جراح متمردة

الشاعر: حبيب شريدة · البحر: المديد · الغرض: قصيدة وطنية

«جراح متمردة» من شعر حبيب شريدة، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة وطنية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أيا وَطني ...! — عرفتُكَ منْ زمانٍ ...لستَ أنتَ كما عرفْتُكَ...

كلُّ شيءٍ قد تغيَّرَ... فالملامِحُ قد تغيَّرَ وسْمُها ... — أينَ البشاشةُ والسعادةُ حين كنْتَ تضمُّني شوْقاً لصدْرِكَ؟! ...

كم أحِسُّ بقربِكَ الفِطريِّ منّي ...! — آهِ ياوطني ...!

كأنَّك لمْ تعُدْ لي... قد تغيَّرَ كلُّ شيءٍ وامَّحى... — حتّى عباءَتُكَ الجميلةُ لمْ تعُدْ لكَ ...

ربَّما ألقيْتَها ولبسْتَ بذْلةَ عابرٍ ليْستْ بحجْمِكَ... — لم تعد وطني...!

فإنّي ما عهدتُّكَ تأكُلُ الأبناءَ غدْراً... — ما عهدتُّكَ تُغْلقُ الأبوابَ دوني بانتظارِ الإذْنِ لي منْ خاطفيكَ

ليسْمحوا ليَ بالدُّخولِ...وبَعدَهُ البوّابُ يمْنعُني...! — ***

أيا وطني ...! — لقد أصبحْتَ أوطانا ...

لقد ضاقتْ مرابعُنا وصارتْ قدْرَ قرشٍ حاصرَتْهُ ضراوَةُ المحَنِ ... — وحوصِرَ بينَ بحْرَيْنِ ...فلا ثغْرُ المحيطِ بغَرْبِهِ ثغْرُ ...!

ولا عطرُ الخليجِ بشرْقِهِ عِطْرُ ...! — وصار حَيالَهُ البحْرانِ مطرقَةً وسنْدانا ...

فأسْمَعُ أنَّةَ المدُنِ ...منَ الفيْحاءِ للشهْباءِ في الشّامِ ... — إلى الزَّوْراءِ في بلدِ الرشيدِ الرّافِعِ الهامِ ...

إلى صنْعاءَ في اليَمَنِ ... — لمجدٍ شادَهُ سيفُ بْنُ ذي يَزَنِ...إلى عَدَنِ ...

إلى تَطْوانَ أقصى الغرْبِ مَنْ كانتْ تعلِّمُنا...(بلادُ العُرْبِ أوْطاني)... — إلى الخضْراءِ تونُسَ للجزائِرِ ربَّةِ الشُّهَداءِ والشُّرفاءِ مَنْ رحَلوا...

إلى أرضِ الكِنانةِ والمُعِزِّ إلى طرابُلُسَ الإباءِ وقلعةِ المخْتارِ... — للقدْسِ التي قدْ ضيَّعَتْها زُمرةُ الخِصْيانِ ...

مَنْ زعَموا الشَّهامةَ آخرَ الزَّمَنِ ...! — ***

رأيْتُ دمي يسيلُ على سيوفِ بني أميَّةَ معْلناً كُرَبي... — وأعْوامَ الرَّمادةِ تحْتَ أنْظارِ الخليفةِ ...

يوْمَ تجرَّأَتْ رئَتايَ أنْ تستنْشِقا حريَّتي ... — ورأيْتُ سِلسِلَةَ الجَنازاتِ التي عَبَرتْ دروبَ الشامِ...

من درْعا إلى حَلَبِ ... — أطلُّ على ربوعِ الشامِ من خلفِ البساتينِ ...

فتبدو لي بعيْنيْها شجونُ الأرضِ أجْمعُها ... — وهوْلُ كروبِها المكْتومُ أوْجاعاً ...

تعذَّرَ أنْ تخبِّئَهُ ففاضَ بها أسىً ترْويهِ أدْمُعُها ... — فما عادتْ تُلوِّحُ لي بباقاتِ الرَّياحينِ ...

وما عادتْ إذا ما شاهَدَتْني هرْوَلَتْ نحْوي لتَحْضِنَني ... — فأبْصِرُها خلالَ الريحِ جالسةً تحدِّقُ في حرائِقَ أضْرِمَتْ مِنْ حوْلِها

وكأنَّما نظراتُها نحْوي تُعاتبُني ... — لماذا لمْ أهُبَّ لكيْ أساعدَها لأنقِذَها لأطفِئَ نارَها...؟!

وأنا أراها لاتَني تمْشي على نُصُلِ السَّكاكينِ ...! — وأُبْصِرُ ساحةَ اليرْموكِ مقْبرَةً ...

وقد كانتْ مَراحاً للعرائِسِ موْسِمَ الصَّيْفِ... — وذكرى نصْرِ تَشْرينِ...

فقمْتُ مودِّعاً وطني ... — وقمْتُ مفتِّشاً عنْ نصْفِيَ الثّاني فلمْ أعْثُرْ على نصْفي...

فضُيِّعَ نصْفُ تكْويني... — وحلَّ مكانَهُ وجَعٌ تمدَّدَ في شراييني...

رأيتُ به المخيَّمَ يمْلأُ الصحْراءَ... — ينْزفُ منْ نَواكْشوطٍ بموريتانِيا حتّى جبالِ عُمانَ في خَصَبِ ...

*** — لقد كانتْ سيوفُ بني أميَّةَ أمْسِ من خشَبِ ...

وظيفتُها حراسةُ أسْرةِ السلطانِ في زمَنِ السَّلاطينِ ...! — وحارسةً على أبْناءِ صُهْيونِ ...!

فكيفَ غدَتْ بقُدْرةِ قادرٍ غضباً يحُزُّ رقابَنا في كلِّ يوْمٍ دونَما سبَبِ؟! — ولمْ تَهَبِ ...!

قدِ ارْتاحَ العدُوُّ ونامَ ملْءَ العيْنِ في دَعَةٍ... — وأوْكَلَ قتْلَنا اليوْميَّ للعَرَبِ ...!

وسلَّمَنا لأشْرسِ قاتلٍ مِنْ مِثْلِهِ... — للطّائفِيَّةِ وهْوَ يشْعِلُها بأمْرٍ منْهُ مُرْتاحاً ...

على كرسيِّهِ الذَّهَبي ... — وراءَ فظائِعِ الحُجُبِ ...

وقامَ بشنْقِنا علَناً ... — وعلَّقَنا على الأشْجارِ قُرْبَ عرائِشِ العنَبِ...

تجرَّأَ بعدَها النّاطورُ إذْ ثارتْ حميَّتُهُ فأنْزَلَنا ليدْفنَنا بلا صَخَبِ ...! — ***

تمرَّدَتِ الجراحُ وأعلَنَتْ : لا خوْفَ بعدَ اليومِ يقمَعُ صوْتَنا ... — لا صمْتَ يجعلُنا حميراً حوْلَ ساقيةٍ تدورُ مَدى الحياةِ...

وغيْرُها يحْيا على آلامِها ... — لا صلْحَ يعْنينا...

ومنْذُئِذٍ تُطاردُني خفافيشُ الظَّلامِ... — وجوْقةُ الغِرْبانِ والغُرباءُ والأعداءُ...

والمُسْتمْرئونَ الذلَّ إذْ وضَعوهُ نيشاناً يُصنِّفُهُمْ إلى رُتَبِ... — ولمّا فتَّشوا بيْتي فلمْ يجدوا سوى كُتُبي...

وصورةِ أمِّيَ المرْحومةِ الفِضِّيَّةِ البرْوازِ تنظُرُ نحْوهُمْ بتقزُّزٍ... — وتكادُ تنْطِقُ... قدْ مررْتُمْ من هُنا ...

وسترْحلونَ لأنَّكُمْ أسطورةٌ نشأتْ مِنَ الكَذِبِ ... — وبِشْتِ أبي ...

بنفْسِ العُنْفُوانِ مُزيِّناً في الصدْرِ مجْلِسَهُ على الكَنَبِ... — وقِطْعةِ مَرْمَرٍ نُقشَتْ عليْها آيةُ الكرسيِّ ...

قد وجَدوا مثيلتَها بلا نَقْشٍ ... — أحالوها دليلاً للجريمةِ...

فاتُّهِمْتُ بأنْ قذفْتُ بها يهوديّاً تجرَّأَ أنْ يهاجمَ حاقِداً بوّابةَ الدّارِ... — ويحْرقَ شجْرَةَ الزيْتونِ في حاكورةِ الجارِ ...

وحينَ سُئِلْتُ عنْها ...كيفَ تعرفُها...؟! — ضحكْتُ وقلْتُ : هذي مِسْنَدٌ وضَعَتْهُ أمّي منْ زمانٍ تحْتَ قُوّارِ ...

وقلْتُ مغمْغِماً : فكِلاهُما سَنَدٌ لإصْراري...! — كتابُ اللهِ في صدْري...!

وما تخْشَوْنَهُ غضَباً لدى داودَ...أحْجاري...! — ***

لقد أصبحْتَ يا وطني...! — شهيداً لُفَّ في الكَفَنِ...!

فلمْ يجِدوا له علَماً يُلَفُّ به...قد اخْتلفوا على العَلَمِ ... — ومنْ بَعْدِ اجْتماعٍ صاخِبٍ لفّوكَ بالكفَنِ...

قد اتَّفقوا على الكفَنِ ... — وحينَ بدتْ لهمْ سوْءاتُهُمْ لمْ يقْدروا إخْفاءَها ...

إذْ أحْرقوا ورقَ الرَّبيعِ جميعَه في ساحةِ الغضَبِ ...! — وجاءوا بالخريفِ بديلَهُ قبلَ الأوانِ ...فما عَساهمْ يخْصفونَ...؟!

فكلُّ شيءٍ بائنٌ ... — لا فرقَ ما بيْنَ المُسالِمِ والمُساوِمِ والمُقاوِمِ ...

كلُّهمْ في سلَّةٍ...عوْنٌ على الإرْهابِ والإرْهابُ لمْ يُدَنِ ...! — وداعاً أيُّها الوطنُ الذي قد كنْتَ لي وطناً...!

وداعاً إنَّني ماضٍ لأبحثَ عنْكَ يا وَطني...!

البحر والقافية

القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • البواب: البَوَّابُ : حافظ الباب أو الآذن.-: فتحةُ المَعِدة الموصِلة إلى الأمعاء؛ أصابه التهاب في البواب فاحتاج للمعالجة العاجلة.
  • الفطري: الفِطْرِيُّ : ما يُنسب إِلى الفِطْرة أي ما يتعلّق بطبيعَة الكائن ويصاحبه منذ نشأته، غريزيٌُ، طبيعيٌّ؛ إِنَّه ذو سلوكٍ فِطْريٍّ ورَدِّ فِعْلٍ فِطْرِيٍّ.
  • بانتظار: [ن ظ ر]. (مصدر اِنْتَظَرَ). 1."غُرْفَةُ الانْتِظارِ" : غُرْفَةٌ يَبْقَى فيها الزَّائِرُ إلى أَنْ يَأْتِي دَوْرُهُ. 2."أَنا في اِنْتِظارِكَ" : في تَرَقُّبِكَ. "الانْتِظارُ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ".
  • بحجمك: حجم: الإِحْجامُ: ضدُّ الإِقْدام. أَحْجَمَ عَنِ الأَمر: كَفَّ أَو نَكَصَ هَيْبةً. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، أَخذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَنْ يأْخذ هَذَا السَّيْفَ بحَقِّه؟ فأَحْجَم الْقَوْمُ أَي ن …
  • بقربك: قرب: القُرْبُ نقيضُ البُعْدِ. قَرُبَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْرُبُ قُرْباً وقُرْباناً وقِرْباناً أَي دَنا، فَهُوَ قريبٌ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِ …
  • تضمني: تَضَمَّنَ يَتَضَمَّنُ تَضَمُّناً :- الشيءَ: اشتمل عليه واحتواه؛ تَضَمَّنَ كلامه أكثرَ من معنى / تضمَّن جدول الأعمال موضوع زيادة الإنتاج / تَضَمَّن الغيثُ النباتَ، أي أخرجه وأذكاه. - الأمرَ عنه: التزم به وغرمه؛ تَضَمَّن ق …
  • عابر: العَابِرُ : فا. -: الناظر في الشيء؛ عابرُ الكِتاب، أي من نظر فيه وتدبره من غير أن يرفع صوته في قراءته / عابر الأحلام أي مفسّرها. -: من جرت دمعته؛ حاولْ تجفيف دمعة العابر. -: الماضي أو الذاهب.- للسبيل: المارُّ فيه؛ عابرُ …

قصائد ذات صلة

  • أسير الذئب
  • أخبار الهدهد
  • رؤوس تحت الرمال
  • هيت لك
  • حمار الحطاب
  • جارة القمر
  • ذيول العباءات
  • الحليب الأسود