ولو أذَوْكَ بِنارِهِمْ

فَرَمادُها بَعدَ الخُمودِ يُطَهِّرُ ... إنَّ الخَطيئةَ نَحنُ كُنْهُ وجودِها

مِن عَهدِ ( آدمَ ) لمْ تَزَلْ هيَ عُنْصُرُ ... كُلُّ البِحارِ إذا اغْتَسَلتَ بمائها

تَبغي الطَّهارَةَ لا أظُنَّكَ تَظفَرُ ... كمْ مِن خَبيثٍ صَارَ خَادِمَ مَسجِدٍ

ومُنافِقٍ خَلفَ الإمَامِ يُزَوِّرُ ... فَتَجَنَّبوا غَدرَ اللئامِ تَجنَّبوا

مَن كانَ مَعْدِنُهُ الرَّخيصُ يُؤجَّرُ ... لولا اخْتلافُ النَّاسِ فيما بَينَها

ما كانَ طَعمٌ للحياةِ يُفَسَّرُ ... فاجْمعْ أواسِطَ ما تَراهُ بِرِحلةٍ

فيها الطَّريقُ إلى التَّعايُشِ أيسَرُ ... خَمسونَ فيها ذُقْتُ كُلَّ حَلاوَةٍ

مازلتُ بَعدَ مُضِيِّها أتَذَكَّرُ ... فإذا المَواسمُ أقفَرَتْ في فَترَةٍ

أو غابَ عن عَينِ المُولَهِ مَنْظَرُ ... هُزّوا بِجِذْعِ القَلبِ يُغْدِقْ فَوقَنا

مَالَذَّ مِن رُطَبٍ تُسِرُّ و تُسْكِرُ ... عادتْ إلى العَهدِ القَديمِ نُفُوسُنا

نَشدو و نَرقُصُ و المَزاهِرُ تَنْقُرُ ... مَن كانَ أوَلُهُ نَقَاءَ سَريرَةٍ

لا بُدَّ آخِرُهُ يَطيبُ و يُثْمِرُ ... مَضَتِ السُّنونَ و قارَبَتْ أجَلي بِها

نَحوَ النِّهايةِ كيفَ لا أتَحَسَّرُ ... يا هَولَ ما فَعَلَتْ يَدايَ ضَلالَةً

وتَجَارَتي كمْ بِتُّ فيها أخْسَرُ ... كيفَ الرَّحيلُ و ما حَمَلتُ مَؤونَةً

عمَّا ارْتَكَبتُ مِن الذُّنوبِ تُكَفِّرُ ... يَبقى مَنِ اتَّبَعَ القَناعَةَ غانِماً

أو كانَ في سَاحِ المَصائبِ يَصبِرُ ... سُقيا لمنْ كَشَفَ الحَقيقَةَ أو رَأى

ما لا يُرى بَعدَ التَّكهنِ مُبْصِرُ ... قوموا إلى الرَّحمنِ نَسأل عَفْوَهُ

وعنِ الذُّنوبِ نَتُوبُ أو نَستَغفِرُ ... ما شاءَ ربّكَ فليكنْ بِقضائهِ

إنّي بِما أعطى و أنعَمَ أشكُرُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الخلص: خلص: خَلَص الشَّيْءُ، بِالْفَتْحِ، يَخْلُص خُلُوصاً وخَلاصاً إِذا كَانَ قَدْ نَشِبَ ثُمَّ نَجا وسَلِم. وأَخْلَصه وخَلَّصه وأَخْلَص لِلَّهِ دِينَه: أَمْحَضَه. وأَخْلَصَ الشيءَ: اخْتَارَهُ، وَقُرِئَ: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُ … (لسان العرب)
  • الخمسين: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ … (لسان العرب)
  • بناره: نار: نأرَتْ نائِرَةٌ فِي النَّاسِ: هاجَتْ هَائِجَةٌ، قَالَ: وَيُقَالُ نَارَتْ بِغَيْرِ هَمْزٍ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه بَدَلًا. والنَّؤُورُ: دُخَانُ الشحْم. والنَّؤُورُ: النِّيلَنْجُ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. نبر: النَّ … (لسان العرب)
  • تاريخي: أرخ: التَّأْريخُ: تَعْرِيفُ الْوَقْتِ، والتَّوْريخُ مِثْلُهُ. أَرَّخَ الكتابَ لِيَوْمِ كَذَا: وَقَّته وَالْوَاوُ فِيهِ لُغَةٌ، وَزَعَمَ يَعْقُوبُ أَن الْوَاوَ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ: إِن التأْريخ الَّذِي يُؤَرّ … (لسان العرب)
  • تبدل: بدل: الْفَرَّاءُ: بَدَلٌ وبِدْلٌ لُغَتَانِ، ومَثَل ومِثْل، وشَبَه وشِبْه، ونَكَل ونِكْل. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَمْ يُسْمَع فِي فَعَل وفِعْل غَيْرَ هَذِهِ الأَربعة الأَحرف. والبَدِيل: البَدَل. وبَدَلُ الشَّيْءِ: غَيْرُه … (لسان العرب)
  • تدركون: درك: الدَّرَكُ: اللحَاق، وَقَدْ أَدركه. وَرَجُلٌ دَرَّاك: مُدْرِك كثير الإِدْراك، وقلما يَجِئْ فَعَّال مِنْ أَفْعَلَ يُفْعِل إِلَّا أَنهم قَدْ قَالُوا حَسَّاس دَرّاك، لُغَةٌ أَو ازْدِوَاجٌ، وَلَمْ يَجِئْ فَعَّال مِنْ أَف … (لسان العرب)
  • تشعرون: شعر: شَعَرَ به وشَعُرَ يَشْعُر شِعْراً وشَعْراً وشِعْرَةً ومَشْعُورَةً وشُعُوراً وشُعُورَةً وشِعْرَى ومَشْعُوراءَ ومَشْعُوراً؛ الأَخيرة عن اللحياني، كله: عَلِمَ. وحكى اللحياني عن الكسائي: ما شَعَرْتُ بِمَشْعُورِه حتى جاء … (لسان العرب)
  • تصور: (صَوَرَ) الصَّادُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَبَايِنَةُ الْأُصُولِ. وَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ بِبَابِ قِيَاسٍ وَلَا اشْتِقَاقٍ. وَقَدْ مَضَى فِيمَا كَتَبْنَاهُ مِثْلُهُ. وَمِمَّا يَنْقَاسُ مِنْهُ قَوْلُهُ … (مقاييس اللغة)

قصائد ذات صلة

  • عبق نسرين
  • أمسيات على ضفاف العاصي
  • لقاءٌ بلا مَوعِد
  • سكرة النفس
  • بيروتُ وزمنُ الصمتِ
  • ذكريات و عتاب
  • من وحي الوادي
  • شاعرٌ و قاضية