الفرات الطاغي
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
طغَى فضوعف منه الحسنُ والخَطَرُوفاض فالأرضُ والأشجارُ تنغمِرُ
وراعت الطائرَ الظمآنَ هيبتُهفمرَّ وهو جبانٌ فوقَه حذِر
كأنما هو في آذيِّه جَبَلٌعلى الضفاف مُطلٌّ وهي تنحدر
رَبُّ المزارعِ والملاّحِ راعَهمابالحول منه عظيمُ البطش مقتدِر
باتت على ضَفَّتيه الليلَ تحرُسُهغُلبُ الرجال لما يأتيه تنتظر
راحو أُسارى مطأطين الرؤوسَ لهوراح طوعَ يديه النفعُ والضرر
مَشَى على رِسْلِه لا الخوفُ يَردَعُهولا عن الفِعلة النكراءِ يعتذِر
ومر يَهزَأ من أيد تقاومهتسعَى لتحكيم أسداد وتبتدِر
فكلُّ ما بلغَ الانسانُ من عَنَتٍقُوى الطبيعةِ تأتيه فيندحِر
وما " الفراتُ " بمسطاعٍ فمختَضَدٍولا بمستعبَد بالعُنفِ يُقتَسر
كم من معاركَ شنَّ الفنُ غارتَهاعلى " الفرات " ولكنْ كانَ ينتصر
نَموذَجٌ " للأنانيينَ " ليس لهولا عليه ، أفازَ الناسُ أم خسِروا
في حينَ باتَ جميعُ الناس يُرهبُهمفي كل ثانيةٍ عن سَيره خَبَر
ملءُ القلوب خشوعٌ من مهابتِهوملءُ أعينهم من خوفِه سَهر
وراح شُغْل النوادي عن فظاظتهيُجرى الحديثَ وفيه ينقضي السهر
ورُوِّعَ السمعُ حتى بات من ذَهَليود سَمعُ الفتى لو أنه بَصَر
واستُبطِئت عن نَثَا أخباره بُرُدٌواستُنهِضَ البرقُ يُستقصي به الخَبَر
هو " الفرات " وكم في أمره عَجَبٌفي حالتيهِ وكم في آيِه عِبَر
بينا هو البحرُ لا تُسطاع غضبتُهإذا استشاطَ فلا يُبقي ولا يَذرَ
إذا به واهنُ المَجرى يعارِضُهعودٌ ويمنعه عن سيره حَجَر
طَمَى فردَّ شبابَ الأرض قاحلةًبه وعادت إلى رَيعانها الغُدُر
وأشرفت بقعةٌ أُخرى ألَّم بهاعلى الممات فأمسَت وهي تُحتَضر
وودَّعَ الزارعون الزرعَ وانصرفواللماء ما زَرَعوا منه وما بَذَروا
من كان بالامس يعلو وجهَهُ فرحٌبما يُرجِّيه غطَّ وجهَه كَدَر
وقطَّبت بعد تهليل أسرَّتُهوبان فوق خُطاه الضعفُ والخَوَر
صُبَّت عليها بلاياه ونقمتُهأنا " القصورُ " فلا خوفٌ ولا حذَر
طافت عليه حنايا الكوخ واقتُلِعَتْمضارِبُ البيت منه فهي تنتثر
غط الهديرُ فغضَّت منه ثاغيةٌورددت ثغيّها من خلفِها أُخر
واستحكمت ضجةٌ من كل ناحيةجاءت إليها بموتٍ عاجلٍ نُذُر
ورُبَّ طالبةٍ بالماء راضَعَهاورب عاريةٍ بالماء تأتزر
وصفحةٍ من بديع الشعر منظرهُطامي العُباب مُطِلاً فوقَه القَمَر
وقد بدت خضرةُ الأشجار لامعةًمغمورةً بسناه فهي تزدهِر
ومن على ضَفَّتيه انصاعَ منغمرافي الماء نصفٌ فوقَه الشَجر
باتت على خَطَرٍ ناسٌ بثورتهوراح يؤنُسنا في المنظر الخَطَر
وهكذا الناسُ يُغريهم تخيُّلُهمحتى يَجيئوا الى البَلْوى فيختبروا
كما أتى الحربَ فنانٌ ليرسُمَهافي حينَ آخرُ يُصلى جسمَه الشرَر
روحٌ جرت لم يُردْ نَفعا بها بدنٌوعسجدٌ سال إلا أنه هَدَر
هذا المشيِّدُ للعُمران ريِّقَهفي الرافدين به العُمرانُ يندثر
كان العراقُ سواداً من مزارعهعلى بنيهِ يفيءُ الظلُ والثَمَر
تَفيض خيرا على الأقطار غلَّتُهموفورةً لسنين الجوع تُدَّخر
ووزّع الماءَ عدلاً في مسايلهفكلُّ ناحيةٍ يجري بها نَهَر
باسم " الفرات " وتنظيمٍ له خُلقتْدوائرٌ لم يَبِنْ من سعيها أثَر
أغفَت طويلاً ولما هاجَ هائجُهجاءته بعد فواتِ الوقتِ تبتدِر
وهاهو الماءُ موتٌ في زيادتهوفي النقيصةِ مسروقٌ فمُحتَكَر
عن القصيدة
«الفرات الطاغي» من شعر محمد مهدي الجواهري، من العصر الحديث، وتقع في ٤٤ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.