أخبار الهدهد

الشاعر: حبيب شريدة · البحر: الوافر

«أخبار الهدهد» من شعر حبيب شريدة، وتقع في 282 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

(1) — (العودة)

تأخَّرَ هُدْهُدي فخَشيتُ ضُرّا — يكونُ أصابَهُ وظننْتُ شَرّا

فقلْتُ مُعَزِّياً نفْسي عَساهُ — يجيءُ غداً يزُفُّ إليَّ بُشْرى !

مضى شهْرٌ فساوَرني ارْتِيابٌ — بطولِ غِيابِهِ وبلَغْتُ عُذْرا

وبيْنا كنْتُ أجْلِسُ في شُرودٍ — ويأسٍ في ظِلالِ الرَّوْضِ عصْرا

إذا بالهُدْهُدِ المحْبوبِ يأتي — ويَهْبِطُ نائِياً عشْرينَ متْرا !

تلَفَّتَ حوْلَهُ فدَنا رُوَيْداً — على مهَلٍ وجاءَ إليَّ سيْرا

يلوحُ عليْهِ إعْياءٌ شديدٌ — كأنَّ الدَّهْرَ ضاقَ بهِ وأزْرى !

فكدتُّ أطيرُ منْ فَرَحي إليْهِ — لأحْضُنَهُ اشْتِياقاً فاقَ صبْرا !

فقلْتُ لهُ : أطيْريَ أيُّ خطْبٍ — دهاكَ فغبْتَ عنْ عيْنَيَّ شهْرا ؟!

لقدْ عوَّدتَّني في كلِّ يوْمٍ — على لقْياكَ في البسْتانِ فجْرا !

تزورُ رحابَهُ فأراكَ فيها — تسَبِّحُ بكْرَةً للهِ شكْرا !

تفَتِّشُ في التُّرابِ بلا كَلالٍ — عنِ القوتِ المُيَسَّرِ فيهِ نقْرا !

أراكَ معَكَّراً تخْفي شُجوناً — بصمْتِكَ أوْ كلاماً لنْ يَسُرّا !

قلِقْتُ عليْكَ بلْ ومُلِئْتُ خوْفاً — بأنْ يبْقى غِيابُكَ مسْتَمِرّا !

قضيْتُ الشَّهْرَ منْتَظِراً أُعاني — ضِرامَ هَواجِسي في الصَّدْرِ جمْرا !

تَعالَ فَنَمْ بأحْضاني لتلْقى — مَعي دِفْءَ السَّلامِ فَتَسْتَقِرّا !

فقالَ بحُرْقَةٍ والدَّمْعُ يجْري — على ريشاتِهِ الألِقاتِ تِبْرا :

رُوَيْدَكَ ها سأرْوي كُلَّ ما قدْ — رأيْتُ ولسْتُ منْ يُخْفيكَ سِرّا !

أتيْتُ إليْكَ بالأخْبارِ ما لمْ — تُحِطْكَ بهِ الفضائِيّاتُ خُبْرا !

مررْتُ على العُروبَةِ مطْمَئِنّاً — على أحْوالِها قُطْراً فقُطْرا !

فأبْصَرْتُ النَّوائِبَ داهِماتٍ — جَميعَ رُبوعِها فبَكيْتُ قهْرا !

تَعيشُ الجاهِليَّةَ منْ جَديدٍ — وقائِعَ خيَّمَتْ شُؤْماً وبُجْرا !

تدورُ بها رَحى حرْبٍ ضَروسٍ — كداحِسَ جيزَ بالغبْراءِ طَفْرا

كأنَّ بها البَسوسَ تُثيرُ حرْباً — بقتْلِ كُليْبَ في ضَرْعٍ أُتِرّا !

أرى ذُبْيانَ تُثْخِنُ قتْلَ عَبْسٍ — وتَغْلِبَ تجْتلي للثَّأرِ بَكْرا !

(2) — (جولة بلاد الشام)

بدأتُ برحْلَتي شرْقاً مروراً — إلى الأردُنِّ حيْثُ رأيْتُ جِسْرا

يُقَسِّمُ ضَفَّتيْ نَهَرٍ حزينٍ — خَلا ماءً وكانَ يفيضُ خيْرا !

يسافِرُ عَبْرَهُ خلْقٌ كثيرٌ — يُضَيِّعُ يوْمَهُ حتّى يمُرّا !

فجُزْتُ حُدودَهُ فرأيْتُ شعْباً — غزاهُ الخوْفُ يبْدو مكْفَهِرّا !

يرى منْ حوْلِهِ الأخْطارَ تجْري — حُروباً أُشْعِلتْ آدَتْهُ وِزْرا !

أفاضتْ نحْوَهُ الهجْراتِ سيْلاً — هروباً منْ جحيمِ الحرْبِ قسْرا

فطِرْتُ إلى الشَّمالِ فراوَدتْني — رَحى اليرْموكِ كالبُرْكانِ تَضْرى

يخوضُ غِمارَها الأبْطالُ أُسْداً — تُذيقُ الرّومَ طعْمَ الذُّلِّ مُرّا !

مضَيْتُ ميَمِّماً حوْرانَ سهْلاً — يفيضُ بخَيْرِهِ خُضَراً وبُرّا

لأدْنى الأرْضِ (درْعا) حيْثُ ذاقَتْ — جُيوشُ الرّومِ بأْسَ جُيوشِ كسْرى

وريثَةِ (أذْرُعاتٍ) أمْسِ بأساً — لسوريّا وما زالتْ وثَغْرا !

تخيَّلْتُ القَوافلَ عابِراتٍ — على درْبِ الحَريرِ رُبوعَ بُصْرى

فتَلْقى الرّاهِبَ النَّسْطورَ فيها — (بَحيرا) روْحَةً فتَحِلُّ ديْرا !

مضَيْتُ توَغُّلاً تِلْقاءَ حمْصٍ — لتدْمُرَ قلْعَةِ الزَّبّاءِ صَدْرا !

مليكَةِ دوْلَةِ الأنْباطِ مجْداً — سليلَةِ يعْرُبٍ نسَباً ونَجْرا !

يَحارُ بوصْفِها التّاريخُ حُسْناً — ومُلْكاً قدْ ترامى مُسْبَطِرّا !

كمِ انْتَصَرَتْ على الرّومانِ بأْساً — ونالتْ منْ (جُذَيْمَةَ) قَبْلُ ثأْرا !

فما خضَعَتْ لأورِلْيانَ لوْ لمْ — يكنْ منْ حوْلِها الأعْداءُ كُثْرا !

فقيلَ بأنَّها أسِرَتْ لدَيْهِ — دُجىً عنْدَ الفُراتِ تُقافُ إثْرا

تَقودُ جَوادَها طلَباً لنَجْدٍ — لَدى حُلَفائِها وتَخُبُّ نُكْرا

فَسارَ بها مُعَزَّزَةً لروما — وأسْكَنَها بَديلَ السِّجْنِ قصْرا

فماتتْ حسْرَةً لضَياعِ مُلْكٍ — وجوعاً ، أوْ لأمْرٍ ليْسَ يُدْرى

وقيلَ قضَتْ بلَعْقِ السُّمِّ فِصّاً — لتمْنَعَ وضْعَها في القيْدِ (عَمْرا) !

فأيْقَظَني منَ الحُلُمِ انْفِجارٌ — أطاحَ جوانِحي فمَضيْتُ ذُعْرا

فشاهدتُّ الرَّدى في كلِّ ركْنٍ — بسوريّا ويفْغَرُ فاهُ فغْرا !

قدِ ازْدَحَمَتْ بهِ الطُّرُقاتُ ردْماً — ومارَ بهِ الدَّمُ المُهَراقُ موْرا !

وحنَّ الياسَمينُ إلى أيادٍ — تَقيهِ منَ الذُّبولِ شَذىً وزَهْرا !

وشاهدتُّ الحَضارَةَ دمَّرَتْها — حروبُ الإخْوَةِ الأنْدادِ نعْرا

فطِرْتُ مُحاذِياً لبْنانَ حتّى — وصلْتُ لبَعْلَبَكَّ هُناكَ بدْرا

فقرَّرْتُ المَبيتَ بها رَواحاً — بحِضْنِ معابِدِ الرّومانِ ظِئْرا

صحَوْتُ مبَكِّراً فجَمَعْتُ عزْمي — عسى لبْنانُ تبْعَثُ فيَّ نَضْرا !

فجُلْتُ تِلالَهُ غاباتِ أرْزٍ — ترامتْ تمْلأُ الآفاقَ سحْرا

فلاحتْ لي خِلافاتٌ تنامَتْ — لدى أحْزابِهِ ولمَسْتُ عُسْرا

تمُرُّ بهِ السِّنونَ بلا رئيسٍ — عياءً في سياسَتِهِ وعَثْرا

فكمْ منْ فتْنَةٍ مرَّتْ عليْهِ — وغزْوٍ طالَهُ وإليْهِ جُرّا !

ولوْلا صبْرُهُ وصُمودُهُ في — نوائِبِهِ الجِسامِ لكانَ خَرّا !

فحرَّرَ نفْسَهُ بعْدَ احْتِلالٍ — مقاوَمَةً وكانَ بذاكَ أحْرى !

وصَلْتُ طرابُلُسَّ فقابلتْني — سفائِنُ كُدِّسَتْ بالنّاسِ هجْرا

متى هَرَبوا منَ النّيرانِ لاقَوْا — أمامَهُمُ الرَّدى المَحْتومَ بحْرا !

فكمْ منْ حُرَّةٍ صَرَختْ لغَوْثٍ — فلبّاها الصَّدى المَنْفيُّ وقْرا !

وكمْ خنْساءَ قدْ ولَدَتْ شَهيداً — وكمْ خنْساءَ تبْكي اليوْمَ صخْرا !

(3) — (جولة العراق)

ذهَبْتُ إلى العِراقِ فلمْ أجِدْهُ — كسابِقِ عهْدِهِ الميْمونِ حُرّا !

غزاهُ بوشُ طغْياناً وحِقْداً — يُسانِدُهُ طَغامُ العُرْبِ نفْرا

فدَمَّرَهُ وأشْعَلَ فيهِ حرْباً — تَطالُ الشَّعْبَ أجْمَعَهُ وأوْرى !

تَعيثُ بهِ الطَّوائِفُ سادِراتٍ — وتنْخَرُهُ المِليشِيّاتُ نخْرا !

قَدِ انْفَلَتَ العِقالُ بهِ فأنّى — مَضَيْتُ أرَ الدَّمَ المُهَراقَ نَهْرا !

وأبْصَرْتُ النَّخيلَ بهِ حَزيناً — يُصابِرُ شامِخاً أنَفاً وكِبْرا !

وصلْتُ شَمالَهُ فوجدتُّ فيهِ — ظِلالَ دوَيْلَةٍ للكُرْدِ حصْرا !

فزُرْتُ المَوْصِلَ الحَدْباءَ ربْعاً — فأفْزَعَني بها التَّدْميرُ طَمْرا !

فلَمْ أرَ مسْجِدَ النّوريِّ سَمْتاً — تُزيِّنُهُ المَنارَةُ ثَمَّ صَوْرا !

يُسامُ السُّنَّةُ الضُّعَفاءُ خسْفاً — بأوْسَطِهِ ولمْ يجِدوا مَفَرّا !

وشاهدتُّ الجَنوبَ يكادُ ينْأى — بشيعَتِهِ وقدْ ملَكوهُ بتْرا !

رأيْتُ جَماعَةً ضلَّتْ سَبيلاً — إذِ اتَّخَذَتْ منَ التَّكْفيرِ فكْرا

تمَدَّدُ مثْلَما السَّرَطانُ سطْواً — فأنّى تسْطُ تنْشِئْ ثَمَّ وَكْرا !

تُمارِسُ دوْرَها المَشْبوهَ نَهْجاً — وقَدْ جَعَلَتْ لهُ الإسْلامَ سِتْرا !

وتَرْفَعُ رايَةً سوْداءَ تُخْفي — بها إرْهابَها حرْقاً ونَحْرا !

فكمْ منْ أمَّةٍ مرَّتْ عليْهِ — جِوارَ الرّافِديْنِ تظَلُّ ذكْرى !

بنتْ فيهِ حَضاراتٍ عِراقاً — طوَتْها حادِثاتُ الدَّهْرِ غُبْرا

بدَتْ آثارُها للعَيْنِ ترْوي — عَراقَتَها مَدى التّاريخِ سَبْرا

وكمْ منْ طامِعٍ فيهِ زَنيمٍ — كهولاكو غَزا بغْدادَ عُقْرا !

غَزاها حينَما نُخِرَتْ فساداً — وخدَّرَها رَخاءُ الحُكْمِ خَمْرا

فسارَ أواخِرُ الخُلَفاءِ غَيّاً — على أهوائِهِمْ خَلْعاً وعَهْرا

بِها افْتَقَدوا شَهامَتَهُمْ ضَياعاً — ونخْوَتَهُمْ فكانَ العَرْشُ خِدْرا !

فقتَّلَ أهْلَها ورَمى نَكالاً — بمَخْطوطاتِها في النَّهْرِ غَمْرا !

فضاعَ بدَجْلَةَ الموْروثُ كَنْزاً — تَماهى بالدَّمِ المَسْفوكِ حِبْرا !

(4) — (جولة شبه جزيرة العرب)

عبَرْتُ الشَّطَّ منْطلِقاً جَنوباً — لشبْهِ جزيرَةٍ تنْداحُ قفْرا !

على أطْرافِها نشَأتْ وفيها — كَياناتٌ سَمَتْ مَدَراً ووَبْرا

وفي عصْر اكْتشافِ الزَّيْتِ فيها — نَمَتْ دُوَلاً مضَتْ مَدّاً وجَزْرا !

فجاوزْتُ الخَليجَ فطالَعتْني — وجوهٌ لم تفِضْ كالأمْسِ بِشْرا

لمسْتُ بها الأسى قلَقاً وخوْفاً — منَ المَجْهولِ كالمزْجورِ نُذْرا !

ولمْ أرَ مجْلِساً كالأمْسِ ضُمَّتْ — بهِ دوَلُ الخَليجِ فصِرْنَ شُذْرا !

تَداعى تارةً سهَراً وحُمّى — كجسْمٍ واحِدٍ وتُفَتُّ طوْرا !

رأيْتُ تَطاوُلَ البُنْيانِ شأْواً — يُناطِحُ في مَدى العلْياءِ عُبْرا

فقدْ ملَكوا كنوزَ النِّفْطِ دخْلاً — فأغْدَقَهمْ رفاهِيَةً ودَثْرا !

وكانوا قبْلَهُ رُوّادَ غوْصٍ — وصيْدٍ يرْكَبونَ البحْرَ مخْرا

يصيدونَ المَحارَ عساهُ يحْوي — لهمْ رزْقاً بهِ قدْ كُنَّ دُرّا !

قدِ اعْتادوا الأرُزَّ لهُمْ طعاماً — وزادوا فوْقَهُ سمَكاً وتمْرا !

قدِ اتَّخَذوا بياضَ الثَّوْبِ زَيّاً — يُوحِّدُهُمْ دَشاديشاً وغُتْرا !

وقدْ صنَعوا قواربَهمْ شِراعاً — ومجْدافاً وألْواحاً ودُسْرا !

دلفْتُ إلى الكُويْتِ فزُرْتُ فيها — جزيرَةَ فيْلَكا فعبَرْتُ شِمْرا

وعاينْتُ الشّواطِئَ منْ بعيدٍ — مُروراً بالمَسيلَةِ ثَمَّ حَسْرا !

فأطْرَبَني بها النَّهّامُ يحْدو — قُلوعاً سيَّرَتْها الرّيحُ نشْرا !

فطِرْتُ لأرْخَبيلٍ لي تَراءى — لممْلَكَةٍ رسَتْ في البَحْرِ صُغرى

يَلوحُ كأنَّهُ فُلُكٌ رَواسٍ — على ماءِ الخَليجِ نُثِرْنَ نثْرا

إلى البَحْريْنِ أصْغَرِ دوْلَةٍ في — بلادِ العُرْبِ سكّاناً وبَرّا !

فجُلْتُ ببَرِّها المحْصورِ سطْحاً — وجاوزْتُ الرُّمَيْثَةَ والصُّخَيْرا !

إلى قطَرَ التي ازْدَهَرَتْ رِقِيّاً — وكانتْ قِبْلَةً للغَوْصِ هَيْرا !

رأيْتُ بها مَلاعِبَ فارِهاتٍ — لمونِدْيالَ سوْفَ هُناكَ يُجْرى

وزرْتُ (الخَوْرَ) حاضِرَةً أرَتْني — لصيْدِ اللؤْلُؤِ المكْنونِ خوْرا !

مَضَيْتُ لدوْلَةٍ بنَتِ اتِّحاداً — إماراتٍ بهِ سبْعاً وصَهْرا

ومُنْذُ توحَّدَتْ فقَدَتْ ثلاثاً — لها جُزُراً لدى إيرانَ حَكْرا !

فلاحَتْ لي أبو ظبْيٍ مروراً — على كُرْنيشِها المنْظومِ سطْرا

فطِرْتُ إلى دُبَيَّ فلاحَ أعْلى — بروجِ الأرْضِ دونِيَ مشْمَخِرّا

فطُفْتُ بها معالِمَ أذْهَلتْني — جَمالاً فوْقَ ما هُوَ في الجُمَيْرا !

مررْتُ بنَخْلَةٍ فيها أقيمَتْ — على الأمْواجِ تَسْبي اللُّبَّ بَهْرا !

وفي نَدِّ الشَّبا أبْصَرْتُ خيْلاً — تَسابَقُ شامِخاتِ الأنْفِ ضُمْرا !

قصَدتُّ السّاحِلَ الشَّرْقِيَّ حَدّاً — لدى برْلينَ يعْرُبَ ثَمَّ حَدْرا !

فأبْصَرْتُ المُسنْدَمَ كيْفَ يعْلو — جِبالَ عُمانَ رأْساً قُصَّ وَعْرا !

نأى عنْ أمِّهِ فبَدا حَزيناً — وَحيداً فاقِداً بالنَّأْيِ حِجْرا !

لها يرْنو اشْتِياقاً مثْلَ طفْلٍ — ويَرْقُبُ هُرْمُزانَ البَحْرِ نَسْرا !

فأطْلَقْتُ العَنانَ بها وُصولاً — لرأْسِ الحَدِّ أقْصى الشَّرْقِ جَدْرا

فطِرْتُ إلى ظَفارَ جِنانِ عَدْنٍ — تُتاخِمُ حَضْرَموْتَ نَدىً وعِطْرا

بها الأحْقافُ آثارٌ لِعادٍ — عَرَفْتُ السّاكِنيها اليوْمَ مُهْرا

مررْتُ على رُبوعٍ مرَّ قبْلي — عليْها الجَدُّ في سبَإٍ وأسرى

بها امْرَأةٌ لها عرْشٌ عظيمٌ — علَتْ في قوْمِها حُسْناً وقَدْرا

هداها اللهُ للإسلامِ لَمّا — رأتْ آياتِهِ أشْرَقْنَ غُرّا !

فأسْلَمَ قوْمُها للهِ هَدْياً — وكانوا يعْبُدونَ الشَّمْسَ كُفْرا

أعادتْني لعهْدٍ سادَ فيهِ — سليْمانُ الحَكيمُ وطابَ ذِكْرا

إلى اليَمَنِ الذي قدْ كانَ يُسْمى — سعيداً يمْلأُ الآفاقَ فخْرا !

إليْهِ يُنْسَبُ الأعْرابُ قوْماً — تغلْغَلَ فيهِ تاريخاً وجذْرا !

أراهُ اليوْمَ بالأدْواءِ يُبْلى — ويُنْهَكُ أهْلُهُ حرْباً وفقْرا !

ويبْدو في الجَنوبِ لهُ حَراكٌ — يُحاوِلُ شطْرَهُ قطْريْنِ شطْرا !

يغَرِّرُهُ المُريبونَ انْفِصالاً — لمَصْلَحَةٍ لهمْ كيْداً ومَكْرا !

نَزَلْتُ لدى الغُروبِ بِحَضْرَموْتٍ — عسايَ بها أبيتُ فرُمْتُ شَحْرا !

لجأتُ لأيْكَةٍ تحْوي نَخيلاً — يُجاوِرُ شامِخاً سَمُراً وسِدْرا !

تَراها النَّحْلُ مَرْتَعَها مَصاغاً — لأجْوَدِ ما يَكونُ الشُّهْدُ شَوْرا !

فقدْ قُرِنَ اسْمُها بقَبيلتيْها — قديماً إذْ حَوَتْ موْتاً وحَضْرا !

نهَضتُّ مبَكِّراً فرأيْتُ حوْلي — مفاتِنَ زُخْرِفَتْ كالشِّعْرِ حَبْرا !

فطِرْتُ لأُكْمِلَ التَّجوالَ سعْياً — إلى عَدَنَ التي لمْ تأْلُ زخْرا !

فرُبَّ سفينَةٍ لجَأتْ إليْها — لتلْثُمَ ثغْرَها وبِها تَذَرّى !

فصَنْعاءَ التي لا بُدَّ منْها — وإنْ طالَ الرَّحيلُ فآدَ سَفْرا !

عَبَرْتُ تُهامَةَ المُمْتَدَّ سهْلاً — يُحاذي القُلْزُمَ المِعْطاءَ سَجْرا !

مضَيْتُ مُتاخِماً للبَحْرِ بُعْداً — عنِ الصَّحْراءِ أتْواهاً وحَرّا !

فإذْ أمُّ القُرى تُكْسى بياضاً — لدى البيْتِ العتيقِ رِضىً وبِرّا

يحِجُّ المُسْلِمونَ بكلِّ عامٍ — إليْهِ ما استَطاعوا فيهِ يُسْرا

وإذْ بمَدينَةٍ تنْثالُ نوراً — على أرْضِ الحِجازِ تَطيبُ زوْراً !

بها قبْرٌ حَوى خيْرَ البَرايا — بموْلِدِهِ الوَرى والكوْنُ نَوْرا !

لآلِ سُعودَ مملَكَةٌ ترامتْ — بنَجْدٍ والحِجازِ هُناكَ تَثْرى

بها الحَرَمانِ إشْراقاً وأمْناً — وقِبْلَةُ أمَّةِ الإسْلامِ شَطْرا !

تَشُنُّ ولا تَني حرْباً ضَروساً — على اليَمَنِ الضَّعيفِ اليوْمَ سَعْرا

فلمْ ترْعَ الذِّمامُ وإنْ بِصَوْمٍ — ولَمّا تحْتَرِمْ أضْحى وفِطْرا !

تبِعْتُ البَحْرَ في عوْدي جَنوباً — لِبابِ المَنْدِبِ السّاجي مَمَرّا

لأعْبُرَ بعْدَهُ بحْراً دَعاني — إلى اليَمَنِ الجَريحِ هُناكَ كَرّا

إلى الجُزُرِ التي نُسِيَتْ فتاهَتْ — بآفاقِ البِحارِ الهُوجِ حيْرى !

فطِرْتُ إلى سُقَطْرى حيْثُ تنْأى — بَبَحْرِ العُرْبِ حِضْناً جادَ خَفْرا !

رأيْتُ بها دمَ الأخَوَيْنِ نبْتاً — وليْسَ يَعيشُ إلا في سُقَطْرى !

وقفْتُ بها لِساعاتٍ سَعيداً — يُحيطُ بِيَ الجَمالُ مُنادِياً را !

(5) — (جولة الجناح الأفريقي)

لقدْ أنْهَيْتُ جوْلَةَ آسِيا في — دِيارِ العُرْبِ منْطَلِقاً لأخْرى

فَزُرْتُ بها بقِيَّتَها جَناحاً — لدى أفْريقِيا قدْ ضَمَّ عَشْرا

رأيْتُ القُمْرَ في جُزُرٍ شَتاتٍ — كأنِّيَ لمْ أجِدْ في العُرْبِ قُمْرا !

كأنْ سكَنوا غَيابَةَ أرْخَبيلٍ — وذابوا في محيطِ الهنْدِ حَجْرا !

وصَلْتُ مَرابِعَ الصّومالِ قَرْناً — لدى أفْريقِيا فأَلِمْتُ كَدْرا !

رأيْتُ بهِ الصِّغارَ تموتُ جوعاً — وقدْ تَخِذَ الكِبارُ الحَرْبَ بَوْرا !

فكمْ عَصَفَتْ بهِ حرْبٌ ضَروسٌ — فقُسِّمَ دوْلَتيْنِ فزادَ ضَوْرا !

فَجيبوتي الذي قدْ كانَ يُدْعى — إلى اسْتِقْلالِهِ عيسى وعَفْرا !

عبَرْتُ بَقِيَّةَ الأقْطارِ عُرْباً — تُضَمَّنُ سبْعَةً صَحْراءَ كُبْرى

تُغَطّي مِصْرَ والسّودانَ حوْضاً — وأرْضَ المَغْربِ العَرَبيِّ طُرّا !

إلى السّودانِ إذْ نَقَصَ اتِّساعاً — وقدْ بُتِرَ الجَنوبُ لدَيْهِ خُسْرا !

خُصوبَةُ تُرْبِهِ بِكْرٌ عَوانٌ — ولكنْ أُهْمِلَتْ كسَلاً وفَتْرا

مَتى ما استُثْمِرتْ زرْعاً ستَغْدو — ليَعْرُبَ سلَّةً للخُبْزِ وَفْرا !

فطِرْتُ مُواكِباً للنّيلِ رحْلاً — تِجاهَ مَصَبِّهِ فنَزَلْتُ مِصْرا

رأيْتُ بها العَدالَةَ في سُباتٍ — وقدْ مُلِئَتْ مُعاناةً وجَوْرا !

تَنازَلُ عنْ جَزائِرِها ببَخْسٍ — بظِلِّ قِيادَةٍ تقْتاتُ حَقْرا

وتُغْضي الطَّرْفَ عنْ سَرِقاتِ ماءٍ — بوادي النّيلِ قدْ تُمْسيهِ غَوْرا !

قَديماً قالَ هيرودُتْسُ لوْلا — تدَفُّقُهُ لَكانتْ مِصْرُ صَحْرا !

فرُبَّ جَميلَةٍ زُفَّتْ إليْهِ — لِقاءَ هُدوئِهِ فيَكونُ مَهْرا !

غَزاها أمْسِ نابلْيونُ حِقْداً — فدَنَّسَ نيلَها هِبَةً ومَجْرى !

تضُمُّ حضارةً دامتْ ألوفاً — منَ السَّنَواتِ بالآثار تُقْرى

عليْها تشْهَدُ الأهْرامُ إحدى — عَجائِبِ هذه الدُّنْيا فتُطْرى

تطوفُ بنا على توتنْخَ مجْداً — وحتْشِبْسوتَ أمْسِ وكِلْيُوبَتْرا

قدِ اسْتَعْلى بها فرْعوْنُ طغْواً — وقالَ لقوْمِه صَعَراً وشَزْرا :

أقيموا لي عُلُوَّ الغيْمِ صرْحاً — لأنْظُرَ ربَّ موسى منْهُ خَزْرا !

رأيْتُ المَهْرَجانَ وقدْ تَداعى — إليْهِ النّاسُ يوْمَ العيدِ حشْرا

أتَوْهُ ليشْهَدوا فيه نزالاً — غَريباً دونَهُ الألْبابُ تَفْرى

يُناجِزُ عائِذاً باللهِ موسى — جَهابِذةَ الحُواةِ ولنْ يُعَرّى

فألْقَوْا بالحِبالِ فصِرْنَ وهْماً — أفاعِيَ دونَها موسى اقشَعَرّا

رمى بعَصاهُ فانْقَلَبَتْ لأفْعى — تَلَقَّفُ ما قدِ ائْتَفَكوهُ سِحْرا !

فلمّا أبْصَروا البُرْهانَ خَرّوا — سُجوداً يسْألونَ اللهَ غَفْرا !

فطارَ صَوابُهُ غضَباً عليْهمْ — وهَدَّدَهُمْ ثُبوراً واسْتَحَرّا !

سأقْتُلُكمْ وأصْلِبُكمْ جميعاً — خِلافاً في جُذوعِ النَّخْلِ عَقْرا !

ففرَّ المُؤْمنونَ بدينِ موسى — إلى سيْناءَ يلْتَمِسونَ قَرّا !

فأرْسَلَ خلْفَهُمْ جيْشاً عظيماً — يقودُ زمامَهُ كُفّوهُ جأْرا !

فشُقَّ البَحْرُ معْجِزةً لموسى — ومَنْ معَهُ وَغاصَ الجَيْشُ قعْرا !

فنُجِّيَ دونَهُ فِرْعَوْنُ جسْماً — ليبْقى عِبْرَةً للناسِ إثْرا !

ولمّا أدْرَكوا سيْناءَ منْجىً — عصَوْهُ فعوقِبوا بالتّيهِ إصْرا

فَكائِنْ حُمِّلوا التَّوراةَ لكنْ — أبَوْا أنْ يَحْمِلوها قطُّ خِتْرا !

فشُبِّهُ نبْذُهُمْ ما حُمِّلوهُ — بأسْفارٍ وقدْ حُمِّلْنَ عَيْرا !

ذَهَبْتُ لليبِيا فوَجَدتُّ أرْضاً — تَقاسَمُها القَبائلُ فيهِ بِكْرا !

تُقاتِلُ بعْضَها بعْضاً نَكالاً — ويَحْسَبُ كُلُّها أنْ حازَ نصْرا !

رأيْتُ بها حُكوماتٍ ثلاثاً — تُسَيِّرُها الدِّماءُ هُناكَ شَغْرا !

نَزلْتُ بتونُسَ الخَضْراءِ رَبْعاً — تصَدَّرَ ثوْرَةً أرْسَتْهُ بِذْرا !

عَدا دُوَلاً ليَعْرُبَ دونَ جدْوى — وقدْ حَصَدَتْ منَ الثَّوْراتِ صِفْرا !

قَدِ ارتَدَّتْ على العَرَبِ انْتِكاساً — فساءَتْ حالُهمْ ضَنْكاً وقَتْرا !

فطِرْتُ إلى الجَزائرِ حضْنِ أمٍّ — على أبْنائِها الأحْرارِ غيْرى !

أحَبّوها وما بخِلوا عليْها — بأغْلى ما لدَيْهمْ كيْ تُبَرّا !

فهُمْ أحْفادُ طارقَ ما اسْتَكانوا — لضَيْمٍ قَطُّ إذْ ورِثوا نُصَيْرا !

لقَدْ فَهِموا دُروسَ الأمْسِ نهْجاً — يوَحِّدُهُمْ وما خَفَروهُ شِبْرا !

عبَرْتُ رَواسِيَ الأوراسِ مجْداً — أطاحَ بُناتُهُ الإفْرَنْجَ دحْرا !

فقَدْ رَبَضَتْ عليْها أمْسِ أُسْدٌ — تذودُ عنِ الذِّمارِ هُناكَ ذَمْرا !

مضَيْتُ مُسامِتاً للبَحْرِ حتّى — وصلْتُ لِجيجِلَ الغَنّاءِ ظُهْرا

رأيْتُ بها شواطِئَ زاهِياتٍ — بأبْهَجِ حُلَّةٍ سوداً وحُمْرا !

وزُرْتُ كُهوفَها فرأيْتُ عُجْباً — مَتاحِفَ تخْلِبُ الألْبابَ نَظْرا !

عزَمْتُ بها المقيلَ رَواحَةً لي — لأكْمِلَ رحْلَتي للغَرْبِ عَبْرا !

فلمّا مالَ قُرْصُ الشَّمْسِ غَرْباً — ولاحَ خِضابُهُ في الأفْقِ فَوْرا...!

وصَلْتُ المَغْرِبَ النّائي سُباتاً — على بابِ المَضيقِ يَنوءُ زَفْرا !

سَمِعْتُ الأطْلَسِيَّ بشاطِئيْهِ — وبحْرَ الرّومِ يصْطَرِعانِ هَدْرا !

ولمْ أبْصِرْ طَريفَ يشُقُّ درْباً — لطارِقَ وهْوَ يُوري السُّفْنَ دَبْرا

مَليلَةُ أخْتُ سبْتَةَ لمْ تَزالا — لَدى الإسْبانِ عانِيَتيْنِ أسْرا !

مرَرْتُ عليْهِما فلَمَسْتُ حُزْناً — ترَقْرَقَ أدْمُعاً تنْثالُ حَرّى !

تحِنُّ لأمِّها جزُرُ الكَناري — سَبايا في يَدِ الإسبانِ حَسْرى !

عبَرْتُ جِبالَ أطْلَسَ ألفَ ميلٍ — ونِصْفَ الألْفِ قدْ أُمْرِعْنَ شُجْرا

تلوحُ كأنَّها أرْتالُ إبْلٍ — تَجوبُ المَغْرِبَ العَرَبيَّ خَطْرا !

تَمَدَّدُ بيْنَ رأْسِ البَوْنِ شَرْقاً — لأقْصى حدِّها غرْباً دُهَيْرا !

وقدْ زخَرَتْ بها الغاباتُ أرْزاً — وبَلّوطاً وصَفْصافاً وحَوْرا !

فلاحَتْ غرْبَها صحْراءُ عانَتْ — وما زالتْ صِراعاً مسْتَمِرّا !

قدِ انقَسَمتْ لساقِيةٍ ووادٍ — تشُحُّ مياهُها وتَقِلُّ وَرّا !

فبوليسارِيو تسْعى إليْها — كحَقٍّ في العُيونِ وفي الكُويْرا

فأدْرَكْتُ الكُوَيْرَةَ بِئْرَ ذِئْبٍ — مُسَمّىً إذْ حَوَتْ للذِّئْبِ بِئْرا !

مُلاصِقَةً نواذيبو كرَأْسٍ — بأقْصى غَرْبِ أرْضِ العُرْبِ شَفْرا

تَجاوزْتُ الحُدودَ فطِرْتُ عُمْقاً — إلى شَنْقيطَ كالمَيْمونِ زَجْرا !

فجُبْتُ رحابَ موريتانِيا كيْ — أرى المِلْيونَ منْ قدْ صاغَ شِعْرا !

فلمْ أرَ وصْفَ أمْسِ اليَوْمَ فيهِ — ولمْ أرَ لا جَريرَ ولا زُهُيْرا !

ولكنّي رأيْتُ بهِ نُفوساً — بَسيطاتٍ ملَكْنَ الجودَ عِكْرا

حَوى البيضانَ والسّودانَ عِرْقاً — إذِ اخْتَلَطوا مَعاً بِيضاً وسُمْرا

(6) — (خاتمة الرحلة)

أرى الوَطَنَ الكَبيرَ غَدا رَهيناً — لأشْباهِ الرِّجالِ وضاقَ عُرّا !

عواصِمُهُ دُمىً في كفِّ حاوٍ — يحرِّكُها فلا تَعْصيهِ أمْرا !

بيادِقُها رويْبِضَةٌ خِناثٌ — يُباعُ زِمامُها بخْساً ويُشْرى !

مضَتْ في ركْبِ سيِّدِها عَبيداً — تَعيشُ على الفُتاتِ لدَيْهِ أجْرا !

فلا تُرْجى المَروءَةُ منْ عَبيدٍ — أضاعَتْ خلْفَها التّاريخَ هدْرا !

خِلافاتُ الحُدودِ أبَتْ حُلولاً — لدى أقْطارِهِ فعَضُلْنَ جَسْرا !

فقَدْ رسَمَتْ بهِ سايِكْسُ بيكو — حُطامَ فسيْفِساءٍ دامَ كسْرا !

رأيْتُ الشَّعْبَ فيهِ قدْ تَشظّى — طوائِفَ لا تَرى للكسْرِ جَبْرا !

أبى إلا التَّناحُرَ دونَ جدْوى — فصارَ لهُ الحِمى المُنْداحُ قَبْرا !

أتَذْكُرُ قصَّةَ الثّيرانِ لمّا — تفرَّقَ شمْلُهُنَّ أُكِلْنَ تتْرى ؟!

يَعِشْنَ بظلِّ مزْرعَةٍ ترامتْ — مُروجاً مُمْرَعاتِ السَّرْحِ خُضْرا !

صنَعْنَ لهُنَّ راياتٍ رُموزاً — لها ألْوانُهُنَّ فزِدْنَ أزْرا !

أتى أسَدٌ فسيَّجَها بسورٍ — فأفْرَغَ منْ لَظاهُ عليْهِ قِطْرا !

فما اسْطاعوا يَداً كيْ يَظْهَروه — وما اسْطاعوا لهُ نقْباً وحفْرا !

مضى يوْماً يُفاوِضُها بمَكْرٍ — ليوقِعَ بينَها حِقْداً ووَغْرا !

فأوْغَرَ نافِثاً صدْرَيْنِ منْها — عَداوَةَ أبْيَضِ الثّيرانِ جهْرا !

فوافقَ توْأماهُ لدى اتِّفاقٍ — ليأكُلَهُ وقدْ باعاهُ غدْرا !

وأتْبَعَهُ بأحْمَرِها انْفِراداً — بهِ ورِضىً لأسْوَدِها أُقِرّا !

ولمّا جاءَهُ في يوْمِ نحْسٍ — يُحاكي لوْنَهُ ليَموتَ بَقْرا...!

أشارَ إلَيْهِ : مهْلَكَ لي رَجاءٌ — لدَيْكَ بكِلْمَةٍ لي ليْسَ غيْرا !

رأيْتُكَ آكِلاً أخَوَيَّ قبلي — لأصْبِحَ ثالِثَ الأخَويْنِ دوْرا !

ولمّا أتَّعِظْ بهِما عِناداً — فذُقْتُ وَبالَ منْ لمْ يوقَ حِذْرا !

ويوْمَ أكلْتَ أبْيَضِنا خسِرْنا — نقاءَ قلوبِنا حُبّاً وطُهْرا !

فإنّي ما أُكِلْتُ اليوْمَ لكنْ — بيوْمِ الأبْيَضِ المَغْدورِ وَتْرا !

تَعودُ اليوْمَ قصَّتُها بِحالٍ — بها الضِّرْغامُ حيْثُ دَعَتْهُ يَغْرى !

تسلَّلَ للحَظيرَةِ في دَهاءٍ — فأرْعَبَ زُمْرَةَ الثّيرانِ زَأْرا !

يَرى الإثْنيْنِ والعِشْرينَ ثوْراً — بها مُلْكاً لهُ كَنْزاً وذُخْرا !

فقدْ ضحَّتْ بأبْيَضِها عَساها — بهِ تُرْضي بفُرْقَتِها الهِزَبْرا !

وتعْلَمُ أنَّها ستُساقُ تتْرى — إلى جَزّارِها ثوْراً فثَوْرا !

رَجَعْتُ إلى ديارِ الجَدِّ عَلّي — أعيشُ بها رضِيَّ النَّفْسِ عُمْرا !

لأرْضِ القُدْسِ تاريخاً عَريقاً — تواءَمَ شعْبُها خيْراً وضَيْرا !

فليْتَ حَماسَ يجْمَعُها الْتِئامٌ — بفتْحٍ كيْ يُشَدَّ الشَّعْبُ ظَهْرا !

تعلَّمْتُ الكَثيرَ منَ ارْتِحالي — فأتْرعْتُ الوِفاضَ وفاضَ غُزْرا !

فرُبَّ تَنوفَةٍ حلَّقْتُ جوْباً — بها واجْتَزْتُ مُرْتَفَعاً وهَوْرا !

وكمْ حاذَرْتُ في سَفَري احْتِساباً — فُجاءَةَ غِيلَةٍ شَرَكاً وصَقْرا !

وحينَ عرَفْتُ أطْباعَ الوَرى كمْ — حمَدتُّ اللهَ أنْ أُبْدِعْتُ طيْرا !

ذَكَرْتُ خُلاصَةَ الأخْبارِ عِنْدي — فلوْ فصَّلْتُها لنَطَقْتُ دَهْرا !

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • ارتياب: الارْتِيَابُ [ريب]: مصـ.-: الشكُّ؛ لا أدري لِمَ ينظر إليه نظرة ارتياب/ مدّة الارتياب، أي المدة التي تسبق إعلان الإفلاس.
  • بالهدهد: الهُدْهُدُ : جنس طير من الجواثم الرقيقات المناقير، له قنزعة على رأسه وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لا أَرى الهُدْهُدَ-: كلُّ ما يقرقر من الطير.-: الحمام الكثير الهدهدة ج هَدَاهِدُ.
  • تلفت: تَلَفَّتَ يَتَلَفَّتُ تَلَفُّتــاً :- إلى الشيءِ: انصرف إليه بوجهه .-: أدار رأسه يميناً أو شمالاً ؛ وتَلَفَّتتْ عَيْنِي َفمُذْ خَفِيَتْ ** عَنّي الطُّلولُ تَلَفَّت القلبُ
  • سيرا: السِّيَرَاءُ : ضَرْب من البُرودِ فيه خطوط صفر.-: ثوب مسيَّر فيه خطوط من القز كالسُّيور.-: الذهَبُ الصّافي الخالص؛ يحفظ في خزانته سبائك سِيرَاء.-: القِشرةُ اللازقَة بالنواة.
  • شرود: الشَّرُودُ : النّافِرُ؛ غزالٌ شَرُودٌ/ قافيةٌ شرودٌ، أي قصيدة منتشرة ذائعة.
  • ضرا: ضرا: ضَرِيَ بِهِ ضَراً وضَراوَةً: لهِجَ، وَقَدْ ضَرِيتُ بِهَذَا الأَمر أَضْرَى ضَراوَةً. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ للإِسلام ضَراوَةً أَي عَادَةً ولَهجاً بِهِ لَا يُصْبَرُ عَنْهُ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ …
  • عساه: عسا: عَسَا الشيخُ يَعْسُو عَسْواً وعُسُوّاً وعُسِيّاً مثلُ عُتِيّاً وعَساءً وعَسْوَةً وعَسِيَ عَسًى، كلُّه: كَبِرَ مثلُ عَتِيَ. وَيُقَالُ لِلشَّيْخِ إِذَا وَلَّى وكَبِرَ: عَتَا يَعْتُو عُتِيّاً، وعَسا يَعْسُو مِثله، وَرَ …

قصائد ذات صلة

  • أسير الذئب
  • رؤوس تحت الرمال
  • هيت لك
  • حمار الحطاب
  • جارة القمر
  • ذيول العباءات
  • الحليب الأسود
  • قبلة وداع لهولاكو الجديد