أمام المرآة
الشاعر: حبيب شريدة · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«أمام المرآة» من شعر حبيب شريدة، وتقع في 30 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قالوا هرمْتَ وما قلبي الذي هَرِما — لكنَّه العمرُ يبدي الشيب والسَّأَما !
فما أنا من يرى في الشيب منقصَةً — ولست من يندبُ العمرَ الذي انْصرما
فلا الهروبُ إلى الماضي سيرجعُهُ — ولا البكاءُ على أطلاله ندما
لن يرجعَ الدمعُ ما قد فات لو هُرِقتْ — عند الندامة أنهارُ الدموع دما
قد نلتُ ما تبتغيه النفسُ مقتنعاً — وراضياً بالذي في العيش لي قُسِما
قد اقتربْتُ من الستين وهْيَ لها — عطرُ الوقار لمنْ إحسانه عظُما
سلوا سوايَ الأُلى ناءوا بأنفسهم — إلى الكآبة كم دانوا لها خَدَما !
*** — نظرت وجهيَ في المرآة فارتعدَتْ
مني الفرائصُ مشدوهاً كمن صُدما ! — كأنني لم أكنْ من قبلُ منتبهاً
إليه ما مرت الأيامُ بي قُدُما ! — حتى شعرْتُ كأني لست أعرفه
أو ناب عينيَّ كيما لا أراه عمى ! — رأيت خارطةً دوني مجسمةً
تحوي تضاريسُها القيعانَ والقمما — رأيت أوديةً جفتْ روافدُها
كأنَّ يأجوجَ قد مرتْ بها أمما — رأيت صحراء قفْراً لا نباتَ بها
إلا القتادَ على كثبانها جثَما — ***
وقفت أنظر في المرآة أسألها — ماذا تغير بي في الوجه قد وُسِما ؟!
قالت : تأملْ عُبوس الناس كيف غدتْ — منه الوجوهُ صخوراً تشبه الصنما !
قلت : الفؤاد ربيعُ العمر يسكنه — ولن يغادرَهُ إن صحَّ أو سُقما
يأبى الركون إلى الأحزان منصرفاً — عنها بعيداً لآفاق السنى شَمما
يرقى إلى دارةِ الجوزاء معتلياً — على دروب أمانيه بها النُّجُما
قالت : محياكَ مرآة لنفسك ما — يكتمْ بها يُبْدِه كالشمس مرتسِما
بهاءُ وجهك تضفيهِ بشاشته — بالآخرين فلا تُبقي بهم ألما !
*** — نظرتُ ثانية فيها عسايَ أرى
شبابَ أمسي فلاحَ الأمسُ لي حُلُما — ولاح لي تعب الأيام أقرأه
على جبيني كتاباً بالعناء طَمى — فقلت : إنك مرآة مشوهة
كأنَّ سطحك رغم الصقل ما انتظما ! — أجابَتِ : العيبُ في عينيك لم ترَيا
سطحي صقيلاً ، فما ذنبي لأُتَّهَما ؟! — لم تدركا أثراً للضوْء منعكساً
وقد ترقرقَ ما بيني وبينهما ! — وبعدما طال صمتي وهْيَ ترقُبُني
جهْماً وقد سئمَتْ من صورتي بَرَما ! — قالت– وفي صوتها أصداءُ سخرية - :
عسى ابنُ آدم فيك اليوْمَ قد فَهِما... — أنَّ الحياة طريقٌ جدَّ عابرُها
إلى الخلود رضِيَّ النفس مبتسما !
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الهروب: [هـ ر ب]. (مصدر هَرَبَ). 1."حَاوَلَ الْهُرُوبَ مِنَ السِّجْنِ" : الْفِرَارُ مِنْهُ. 2."الْهُرُوبُ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ" : الاِبْتِعَادُ، التَّمَلُّصُ مِنْهَا.
- الوقار: الوَقَارُ : الرَّزانَة والحِلْمُ؛إِذا سمِعْتُمُ الإقامَةَ فَامشوا إلى الصَّلاة وعليكم بالسَّكينة والوقار -: العَظَمَة؛ رجلٌ وقارٌ، أي ذو وقارٍ.