تراث
الشاعر: حبيب شريدة · البحر: البسيط
«تراث» من شعر حبيب شريدة، وتقع في 157 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قال الحفيدُ وفي كفيْه (إسْ فورُ) : — هذا (الجلاكسي) بأيدي الناس مشهورُ
يلغي المسافاتِ فوق الأرض حيث غدتْ — حدودُها قريةً قد لفَّها سورُ
ويجلب الصحبَ لي ماشئتُ عن كثب — بالـ(شّاتِ) يجمعنا صوتٌ وتصويرُ
فلا تباعدُنا جنسيَّة ودمٌ — ولا لسانٌ ولا دينٌ ودسْتورُ
بالعلم قد سافر الإنسانُ مخترقاً — عمقَ الفضاء وجابتْهُ المسابيرُ
لقد تطوَّرتِ الدنيا بساكنها — وأنْتَ يا جدُّ لم يمسَسْك تطويرُ
ما زلتَ تُمسكُ بالماضي وتحفظُهُ — باسْمِ التراثِ جُموداً وهْوَ مغْمورُ
*** — أجبْتُهُ بوقار الشيْخ مبتسماً
دأْبي إذِ انْفرجتْ منّي الأساريرُ — يبدو كأنَّك لمْ تقرأْ حضارتَنا
مجْداً تليداً وبالتغْريب مبْهورُ — نسيتَ نفسَك في طوفانهِ شططاً
وطوَّحتْ بك للعمْقِ الأعاصيرُ — لم أنتقِصْ قطُّ منْ قدْرِ العلومِ ولنْ
يكونَ هذا فإنَّ العلمَ تنْويرُ — عصري لعصرك رفدٌ لا يعارضُهُ
فكلُّ عصرٍ له رؤْيا وتفْكيرُ — ليست تفرقنا الأجيال بل ركمت
فيها التجارب ذخراً والتدابيرُ ! — كنا ندافعُ عن أوطانِنا شرفاً
متى الجهادُ دعانا : للعُلا سيروا — ماذا جنيْتَ من التعليمِ في زمَنٍ
فيه القوانينُ تمْييعٌ وتخْديرُ ؟! — وكُمِّمتْ فيه أفواهُ الأباةِ خنىً
حتى الكلامُ على الأحْرارِ محْظورُ ! — بنَتْ كتاتيبُنا الأجيالَ معرفةً
فما الحضارةُ تشييدٌ وتعْميرُ ! — مضى (خليلُ السَّكاكيني) وقد بُعِثتْ
به المعارفُ والمنْهاجُ مأثورُ ! — وجاء مِنْ بعدِهِ مَنْ رامَ عوْلمةً
فقُزِّمَ العلمُ حتّى سادَ مغْرورُ ! — وأصبحتْ حلقاتُ العلمِ سفْسَطةً
قامتْ عليْها شعاراتٌ وتنْظيرُ ! — لم تجْنِ منها عقولُ الجيلِ منْفعةً
إلا القشورَ لأنَّ اللبَّ منْخورُ ! — يظنُّ جيلُك أنَّ الأمْسَ منْدثرٌ
وأنَّ حاضِرَهُ عنْ أمْسِ مبْتورُ ! — ***
يكادُ يُعْجزُني الإفْهامُ واأسَفي — رُبَّ امْرِئٍ داؤُهُ للفهْمِ تحْجيرُ !
ليْسَتْ تُزحْزحُ تصْويباً قناعتُهُ — وليسَ ينْفعُهُ طبٌّ ودكْتورُ
تهُزُّ رأسَكَ...عُدْ للغرْبِ مَنْ أخذوا — عنّا الحضارةَ...قد يُنْبيكَ سِنْيورُ
لمْ يكْتسبْ جيلُكَ الرَّخْويُّ منْهُ سوى — جنْزٍ وقَصَّةِ مارينْزٍ وملْبورو
واحسرَتاهُ عليهِ تاهَ مبتعِداً — عن اللُّبابِ إلى ما فيهِ تخْسيرُ !
لمّا ينلْ في غِمارِ التّيهِ بُغْيتَهُ — وما ذَخيرتُهُ ما تاهَ قِطْميرُ !(1)
عُدْ للفِرنْجَةِ آداباً ومعْرفَةً — قد يُفْهمونَكَ ما هذا الفُلُكْلورُ(2)
بنَوْا حضارةَ (أوْروبّا) فكانَ لهمْ — دوْرُ الرِّيادةِ فانْجابتْ دياجيرُ
منهمْ(جَلِيلْيو)و(دافنْشي)و(بتْهُوفِنٌ) — و(مُونْتِسِكْيو)و(جَانْ روسّو)و(بُودْليرُ)
كمْ دوْلةٍ مثْلِ(كوبا)معْ قضيَّتِنا — و(فَنْزَويلّا) و(إكْوادورَ) و(الْبيرو)!
لسْنا نُعادي أباةَ الغرْبِ رُبَّ صَدٍ — منْهمْ(رَؤولُ)و(شافيزٌ)و(مادورو)(3)
خذْ ما تشاءُ فهذا كَنْزُنا وبهِ — أصْلُ الثَّقافةِ ذُخْراً والمَعاييرُ
أخَّرْتَ موْعدَ نوْمي قمْ فنَمْ فغَداً — شغْلٌ وما لصلاةِ الصُّبْحِ تأخيرُ
*** — صلَّيْتُ فجْراً كدأْبي واتَّجهْتُ إلى
ربّي دُعاءً لعلَّ الذنْبَ مغْفورُ — فتَحْتُ خُمَّ دَجاجاتي لأعلِفَها
فداهمَتْني فِراراً فيهِ تحْريرُ(4) — هبَّتْ تَدافَعُ كالأسْرى إذِ انْعَتَقوا
منْ سجْنِهمْ وبهِ لمْ يبْقَ مأسورُ — وضعْتُ في مُقْرِها ماءً وقدْ هجَمَتْ
عليْهِ وازْدَحَمتْ فيهِ المَناقيرُ(5) — وبعْدما شرِبتْ عادتْ لملْعبِها
تُنَقِّرُ الأرضَ حيثُ الحَبُّ مبْذورُ — وقمْتُ أنْظرُ أحْوالَ الحظيرةِ منْ
مَؤونةٍ ديْدَناً لي فيهِ تبْكيرُ — لبسْتُ قُمْبازِيَ الجوخِيَّ معْتمِراً
كوفِيَّتي وعِقالي وهْوَ مفْخورُ(6) — وشدَّ خاصِرَتي اليُمْنى بزينَتِهِ
شِبْريَّتي تحْتَ لاوَنْدِيَّ تزْنيرُ(7) — وضعْتُ حِلْسَ حماري معْ حِياصَتِهِ
عليْهِ والخُرْجَ فيه الزّادُ مصْرورُ(8) — نهَرْتُهُ فمشى دوني لأتْبَعَهُ
تنْأى رُوَيْداً رُوَيْداً خلْفَنا الدّورُ — يمْضي إلى الحقْلِ مَزْهُوّاً حُمولتُهُ
عودُ الحِراثَةِ تحْدوهُ التَّياسيرُ — يمْضي بلا حَرَنٍ للشُّغْلِ ما طُلِبَتْ
منْهُ المَعونةُ تُغْريهِ المَشاويرُ — ماانْفَكَّ يَخْدِمُني طوْعاً ويُخْلصُ لي
وليْسَ يُثْنيهِ عنْدَ الجِدِّ تقْصيرُ — واللهِ إنَّ حِماري في رشاقَتِهِ
أغْلى بعيْنيَّ منْ(بُورْشٍ)و (باجيرو)! — ***
فِلاحةُ الأرْضِ في الأوْطانِ يَلْزمُها — جِدٌّ وصبْرٌ وتصْميمٌ وتحْضيرُ
تمُرُّ في موْسِميْنِ اثْنَيْنِ حيْثُ هُما — (بدْري ووَخْري)وفي البدْريِّ تعْفيرُ(9)
يأتي خَريفاً ومحْصولاتُهُ خُضَرٌ — تُجْنى ربيعاً وبَقْلٌ ثُمَّ تشْجيرُ
والموْسمُ الآخَرُ الوَخْريُّ ناتِجُهُ — صيْفاً وموْسمُهُ للبذْرِ ممْطورُ
تُهاجرُ الطَّيْرُ للأوْطانِ يدْفعُها — طقْسٌ وقوتٌ وأحْداثٌ وتكْثيرُ
منْها القَطا وأبو سعْدٍ وأمُّ سكَوْكَعٍ ورَخْمةُ مِصْرٍ والزَّرازيرُ — قدْ قيلَ(عامُ القَطا بيْعُ الغَطا)ولَدى
(عامِ الزَّرازيرِ تحْيا أرضُكَ البورُ) — ***
أشْتمُّ رائحَةَ الأعْشابِ تخْلِطُها — نداوَةُ الطّينِ والمحْراثُ مجْرورُ
يَشُقُّ أشْهى تُرابٍ نحْنُ نعْشقُهُ — والكِرْكَزَنُّ حَيالي وهْوَ مسْرورُ(10)
يجْري ليلْتقِطَ الدّيدانَ يتْبعُني — في التَّلْمِ خلْفي كما ينْقادُ طابورُ(11)
وإنْ تَطلَّبَ حرْثُ الأرْضِ في عَجَلٍ — أدّى المَهمَّةَ إنْجازاً تَرَاكْتورُ
*** — نُعشِّبُ الزَّرْعَ كيْما لا يُضِرَّ بِهِ
نبْتٌ تَطَفَّلَ فالإهْمالُ تتْبيرُ — ترْعى الخِرافُ لدى الوادي فيُطْربُها
عزْفُ الرُّعاةِ تؤدّيهاالمَزاميرُ — تنْداحُ زاهِيةً حوْلي الكُرومُ على
هامِ التِّلالِ تُوَشّيها الأزاهيرُ — تشْدو الطيورُ على أغْصانِها طرباً
كأنَّها جنَّةٌ تلْهو بها الحورُ — ولا تَكُفُّ مقاقاةً مُنادِيَةً
على السُّفوحِ الكَتاكيتَ الشَّنانيرُ(12) — فيها النَّواطيرُ قالوا في عرائِشِهمْ
وقْتَ الهَجيرِ وفي أكْنافِها ووروا(13) — وفي المَساءِ يَلُمُّ الصَّحْبَ سامِرُهمْ
تحْتَ العرائِشِ والمِصْباحُ ساهورُ(14) — وفي المَضافاتِ للسُّمّارِ أنْديَةٌ
تُرْوى الوقائِعُ فيها والأساطيرُ — تُثارُ فيها القَضايا في مُداوَلَةٍ
يُحَكَّمونَ بها مَنْ منْهُمِ اخْتيروا — وإنْ تَحِنْ ساعةٌ للهَزْلِ تسْلِيَةً
تحْلُ الطَّرائفُ فيها والفَوازيرُ — ***
تعْلو السَّنابلُ عِزّاً وهْوَ ديْدَنُها — عنْدَ النُّضوجِ يُزينُ الحَبَّ يُخْضورُ
نخْتارُ أيْنعَها نخْباً لنَصْنعَهُ — فَريكَةً حُبُّها في النَّفْسِ مفْطورُ(15)
تُطأْطئُ الهامَ ثُقْلاً حينَ يمْلأُها — خيْرٌ يُبشِّرُنا بالحصْدِ موْفورُ
نُسابِقُ الطَّيْرَ تبْكيراً لنَحْصدَها — قشّاً يُرَتِّبُهُ حزْمٌ وتغْميرُ(16)
منْ ثَمَّ تنْقلُها للدَّرْسِ موثَقَةً — على القَوادِمِ حيْثُ البَيْدَرُ العِيرُ(17)
*** — وكمْ جلسْتُ على لوْحٍ بأسْفلِهِ
قدْ رُصِّعَتْ بالحَصى الصَّلْدِ الأحافيرُ !(18) — يدورُ فوْقَ بساطِ القشِّ يسْحبُهُ
ثوْرانِ ثُبِّتَ في عُنْقيْهِما النّيرُ(19) — وما تلَبَّدَ بالشّاعوبِ ننْفشُهُ
حتّى يُتَمِّمَ سَحْقَ القشِّ تدْويرُ(20) — والبعْضُ يلْجأُ للآلاتِ حيْثُ بها
للوقْتِ والجُهْدِ تسْريعٌ وتوْفيرُ — وحينَ ندْرُسُها لا بدَّ يعْلَقُ ما
تحْتَ الثِّياب وفي الأذْنيْنِ سَفّيرُ(21) — وتَفْصِلُ الحَبَّ بالمِذْراةِ تذْريَةٌ
عنْ تِبْنِهِ ثُمَّ بالغِرْبالِ تكْريرُ(22) — صليبَةً جُمِعَتْ حبّاتُها ذهَباً
على البَيادرِ تُحْصيها القَناطيرُ(23) — نَضُبُّها في شِوالاتٍ فننْقُلُها
حيْثُ الخَوابي كُنوزاً والمَطاميرُ(24) — تنالُ منْها لدى الإنْتاجِ حِصَّتَها
ما تَسْتحِقُّ مِنَ الأجْرِ النَّواطيرُ — ***
تَبدو المَقاثي بساطاً تحْتَهُ زحَفَتْ — سوقاً خِيارٌ وبِطّيخٌ وعَجّورُ(25)
تَسَمَّرَتْ ثَمَّ فزّاعاتُها حَرَساً — سلاحُهُمْ عُلَبٌ فُضَّتْ وطَنْطورُ(26)
تهزُّها الرّيحُ ما مرَّتْ بقَرْقعَةٍ — فلا تُغيرُ على الحقْلِ العَصافيرُ
ما سرْتُ في السَّهْلِ أيّاً كانَ موْسمُهُ — إلاّ ولاحَتْ لعَيْنيَّ الطَّنابيرُ(27)
تجْري على عجَلاتٍ ههُنا وهُنا — مجْرورةً بحمارٍ وهْوَ منْهورُ(28)
تُزوِّدُ البَدَّ بالزَّيْتونِ يَضْرِسُهُ — وتُرْجِعُ الزَّيْتَ منْهُ وهْوَ معْصورُ(29)
والقشَّ والحَبَّ والأشْتالَ تنْقلُها — كذا الثِّمارَ وتحْويها السَّحاحيرُ(30)
وكلَّما حمَلَتْني خُطْوةٌ قَرُبَتْ — مِنَ البَعيدِ لعَيْنيَّ التَّعاميرُ !(31)
سِياجُها السَّرْوُ والصَّفْصافُ مِسْطرةٌ — والسِّنْدِيانُ أوِ البلّوطُ والحُورُ(32)
فيها الفَواكِهُ أصْنافٌ يُرتِّبُها — بجانِبِ اللَّوْزِ والزَّيْتونِ تسْطيرُ
وخضَّبَ الخَجَلُ العُنّابَ وَجْنَتَهُ — وعانَقَ العَبْهرَ البرّيَّ زَعْرورُ(33)
وأفْرَزَ البُطْمُ عِلْكاً منْهُ مِسْتَكَةٌ — سِوى الطَّعامِ لهُ بالحرْقِ تبْخيرُ(34)
ومِنْ نَوى العَبْهرِ البَرّيِّ إذْ صُنِعَتْ — أبْهى المَسابِحِ للكَفّيْنِ تعْطيرُ(35)
وأرْضُنا صيْدليّاتٌ فزعْترُها — ومَرْيَميَّتُها للدّاءِ إكْسيرُ !(36)
*** — نجْني ثمارَ الدَّوالي بعْدَ تغْطِيَةٍ
كأنَّها الدرُّ في العُنْقودِ مسْجورُ !(37) — ونقْطِفُ التّينَ يعْلوهُ النَّدى عَسَلاً
ويُنْتَقى منْهُ قبْلَ النُّضْجِ دافورُ(38) — ونقْطِفُ الصَّبْرَ أكْوازاً مُلوَّنَةً
تَطالُها خَشْيَةَ الشَّوْكِ السَّنانيرُ(39) — ونجْمَعُ اللَّوْزَ جَدّاً بالعِصيِّ بلا
أذىً لأغْصانِهِ يتْلوهُ تقْشيرُ(40) — ونجْمَعُ التّينَ ذُبَّيْلاً وننْشُرُهُ
على المَساطيحِ ينْأى عنْهُ تغْبيرُ(41) — كأنَّ رصْرَصَةَ القُطّينِ ينْقُصُهُ
صوْتُ الرَّنينِ لدى سَكٍّ دَنانيرُ !(42) — كأنَّما العَسَلُ المُشْتارُ متْرَعَةً
منْهُ الجِرارُ نُضارٌ ثَمَّ مصْهورُ ! — يَلُفُّهُنَّ قِماشٌ يتَّقينَ بهِ
ضُرَّ الرُّطوبَةِ بالمَخْزونِ ممْدورُ — ***
بعْضُ الخُضارِ إذا فاضتْ نُجفِّفُها — لغيْرِ موْسِمِها والقوتُ مذْخورُ
منْها مِلوخِيَّةٌ أوْراقُها فُرِطَتْ — وحَبُّ بنْدورَةٍ نِصْفَيْنِ مشْطورُ
أمّا القلائِدُ والأطْواقُ بامِيَةٌ — كأنَّها بعْدَما شُكَّتْ جَنازيرُ
وحينَ يجْلِدُنا برْدُ الشِّتاءِ يَرى — أكْلَ البَسيسَةِ والقُطّينِ مقْرورُ(43)
*** — نُعِدُّ للقمْحِ أكْياساً ليَطْحنَهُ
بقَدْرِ حاجٍ لدى الطحّانِ بابورُ(44) — يُؤْتى بباطِيَةٍ للعجْنِ منْ خشَبٍ
منْ بعْدِهِ الخَبْزُ أنّى تمَّ تخْميرُ(45) — تُزبِّلُ النِّسْوةُ الطّابونَ تهْيِئَةً
للخَبْزِ حينَ يَطالُ الرُّضْفَ تجْميرُ(46) — يُدْحى العَجينُ وتأتي مَنْ ستَخْبزُهُ
بِهِ مَعَ الفجْرِ إذْ هلَّتْ تَباشيرُ — كُرْسيُّها حَجَرٌ كيْ تستَريحَ لدُنْ
رَقِّ العَجينِ وقلْعِ الخُبْزِ مسْتورُ — تُبْدي الصِّمامةَ بالمِقْحارِ مُبْعدَةً
عنْها الرَّمادَ فإذْ ما تمَّ تقْحيرُ...(47) — تُدْلي الرُّقاقَةَ في الطّابونِ مُرْجِعَةً
غَلْقَ الصِّمامةِ طمْراً وهْوَ تقْبيرُ(48) — يُطْهى المُسخَّنُ فيهِ يا لَلَذَّتِهِ
كَما يَلَذُّ بِهِ شَيٌّ وتحْميرُ !(49) — والبعْضُ يسْتخْدِمُ التنّورَ مخْبَزَهُ
أنّى يكونُ كَما الطّابونِ تنّورُ؟! — ***
بُيوتُنا كقِلاعِ الرّومِ صامِدةٌ — معْقودَةٌ ما بِها للعُمْرِ تأثيرُ(50)
في الصَّيْفِ باردَةٌ للحَرِّ عازلَةٌ — وفي الشِّتاءِ لديْها الدِّفْءُ محْصورُ
مُلْتفَّةٌ بجِنانٍ لاتَني عبَقاً — تشْدو البلابلُ فيها والشَّحاريرُ
فيها خُزامى وألوانٌ زنابِقُها — وياسَمينٌ ورَيْحانٌ ومنْثورُ
عريقَةٌ تشْهَدُ الأجْيالُ عِزَّتَها — أنيقَةٌ دونَها تزْهو الحَواكيرُ(51)
خضْراءُ تُزْرَعُ طولَ العامِ حُلَّتُها — خَسٌّ وسَلْقٌ ونعْناعٌ وجَرْجيرُ
نُزْلُ الضُّيوفِ مَتى حلّوا وإنْ رحَلوا — وكلُّ بيْتٍ لهُ في بابِهِ زيرُ(52)
يَسْقي العِطاشَ سبيلاً لا يُرادُ بهِ — إلا ثوابٌ مِنَ الوهّابِ مبْرورُ
وللنِّساءِ لديْنا الثَّوْبُ زُخْرُفَةٌ — تَعَدَّدَ الذَّوْقُ فيهِ والتَّعابيرُ
فيهِ انْسِجامٌ مَعَ الألْوانِ يرْسُمُهُ — ما يُبْهرُ العيْنَ تَطْريزٌ وتخْويرُ(53)
*** — يَحِلُّ تَشْرينُ بالخيْراتِ مكْتنِزاً
يَليهِ تَشْرينُ ثاني التَّوْأَمُ الخِيرُ — هُما(التَّشارينُ)في القرآنِ موْسمُهُ
في سورةِ النّورِ حيْثُ النّورُ والنّورُ(54)! — تُشمِّرُ النّاسُ لاسْتقْبالِهِ فَرَحاً
عَنِ السَّواعِدِ فالتَّرْحابُ تشْميرُ — تُهيَّأُ البئْرُ عنْدَ البعْضِ إنْ كثُرَتْ
أشْجارُهُ بعَطاءٍ ضمَّهُ البيرُ — والبعْضُ يمْلِكُ مِنْ زيْتٍ مَؤونَتَهُ
رزْقاً مِنَ اللهِ تحْويهِ القَواريرُ — وبعْدَ أنْ نقْطِفَ الزَّيْتونَ نُرْسِلُهُ
حيْثُ المَعاصِرُ إنْ بَدٌّ ومُوتورُ — يَفيضُ شلّالُهُ في الحوْضِ منْهمِراً
كأنَّهُ السَّيْلُ والمِزْرابُ أُحْدورُ(55) — نَغُتُّ أرْغِفَةَ الطّابونِ ساخِنَةً
في الحَوْضِ حيْثُ بِهِ للزَّيْتِ تطْفيرُ(56) — وما تَبقّى فَجِفْتٌ كيْ يُجَنِّبَنا
بَرْداً تُقَصُّ بهِ قيلَ المَساميرُ !(57) — وما تَعَكَّرَ بالطُّرْطُبِّ نَفْرزُهُ
فليْسَ يؤْكَلُ زيْتٌ فيهِ تعْكيرُ(58) — لكنْ يُصَنَّعُ صابوناً مراحِلُهُ
طبْخٌ وبَسْطٌ وتقْطيعٌ وتنْشيرُ — فالشُّكْرُ للهِ موْصولٌ على نِعَمٍ
ليْسَتْ تُحَدُّ إلى أنْ يُنْفَخَ الصّورُ — ***
كانتْ مَضافَةُ جَدّي أمْسِ عامِرَةً — بالصَّحْبِ يَجْمعُهُمْ وُدٌّ وتقْديرُ
أشْتَمُّ فيها بَخورَ الهنْدِ منْتشِراً — لدى الزِّيارَةِ تهْواهُ المَناخيرُ
وكانَ يعْبَقُ مِسْكٌ مِنْ عباءَتِهِ — لمّا يُعانِقُني شوْقاً وكافورُ
سِراجُها ساهِرٌ مِنْ أُنْسِهِ مَعَنا — وصادِحٌ لِدِلالِ البُنِّ بَبّورُ(59)
ويَسْحَقُ القهْوةَ المِهْباشُ يَخْلِطُةُ — بالهالِ والكُلُّ بالإيقاعِ محْبورُ(60)
سُقْياً لعَهْدٍ مَضى ياليْتَ مَرْجِعَهُ — ما فيهِ حقْدٌ ولا غِشٌّ ولا زورُ !
كانَ الجُنَيْهُ الفِلسْطينيُّ عُمْلَتَنا — لا الشيقلُ المسْخُ والدّولارُ واليورو
هذا التُّراثُ لدى الجيلِ الجَديدِ هَنٌ — مُسْتَهْجَنٌ مُهْمَلٌ فيهِ ومهْجورُ !
مَنْ ليسَ يحفظُ ماضيهِ فليْسَ له — مستقبَلٌ وهْوَ في محْياهُ مقْبورُ !
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التراث: [و ر ث]. 1."تَرَكَ تُرَاثاً هَائِلاً" : إِرْثاً. 2."تُرَاثُ الأُمَّةِ" : مَا لَهُ قِيمَةٌ بَاقِيَةٌ مِنْ عَادَاتٍ وَآدَابٍ وَعُلُومٍ وَفُنُونٍ ويَنْتَقِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ. "التُّرَاثُ الإنْسَانِيُّ" "التُّرَاثُ ال …
- الحفيد: الحفِيدُ : ولَدُ الولد وَجعل لَكُم مِنْ أزواجِكمْ بَنِينَ وحَفَدَةً ج حَفَدَة وأَحْفَادٌ وحُفَداءُ.
- بالماضي: المَاضي [مضي] : فا.-: الزَّمَانُ الذي ولَّى وانقضى؛ الإنسان هو ما هو وليس ما كان في الماضي.-: السّيْفُ.-: الأسَد/ الفعل الماضي هو الفعل الذي دلّ على ما قبل في الزَّمان الذي أنتَ فيه وضْعاً / السيوف المَواضي أي القَواطِع …
- بساكنها: السَّاكِنُ : فا.-: خلافُ المتحرّك.-: هو، في الهندسةِ، جزءُ ثابت يتحرّك الدَّوَّارُ بالنّسبة إليه في آلةٍ مّا/ الحرفُ السّاكنُ، هو الحرف الّذي ليس عليه حركة الفتح أو الضّمّ أو الكسر ج سُكَّانٌ.
- تباعدنا: تَبَاعَدَ يَتَبَاعَدُ تَبَاعُدا :- القومُ: نأَى بعضهم عن بعض؛ وقد أخذوا يتباعدون بعد أن كانوا يلتقون في كلّ يوم.