وجيه في التسعين
الشاعر: وليد حجار · البحر: الكامل
«وجيه في التسعين» من شعر وليد حجار، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تـسعونَ عـاماً مـا أظنُّكَ تكبرُ — مـا زلتَ تلعبُ بالقلوبِ و تأسرُ
تـسعونَ مرتْ و القصائدُ لم تزلْ — فـيها الـحداثةُ بـالأصالةِ تزخرُ
بـينَ الشبابِ لكَ الصدارةُ مقعدٌ — و لـدى الـشيوخِ معلمٌ و مفكرُ
فـي الـشعرِ نـابغةٌ عكاظُ بغيرهِ — مـا كـانت الشعراءُ فيها تظهرُ
يـا نـورَ مـعرفةٍ و رائدَ فكرةٍ — و إمــامَ مـدرسةٍ بـها نـتأثّرُ
عـمريّةُ الـنفحاتِ تعبقُ بالشذى — مـن ذوبِ قلبكَ تحتسي و تقطّرُ
بـينَ الـغواني حينَ تذكرُ عاشقٌ — عـمرٌ يغيبُ عن العيونِ و يصغرُ
إن قـلتَ شـعراً يا وجيهُ بغادةٍ — هـو كـالشهادةِ بـالجمالِ تقدّرُ
حـقَ لـها أن تـستبدّ بـكبرها — مـا بـعدَ رأيـكَ نـاقدٌ و محررُ
كـم عـاشقٍ أرخـى حبائلهُ فما — نـالَ الـوصالَ و أنتَ فيه مدثرُ
رغـمَ اتـزانكَ \"دنجوانٌ\" عابثٌ — خـطرٌ و صـاحبُ نزوةٍ متهوّرُ
كـم في دهائكَ جئتَ خدرَ عنيزةٍ — مـا خفتَ من حراسها أن ينفروا
مـن أجـلها بـتَّ الليالي ساهراً — و لأجـلها سـبلَ الـمخاطرِ تعبرُ
مـا بعتَ شعركَ و اسْتترتَ بظلّهِ — أو ضـاعَ قدركَ كالذين تبعثروا
حراً خلقتَ وكنتَ صاحبَ منهجٍ — تـأبى الـتزلّفَ في الحياةِ و تزجرُ
إن الـحقيقةَ فـي حياتِكَ جوهرٌ — مـهما تـألّبكَ الوشاةُ و فسروا
كـم كـنتَ ترسمُ للطريقِ معالماً — فـي حـقبةٍ كـان الظلامُ يسيطرُ
تـبدي سـلاحكَ ضدَّ كلِّ مهدمٍ — بـالقرعِ و الـتأنيبِ كنت تعمّرُ
مـن غير ما تبغي تسنّمتَ العلى — جـاءتْ إلـيكَ و أنتَ عنها تنفرُ
عـانيتَ من زمنٍ أواخرهُ انقضتْ — فـيهِ الـعدالةُ بـالجهالةِ تـقهرُ
الـناسُ تـائهةٌ تـعيشُ بـغفلةٍ — و ثـعالبٌ بـينَ الضعافِ تعسكرُ
يـتهافتونَ عـلى الـمناصِبِ فتنةً — لو كنتَ ذا أربٍ وصلتَ وقصّروا
كـم فـي فؤادكَ من مواجع جمةٍ — لـمـا بـدتْ خـطواتهمْ تـتعثرُ
مـا زلـتَ توقدُ بالنفوسِ عزائماً — حـتى أنـرتَ عقولهم و تبصّروا
يـا شـعرُ من بعدَ الأوائلِ ترتجي — حـملَ الرسالةَ، هل بساحكَ عنترُ؟
يـا حزنَ مربدنا و سوقِ عكاظنا — لــم يـبقَ إلا تـافهٌ و مـثرثرُ
و تـربعتْ فـوقَ القريضِ جماعةٌ — و لدى الخليلِ عن السواعدِ شمروا
هـذا عـدوُّ طـريقهم فتكاتفوا — كـي يهدموا ما شادهُ و يكسّروا
مـاذا أقـولُ عن الحديثِ محّذراً — شـعرُ الـحداثة في العروبةِ خَنجرُ
لـجؤوا إلـى التهويمِ دون بصيرةٍ — فـتساقطوا بـظلامهِ و تـفطّروا
والـشعبُ أحوجُ ما يكونُ لفكرةٍ — فـي ضـوئها يمشي و لا يتقهقر
كـم مرةٍ نصحَ الوجيهُ و ما وعَوْا — فـتباعدوا عـن ساحهِ و تذمّروا
حـقُّ الأبـوةِ أن نـكونَ بدربه — شـعلاً تـعلقُ بـعدنا و تـنوّرُ
أمـضيتَ عـمركَ بالمصاعبِ بيننا — مـا لانَ عـزمكَ أو نبا بكَ منبرُ
فـي كـلِّ بيتٍ قد تركتَ مآثراً — بـين الـجوانحِ لـم تزلْ تستأثرُ
لـكَ فـي القلوبِ محبةٌ لا تنتهي — و أخـو الجهالةِ من بفضلكَ يكفرُ
مـا زلـتُ أذكرُ يومَ كنتُ بعلّةٍ — و أنـا الـفقيرُ بـعبئها أتـدبرُ
قـلباً يـسيرُ إلـى عيادةِ ناسكٍ — فـي فرحةٍ يعطي الدواءً و يشكرُ
تـشفي مـواجعنا بلمسةِ حادبٍ — فـكأنها يـدُ سـاحرٍ لا تـعسرُ
كـلُّ الـعجائزِ إن تـهدمَ عزمها — عـندَ الـوجيهِ كـسورها تتجبّرُ
هـو للشبابِ و للمشيبِ.. مرممٌ — فـطلاسمُ الإكـسيرِ عـنهُ تُخبرُ
تسعونَ عاماً و المناقبُ ما انتهتْ — مـهما أعـددْ فـالحقيقةُ أكـبرُ
أمـي وعـتهُ و جـدتي قرأتْ لهُ — و أنـا الأخـيرُ من الطفولةِ أذكرُ
هـذا وجـيهُ بـوجههِ و سـماتهِ — مـا انـتابهُ رغـمَ الـزمان تغيّرُ
نـعتوكَ فـي دنـيا الغرورِ مولّهاً — و الـشعرُ جـاءَ عن الخيالِ يعبّرُ
حـتى فـقأتَ عـيونهمْ و تبيّنوا — أنَّ الـحقيقةَ فـي غـروركَ تظهرُ
إن غبتَ عن مرأى العيونِ ولم تكنْ — فـلنا \"الـوليدُ\" عن الوجيهِ مصوَّرُ
يـحكي لنا عن كلِّ نادرةٍ مضتْ — و هـو الـخبيرُ بما تكنُّ و تضمرُ
حـبٌ لـشعركَ قـد تملَّكَ قلبهُ — كالخمرِ تعبثُ في حجاهُ و تسكرُ
مـا زالَ يـبحثُ راصداً و منقباً — عـن كـلِّ مـضحكةٍ بها يتندرُ
حـتى لـتحسبهُ أسـاءَ بما روى — و تـظنَّهُ بـفمِ الـمسيءِ يـشهِّرُ
بـفؤادهِ عصفَ الهوى في سكرةٍ — و كـذا الـمحبُّ إذا تـولهَ يعذرُ
مـا مـجلسٌ ضمَ الوليدَ و صحبهُ — إلا و ذكـركَ عـابقٌ و مـعطِّرُ
تـسعونَ عـاماً في حماةَ قضيتها — و لـو استطعت لكنتَ عنها تدبرُ
مـا اخْـترتَ داراً غيرها لمعيشةٍ — فـكأنها روضٌ و قـلبكَ عـبهرُ
مـا بـينَ عاصيها و سحرِ جمالها — كـم أرقـصَ الشعراءَ فيها عبقرُ
نـاعورةٌ تبكي و أخرى تشتكي — و هـناك ثـالثةٌ لأجـلكَ تسهرُ
كـم في حماةَ من الأوابدِ لم تزلْ — فـيها أسـامَةُ شـاهدٌ و مظفَّرُ
و أبـو الفداءِ و ما حوتْ أسفارهُ — و كـذا وجـيهُ مع الأوابدِ يذكرُ
فـليشهدِ الـتاريخُ قـبلَ رحيلهِ — أهـلَ الـوفاءِ عـن المحبةِ عبّروا
تـبقى حـماةُ و أنت سيدُ أهلها — مـن كانَ فيهم كالوجيهِ ليفخروا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالجمال: الجَمَالُ : صفة كلّ ما ُيعْجِبُ من حيثُ شكلُه من بين الأحياء؛ إنَّ الله يُحِبُ الجَمَال/ علم الجمال في الفلسفة يبحث في الجمال ومقاييسه ونظرياته.-: كلّ ما يعجب عند النظر إليه مادّياً أو معنوياً؛ جمال العقل والأدب.-: إحدى …
- بالقلوب: القَلُوبُ : القُلَّبُ، أي الكثير التقلّب؛ هو قَلوبٌ في آرائه.
- بغيره: الغَيْرَةُ : مصــ.-: الشعورُ بالحميَّة عند أحد الحبيبيْن أو الزوجَيْن إذا رأى من حبيبه أو زوجهِ تودداً إلى غيره أو لَمس تقرُّباً من سواه إلى من يُحِبُّ؛ حملته الغَيْرةُ على ما يَكرَهُ.
- تزخر: تَزَخَّرَ يَتَزَخَّرُ تَزَخُّراً : ـ النهرُ: كثرت مياهه ففاض وطما.
- تسعون: [ت س ع]. (تِسْعُ عَشَرَاتٍ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ). عَدَدٌ مِنْ أَلْفَاظِ العُقُودِ يُسَاوِي تِسْعَ عَشَرَاتٍ، وَإِعْرَابُهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَجْرَى جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ، أَيْ يُرْفَعُ بِالوَاوِ وَيُنْصَ …