أَهبتُ بالدمعِ إذ بانُوا فلبَّاني

الشاعر: أبو بحر الخطي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة شوق

«أَهبتُ بالدمعِ إذ بانُوا فلبَّاني» من شعر أبو بحر الخطي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة شوق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أَهبتُ بالدمعِ إذ بانُوا فلبَّاني ... حتى لقد خفتُ أنّ الدمعَ يغشاني

وانهلَّ من أحمرٍ قانٍ ومن يَقَقٍ ... كالدرِّ فُصِّلَ منظوماً بمَرجَانِ

دَمْعٌ يُذِيبُ أديمَ الخدِّ سائلُهُ ... لفرط ما صعّدته نارُ أحزانِ

ساروا وما أوقروا أحداجَ عيسِهِمُ ... إلاّ كَرَايَ على رُغمي وسُلواني

نَبَتْ بِيَ الدارُ حتى ضَاقَ أرحَبُها ... يومَ النوَى ونبا بالروحِ جثماني

مالي بهجرِهُمُ والدارُ جامعةٌ ... يدٌ فكيفَ بنأيٍ بعد هَجْرَانِ

يا صاحِبَيَّ ألمَّا بي على دِمَنٍ ... أقوتْ معالمُها من أمِّ عُثمانِ

عَلَّ الوقوفَ ولو لَوْثُ الإزارِ بها ... يُزيلُ بعضَ صباباتِي وأشجاني

وأوقفاني بِها من ثمّ لا تَسَلا ... لها السحابَ الغوادي بعد أجفانِي

فوقفتي في محاني كلّ منزلةٍ ... خيرٌ لها من مُلِثِّ الوَدْقِ هَتَّانِ

حَلفتُ لم أدر ما وادي العقيق ولا ... دارٌ تأبَّدَ مأواها بماوان

ولا الوقوفُ على الداراتِ من أَرَبي ... ولا مخاطبةُ الأطلالِ من شاني

ولا زَجَرْتُ غراباً في تعرُّضِهِ ... ولا أهبتُ بحادٍ خلفَ أظعانِ

ولا وقفتُ لغادي المُزْنِ أسألُهُ ... سَقْيَ المنازِلِ أقوتْ بعد سُكَّانِ

حتى عَلِقْتُ بأعرابيَّةٍ أَلِفَتْ ... رملَ الحِمى حيثُ تهفُو الريحُ بِالبَانِ

فاعتضتُ بالأَهْلِ وَحْشاً والديارِ فلاً ... فالوحشُ والبيدُ أخداني وأوطاني

هيفاءُ تُثني وشَاحَيها على غُصُنٍ ... تهفو بِهِ نَسَمَاتُ الدَّلِّ رَيَّانِ

غصنٌ ينوءُ بحِقْفٍ فوقَهُ قمرٌ ... يضيءُ في جنح جثلِ النبتِ فينانِ

تَمُجُّ ألحاظُها حَتْفاً تولَّدَ عن ... سِحْرٍ يَشُقُّ عصا مُوسَى بنِ عمرانِ

نواظرٌ نالنا من فتكهِنَّ بنا ... أضعافَ ما نال في الدار ابنُ عفَّانِ

أورَثْنَنا سَقَماً ما للمسيحِ يدٌ ... ببرئِهِ لا ولا للشيخ لقمانِ

تفترُّ عن موردٍ عَذْبِ النِطافِ على ... أرجائِهِ من نفيسِ الدرِّ سِمطانِ

يُثني الملمُّ بها عن ضمِّ قامتِها ... حُقَّانِ في الصدرِ من عاجٍ نَقيّانِ

تلك التي أورَثَتْني بَعدَ عافِيتِي ... سَقْماً أَلَحَّ على جسمي فأَخْفَانِي

وحارَبتْ بين جفنِيْ والرقادِ فما ... ألقى الدجى بسوى أجفانِ سهرانِ

وطالما بِتُّ أُحيي الليلَ مُرتشفاً ... ريقَ المُدامِ على ترجيعِ ألحانِ

يسعى بها ثَمِلُ الأعطافِ وجْنتُهُ ... كرَاحةٍ إذْ كلا لَونَيْهِما قاني

إذا عَلاَهَا نميرُ الماءِ أولدها ... دُرّاً تخلَّصَ عن أحشاءِ عُقْيانِ

أَنا الذي ضاقَ بيْ دهريْ وضِقْتُ به ... فنحنُ عند اتحاد الوصفِ مِثلانِ

إنْ شَاءَ لم أُعطِهِ والجودُ من شِيَمي ... والحزْمُ ذاكَ ولا إن شِئتُ أعطاني

ما سَرَّنِي فرآني ضاحكاً أبداً ... كلا ولا ساءني يوماً فَأبكاني

بلوتُ هذا الوَرى طُرّاً فما حصلتْ ... يدي على غيرِ بادي الغدرِ خَوَّانِ

إنّ الوزيرَ أدَامَ اللهُ دولتَهُ ... لَواحدٌ ما لَهُ في الناس مِنْ ثاني

أَهَابَ بي جودُهُ من بعدِما وقرَتْ ... عن استماعِ منادي العُرفِ آذاني

وشَدَّ أَزري بما ضَاقَ الثناء به ... ذرعاً فَفَهَّهَني عَجْزاً وعَيَّاني

تثني العُفاةُ على عيسٍ وقفنَ بهم ... على ندَى أريحيٍّ غيرِ منَّانِ

لم يرضَ بالمجدِ موروثاً فأحرَزهُ ... كَسباً وأوّلُهُ يُغني عَنِ الثاني

فلا مَزيدَ على ما أتحفَتْهُ بهِ ... أيدي مَساعِيهِ من عزٍّ وسلطانِ

ما أقربَ الشِّبْهَ مِنه في جلالتِهِ ... وملكه بابنِ داودٍ سليمانِ

ما سَارَ في موكبٍ إلاّ وحَفَّ بِهِ ... من الوحوشِ وطيرِ الأفقِ جيشانِ

كأنَّ عِمَّتَهُ لِيثَتْ على قمرٍ ... داني التألُّقِ يغشى مقلةَ الرَّاني

أَنَامَ سِرْبَ الرعايا في ذُراهُ فَمَا ... تنفكُّ نائمةً في ظلِّ يَقظانِ

لم يرضَ أن غَمَرَ الأحياءَ نائلُهُ ... حتى كَسا بالصَّنيعِ الهالكِ الفاني

أحيا مآثِرَ مَنْ أودَى الزمانُ بِهِ ... فَظَلَّ ينشرُ ما يَطويْ الجَديدانِ

إني لأحْسِدُ بَيْتَيْ شاعرٍ لَبِسَا ... بذكرِهِ لهما أثوابَ إحسانِ

كَسَاهما بهجةً إعجابُهُ بهما ... فأكْمِلا بعد أن هَمَّا بنقصانِ

للّهِ ما وَسِعَا مَعْ ضيقِ وَزْنِهمَا ... من جملةٍ لم يَسعْها قطُّ بيتانِ

في كلِّ مصراعِ بيتٍ منهما جُمِعَتْ ... أشياءُ يعجِزُ عنها كُنهُ تِبيانِ

عناصِرٌ ومِنِ الأيامِ أربعةٌ ... وجوهرٌ وسلاحٌ واسمُ ريحانِ

وأَلزمَ الناسَ أن يأتوا بمثلِهما ... معنى ووزناً من القاصي إلى الداني

فَظَلَّ يُرسِلُ كلٌ طرفَ فكرتِهِ ... فَمِنْ عَثورٍ عن الغاياتِ أو واني

حَتَّى تمطَّى على العِلاّتِ ذو مرحٍ ... من فكرتي سابقٌ في كلِّ ميدانِ

لا يَنْثَني دونَ أن يَسْمُو لغايتِهِ ... كأنَّهُ وقضاءُ اللهِ سِيَّان

بعثتُهُ فأتى بالنُجْحِ من كَثَبٍ ... إنَّ الجَنَى لقريبٌ من يدِ الجانِي

أنا الذي هَزَّ بي دهري مَعاطفَهُ ... عُجْباً فلم أبتسمْ عن ثَغْرِ جَذلانِ

ما افترَّ عن مثلِ ما أرسلتُ من حكمٍ ... فمٌ ولا ضَمَّ قلبي صدرُ إنسانِ

ولا تناولَ شأوي كفُّ ملتمسٍ ... أنَّى وقد قَصُرتْ عنه السِّماكانِ

إن قلتُ شعراً فلي في كلِّ جارحةٍ ... نظمٌ ينيفُ على إحسانِ حسَّانِ

مازالَ يَكْحُلُ لمّا راحَ يَعنِقُ بي ... طَرْفي ثراً طَرْفَ مَن في الشعرِ جاراني

أولانيَ اللهُ ما أولَى فَفِهْتُ بهِ ... فَالحمدُ للّهِ لا لي حيثُ أولانِي

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب:

  • بانوا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)
  • بمرجان: مرج: المَرْجُ: الْفَضَاءُ، وَقِيلَ: المَرْجُ أَرضٌ ذاتُ كَلإٍ تَرْعَى فِيهَا الدوابُّ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: أَرضٌ واسعةٌ فِيهَا نَبْتٌ كَثِيرٌ تَمْرُجُ فِيهَا الدوابُّ، وَالْجَمْعُ مُروجٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: رَعَى بِهَا مَ … (لسان العرب)
  • بهجرهم: هجر: الهَجْرُ: ضِدُّ الْوَصْلِ. هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وَهُمَا يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، وَالْاسْمُ الهِجْرَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثلاثٍ؛ يُرِيدُ بِهِ الهَجْر ضدَّ الوصلِ، يَعْ … (لسان العرب)
  • جثماني: جثم: جثَم الإِنسانُ والطائرُ والنَّعامةُ والخِشْف والأَرْنبُ واليَرْبوعُ يَجْثِم ويَجْثُم جَثْماً وجثُوماً، فَهُوَ جاثِم: لَزِم مَكَانَهُ فَلَمْ يَبْرَح أَي تَلَبَّد بالأَرض، وَقِيلَ: هُوَ أَن يَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ؛ قَال … (لسان العرب)
  • دمن: دمن: دِمْنةُ الدَّارِ: أَثَرُها. والدِّمْنة: آثارُ النَّاسِ وَمَا سَوَّدوا، وَقِيلَ: مَا سَوَّدوا مِنْ آثَارِ البَعَر وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ دِمَن، عَلَى بَابِهِ، ودِمْنٌ، الأَخيرة كسِدْرة وسِدْر. والدِّمْن: البَعَر. ود … (لسان العرب)
  • رغمي: رغم: الرَّغْم والرِّغْم والرُّغْمُ: الكَرْهُ، والمَرْغَمَةُ مِثْلُهُ. قَالَ النَّبِيُّ، ﷺ: بُعِثْتُ مَرْغَمَةً؛ المَرْغَمَة: الرُّغْمُ أَي بُعِثْتُ هَوَانًا وذُلًّا لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ رَغِمَهُ ورَغَمَهُ يَرْغَمُ، ور … (لسان العرب)
  • سائله: سيل: سالَ الماءُ والشيءُ سَيْلًا وسَيَلاناً: جَرَى، وأَسَالَه غيرُه وسَيَّله هُوَ. وَقَوْلُهُ عز وجل: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: القِطْرُ النُّحاس وَهُوَ الصُّفْر، ذُكِر أَن الصُّفْر كَانَ لَا ي … (لسان العرب)
  • صعدته: صعد: صَعِدَ المكانَ وَفِيهِ صُعُوداً وأَصْعَدَ وصَعَّدَ: ارْتَقَى مُشْرِفاً؛ وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ للعرَض الَّذِي هُوَ الْهَوَى فَقَالَ: فأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَهُ عنْ بِما بِهِ، ... أَصَعَّدَ، فِي عُلْوَ، … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • مررت بكربلاء فهاج وجدي
  • وإنّ يداً أسْدَيتُهَا لحَقيقةٌ
  • قُلْ لِكَنْزِي في النَّائِبَاتِ وذُخْري
  • بَاءَتْ حَنيفَةُ بالخُسْرانِ إذْ عَكَفَتْ
  • إلى الملكِ الوهَّابِ ما في يمينِهِ
  • وحَالقٍ أَصْبَحَ في
  • لقَلَّدْتَنِيها مِنَّةً لَيسَ تُجْحَدُ
  • هَتَفَتْ بِدَمْعِ العَينِ وَهْي سَجُومُ