سبق القضاء وحُقَّت الأقدارُ

الشاعر: الغشري · البحر: الكامل

«سبق القضاء وحُقَّت الأقدارُ» من شعر الغشري، من العصر العثماني، وتقع في 209 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

سبق القضاء وحُقَّتــ الأقدارُ ... بالكائناتِ فليسَ منهُ فِرارُ

إبليس قد عبد المهيمن في السما ... ولديـــــه قـــــام مـــــلائكٌ أبـــــرارُ

ستون ألفاً من سنينٍ بعدها ... عشرون ألفاً جاءت الأخبارُ

ردت عــــبــــادته وتلك شقاوةٌ ... سبقت وعاضد كبْرَهُ الإصرارُ

والجد آدمُ بعد سُكْن جنانه ... قــــد غــــرَّهُ شــــيــــطانُه الغرَّارُ

فعصى وتابَ وقد تَقَّبلَ توبةً ... مولاهُ حين بَدَا لهُ استغفارُ

فأطالَ حزناً بعد فقْدِ نعيمه ... وهمَى غزيراً دمعه المدرارُ

ما حالةُ المطرود عن فِرْدَوْسِهِ ... كَرْهاً إلى الدنيا وبئسَ الدارُ

وقضى على قابيل قتْل شقيقه ... لمــــا أَبَتْ قربانَ ذاك النارُ

والشيخُ نوحٌ مرسلٌ من ربه ... فبدا له من قومهِ استكبارُ

ألفاً سوى خمسين عاماً واعظاً ... فيهم أقام فنالهم إصرارُ

فعتَوْا عُتوّاً خالفوا مولاهمُ ... فــــأتــــاهــــمُ طــــوفانُه التَّيَّارُ

فنجا الرسوُل ومن تجمهر عنده ... فوق السنين وأُغرق الكفَّارُ

فأتى زمانٌ من قرونٍ قد مضت ... عُــــدِمَ الموحِّدُ فيه والإقرارُ

وأتى خليلُ اللهِ ينصحُ قومَهُ ... وأبــــاهُ إذْ جــــاءتْهُــــمُ الإنــــذارُ

جحدوا جميعاً ربَّهم فدعا إلى ... توحيده ولدى المحجَّةــ حاروا

فعدا عليهمْ كاسراً أصنامَهُمْ ... لمــــا تَــــيــــقَّنَ أنهم أشرارُ

قالوا لبعض حَرِّقُوهُ وانصروا ... معبودكم إذ أنتمُ أنصارُ

جعلوا له ناراً تأجَّجــ فرسخاً ... فــــي فرسخ ولهيبُها هَدَّارُ

قال الأمين له بحالِ وَثَاقِه ... هل حاجةٌ لكَ أيُّها الصبَّارُ

قال الخليلُ إليكَ لا أَمَّاــ إلى ... المولى الكريم فعندهُ الأسرارُ

حسبي سؤالي علمُهُ بمصيبتي ... ذو العز ليس تخالُه الأبصار

قال الإلهُ لنارهمء كوني له ... برداً سلاماً إنني الجبَّارُ

أكلتْ جميع قيوده ما شعرةٌ ... من شعْرِهِ قد أحرقتْها النار

هذي عقيدةُ مخلص لله هل ... نال المنى فلينظر النظَّارُ

فرعون موسى جوره ملأ الورى ... كذَبَ اللعينُ فأغرقته بحارُ

وإليه موسى مرسلٌ من ربه ... في تسع آياتٍ فقال خَسَارُ

وأتى بجيش الساحرين فأمَّنُوا ... إذ فُــــتِّحــــتْ لقلوبِهمْ أبصارُ

لم يُــــغْــــنِهِ صــــرحٌ ولا هامانُهُ ... كــــلاَّ ولا جــــنــــدٌ فــــحلَّ دَمَارُ

وأرادَ مُوسى فَتْحَ أرضِ مُقَدِّسٍ ... عزْماً وحزماً فانْثَنى الأنصارُ

فالتيهُ كان عقوبةً لذنوبهمْ ... لم يهتدوا لمناصحٍ واحتاروا

عشرونَ معْ عشرينَ عاماً مدةً ... بَعُدَتْ عليهم أهلُهمْ والدار

وجنودُ عادٍ معْ ثمودٍ كَذَّبُوا ... فأتاهمُ من ربهمْ إعصارُ

وكــــذاك لوطٌ قومُهُ قد جاءهم ... بالحقِّ ما نَفَعتْهمُ الأَنْذَارُ

وأَتُوا الرجالَ بشهوةٍ دون النسَا ... وأضـــــلَّهـــــم بــــضــــلالهِ الغَــــدَّارُ

خسفَ الإلهُ بهم وأضحوْا عبرةً ... للعالمينَ وفي جهنمَ صارُوا

هذا وكمْ قرنٍ مضى من خلفِهم ... صَدُّوا ولما يَنفع الإنذارُ

ولقــــد مــــضــــى الأوَّابُ داودُ الذي ... قد كان منه الحمدُ واستغفار

ومضى سليمانُ بنُ داودَ الذي ... عَكفتْ عليه الجنُّ والأطيارُ

والريحُ تحملُهُ وإنَّ غدوَّهَا ... شهرٌ عليها راكبٌ سَفّارُ

وكذاكَ يونسُ قومُه قد آمنُوا ... فأتاهمُ بعد العذاب يَسَارُ

ولقد أتى أولادَ إسرائيلَ ما ... صــــدَعَ القــــلوبَ مــــذلةٌ وخَــــسَــــارُ

اللهُ فضَّلَهمْ وكرَّمهُمْ فمَا ... عَرَفُوهُ بل كَفَرُوا فحلَّ تَبَارُ

قتلا النبيينَ الكرامَ ومن لَهُمْ ... بالعُرْفِ قد أُمِرُوا وهمْ أشرارُ

ونبيُّهمْ يحيى أبان لرأسهِ ... سلطانَهمْ واستكلب الجبَّارُ

يوماً أرادَ نكاحَ إبنته فما ... إلاَّ بَـــــدَا مـــــنــــه له إنــــكــــارُ

فاللهُ سلَّط بخت نصَّرَ قائداً ... كالليل جيشاً قد حواه غبارُ

فَلِسِتِّ مَايَةِ ألفِ عَدّاً أُحْصِيَتْ ... رايـــــاتـــــه وجـــــنـــــودُه أشــــرارُ

من تحته أسد عليه راكب ... واعتمَّ عِمَّتَهُ وسارَ وساروا

سبعون ألفاً قُتِّلُوا واستأسَرُوا ... مثلاً ومنه استوحَشَ الأمصار

ولكم قرونٍ لم أعدِّدْ قد مضوا ... أفــــناهمُ مولاهمُ القهَّارُ

فالبعضُ منهم آمنوا واستسلموا ... والأكــــثرون عليهم الأوزارُ

وكــــــذاكَ رُوحُ اللهِ بـــــلَّغَ قـــــومَهُ ... وأتــــتــــهــــم الآياتُ والإنذارُ

فالبعضُ منهمْ آمنوا بكتابه ... والبعضُ منهمْ كافرٌ ختَّار

من بعد ذلكَ قد توالتْ فترةٌ ... لا مرسلٌ يأتي ولا تذكارُ

ستٌّ مئينٍ من سنينٍ قد أتى ... بالنحسِ منها دَوْرُها الدَّوَّارُ

أفلتْ شموسُ العدلِ واندرس الهدى ... وغدتْ بليل ظَلاَمِها الكُفَّارُ

فعمُوا السبيلَ وما تمسَّكَ بالهُدَى ... غير القليلِ وكلُّهمْ فُجَّارُ

عَبدُوا الصليبَ شيوخُهمْ كُهَّانُهُ ... قول المزيد ودرسُهمْ أَشْعَارُ

والشيخُ قُسٌّ عاش سبعَ مئينَ من ... تلكَ السنين تَضُمُّهُ الأَقفار

يعظُ الأنامَ بكلِّ ناد راكباً ... جملاً عليهِ سكينةٌ ووقارُ

ماءُ الغَمَام شرابُهُ وطعامُهُ ... فــــي كلِّ قَفْرٍ أملسٍ أشجارُ

تخشاه كلُّ الأسْدِ في غاباتِها ... وعليه من زهدِ الكرامِ دِثَارُ

وأراد أهلُ الفيلِ كيداً هل ترى ... ما حَلَّ حينَ تساقطتْ أحجارُ

تركوا لمكة غير جدِّ نبيِّنا ... خــــوفــــاً ولكــــنْ ربُّكــــ الستَّارُ

للآلِ هاشمَ في الأنامِ مناقبٌ ... وهــــمُ همُ للعالمين منارُ

وعلى الضلالةِ لم يزلْ شيطانُها ... يــــدعــــو وللكــــفر الرَّدِيِّ شِرَارُ

حتى تطلعَ نورُ ربِّيــ هادياً ... وتطالعتْ بسعودهِ أقمارُ

فتساقطتْ لوُلُودِهِ أصنامُهمْ ... والنارُ أخمدَ حرَّهَا الأنوارُ

وانهدَّ إيوانٌ لكسرى ثاوياً ... وتباشَرَتْ بقدومِه الأقطارُ

لولاه لا دنــــيا ولا أخرى ولا ... ليلٌ ينامُ به الورى ونهار

هو أحمدٌ خيرُ الخلائقِ كلِّها ... عبدٌ عزيزٌ صفوةٌ مختارُ

وأَتَى بقرآنٍ مجيدٍ معجزٍ ... نظماً أتى في وحيه التكرارُ

فأتَى وهمْ يتفاخرونَ فصاحةً ... ذاكَ الأوانَ وتُنْشَدُ الأشعارُ

خرستْ له الفصحاءُ إذ سمعوا له ... وأقــــرَّت البــــلغــــاءُ والكُــــبّــــارُ

فأطاعَه أهلُ السعادةِ كلُّهم ... وأُولُو الشقاء عَرَاهُمُ إنفارُ

وتعاقدوا لقتاله وتعاضدوا ... فأبادَهم قَرْضاً به البتَّارُ

أيقاتلون فتى رئيسُ جيوشِه ... جبْريلُ ثم القائدُ الجبَّارُ

عَمِيَتْ قلوبُهمُ ولمَّاــ يسمعُوا ... بــــلْ كــــانَ فــــي آذانِهم أوْقَارُ

فأتِي وبلَّغ للرسالةِ ناصحاً ... لعــــبادِهِ فتساقطتْ أوزارُ

حتَّى استنارَ صراطُ ربِّكَ ساطعاً ... والكفرُ غُوِيبَ نجمُه السيّارُ

بطلتْ رياسةُ عبدِ شمسٍ معْ بني ... مخزومَ جين استأسدَ الأنصارُ

لم تَلْقَهُمْ إِلاَّ أسودٌ في الوغى ... أو ركَّعٌ لهمُ السجودُ شِعَارُ

الزاهدون الأغنياءُ لفقرهم ... أهــــلُ الصــــلاح أئِمــــةٌ أخــــيــــارُ

وأقامَ عبدُ اللهِ بعد نبيِّيهِ ... ما لم يقمْهُ سيدٌ مختارُ

الصـــــادقُ الصِّدِّيـــــقُ أولُ مــــؤمــــنٍ ... ولقد حواهُ مع النبيّ الغارُ

من بعدهِ الفاروقُ مَصَّرَ مِصِرَها ... وأطـــــاعَهُ الأبـــــرارُ والفُــــجَّاــــرُ

أمَّاـــ ابنُ عَفَّانٍ فستٌّ عادل ... والســــت فيها جائر ختَّار

قتلُوهُ لمَّاــ آيَسُوا من رُشْده ... والمسلمونَ عليهمُ الإنكارُ

وأتتْ بأصحاب النبيِّ زلازلٌ ... فتن تحارُ لهوْلهِا الأفكار

سبعون ألفاً يوم صفِّينٍ مضى ... قَتْلَى عليهمْ للبلَى أطمار

وكذا ثلاثون ألوفاً قُتِّلُوا ... يوماً على جمل سَطَا عَمَّار

وعلى يومِ النهروانِ عَدَتْ على ... الأخيارِ منهُ سطوة وفَقَارُ

فألوفُ أربعةٍ أَبادَ حُسَامُه ... فــــبــــكــــى وآدتْ ظهَرهُ الأوزارُ

والأمرُ صارَ إلى معاويةَ الذي ... فـــــي غَـــــيِّهــــ وضــــلاله خَــــطَّاــــرُ

والأمرُ صارَ مَضيَّعاً لمَّاــ يزَلْ ... مــــــروانُ بــــــعـــــدُ وآلُهُ أشـــــرار

ثم العبابس قد تولوا قتلهم ... وأتاهمُ بعدَ العُلُوِّ صَغَارُ

ملكوا بنو العباس جَوْراً في الورى ... فأتاهمُ صَرْفُ البَوَارِ فبارُوا

ومَضَتْ قُرونٌ والضلالُ مكوِّرٌ ... والحـــــقُّ عـــــافٍ مــــاله إظــــهــــار

حتى أتتْ للعلم بعد دُرُوسِه ... وأفــــولهِ بعُمانِنا أنوار

فهلالُ قد عقد اللواء مجاهداً ... مستشهداً وله العلا وفخارُ

وأقام موسى وارثاً من بعدهم ... نِعْمَ الإمامُ المرتضى الكرَّارُ

أوداه معْ سبعين من أصحابه ... سيلٌ عظيمٌ موجه تَيّارُ

هــــذا وكــــم للهِ بــــاعَ لنــــفــــسِه ... هلْ قامَ عبدُ الله والمختارُ

ولقــــد أتتْ لبني خَرُوصٍ دولَةٌ ... نَبويَّةٌ حتى استنارَ الدارُ

فزمانهمْ عِيدُ الزمانِ وعُرْسُهُ ... بل وجهُه والسمعُ والأبصارُ

نسخ الظلامَ ضياءُ عدلهمُ إذاً ... وبدا على وجه الدجى الأنوارُ

ولقد سما فوق السِّمَاكِ فخارُهم ... ولهمْ على كلِّ الأنامِ فخارُ

ساسُوا الخلائقَ دهْرَهُمْ بخلائقٍ ... مرضيَّةٍ طابتْ وطابَ بِحَارُ

كادتْ بعدلهمُ تفوه شهادة ... بين الورى الأحجارُ والأشجارُ

صَلْتُ بن مالكٍ الإمامُ المرتضَى ... دانــــتْ له أمــــصارُها وظفَارُ

وابنُ ابْنِهِ فهو الخليلُ أحبَّه ... من عدلهِ العُبدانُ والأحرارُ

فثلاثُ عشْرة بيعةً مشهورةً ... لبــــنــــي خَــــرُوصٍ جــــاءتِ الآثــــارُ

ما فيهمُ من ظالم أبداً وما ... في حكمهم بين البلاد شنَارُ

وأتى ابنُ بورٍ قائِداً لجيوشِهِ ... لم يَــــبْــــقَ آثــــارٌ ولا أنــــهــــارُ

قتل الإمام المرتضى سفهاؤنا ... ولرأســــه قــــد كوفِر الكفَّارُ

وبعزة الإسلام حلَّت نقْمةٌ ... بالقائدِ السفَّاكِ ثُمَّ صَغَارُ

أكلتْهُ نارٌ حينَ يكتبُ طِرْسَهُ ... لم تحمهِ الفرسانُ والأوتارُ

وكذى المهنّى عادلٌ بين الورى ... ذو هيبةٍ للمعتدِي قهَّارُ

وكذا الشهيدُ سعيد نجدٍ المرتضَى ... عــــبدُ الإلهِ الصارمُ البتّارُ

هـــــذا وكـــــم لله قــــام مــــهــــذَّب ... ولكمْ تملّكَ معتدٍ جبَّارُ

ولكم بنو نبهانَ عَاثُوا في الورى ... لم يحمِهم جيشٌ ولا أنصارُ

وكذا أولُوا البأسِ الشديدِ وهمْ بنو ... صَلتٍ فلا تبقى لهمْ آثارُ

حتى أتى نصرُ الإلهِ لناصرٍ ... إذْ آزروهُ عــــــصــــــابـــــةٌ أبـــــرارُ

وعمانُ فيها قائمونَ جَبَابِرٌ ... خمسُونَ مغوارا لهم أخبارُ

بسيوفِ يحمد قد مضَى تَدْبيرُهُ ... ولربِّنـــــَا فـــــي خــــلقــــه أســــرار

فالله أيدهم وأصلحَ بالَهم ... والْجَــــدُّ يــــقبلُ ماله إدبارُ

ثم استقامَ الحقُّ في ساحاتِها ... واغتم فيها ساخِرٌ مكّارُ

وأتتْ سلاطينٌ عُدُولٌ بعدَهُ ... مــــن آل يَــــعْــــرُبَ للورى أمطار

سلطانُ مع أولاده فَبلعربٌ ... ســــــيــــــفٌ وذلك للعــــــدَا جَــــــرَّارُ

فتشاطروا قبل الرعيَّةـ واستوى ... ما بينهمْ حربٌ له أو ثارُ

وأقام سيفٌ واشترى ممن رعى ... أموالهم غصْباً فحلَّ بوار

وسليلُه سلطانُ قام بُعَيْدَهُ ... وأشادَ قصراً تحته أنْهارُ

وجزيرةُ البَحْرين جارتْ فاحتَوَى ... وجَــــرَتْ أمــــورٌ شانُها إعسارُ

وبخندق من بعد صُلْحٍ قتَلوا ... غَدْراً وَلمَّاـــ بالجوارِ يُجَارُ

واخْتَار من سُود الغداير وضحاً ... سودَ الوجوه أتى بها التجّارُ

وأنالَها الإبريز معْ إبريْسمٍ ... فَفَرَتْه من أيدي الرَّدَى أظفار

ثم استقام مهنَّأٌ من بعده ... عاماً فعاجل قتلَه الأشرارُ

وسليلُ حمزةَ مَعْ عديٍّ قتِّلا ... ظلماً وليس لمنكَرٍ إظْهارُ

ولقد رقا عينَ الضلالة يعرُبٌ ... وبَــــلْعْــــربٌ وتــــفــــجَّرَ الفــــجَّاــــر

وأتى على الرستاق خطبٌ هائِلٌ ... يَرْثي لها أعْدَى العِدَى الهذَّار

لم يبقَ فيها ساكنٌ ومكلّمٌ ... إلا بــــأعلى دَوْحِها الأطيار

وتجنّدتْ للظالمينَ جبابرٌ ... متعاونون على الهوى أشرارُ

قتلاً ونَهْباً في عُمانٍ كلِّها ... لم يبقَ فيها كامِنٌ وقرارُ

فمحمد قد كان قائِدَ ساحَةٍ ... والأصــــل مــــنه غافر ونزار

وفتًى مبارَكُ بالقصَيِّرِ قائِدٌ ... صـــــفَّ الهـــــنــــاوِي ذيُــــله جــــرار

ضاق الوسيعُ بجَوْرِهم وتَثَبَّتتْ ... للساكنين الدورُ والأسفارُ

وأتتْ بأرضِ صحارَى أعظمُ آيةً ... منها المشاعرُ والنُّهَى تحتار

قُتِلاَ معاً في ساعةٍ وتفرَّقَتْ ... منها الجيوشُ وطابَ بعدُ صُحّارُ

لو أنه بزمانكم وحيٌ أتى ... لأتــــى فــــي وحْــــيــــهِ التكرار

وأقيم سيفٌ واستراحَ به الورى ... وأتـــــى الســـــرورُ وولَّتِ الأكــــدار

بعضَ السنينَ وقد هَوى في هُوَّةٍ ... من غيّهِ واقتادَه المقْدارُ

فبلَعْرب حيناً تشمرّ مُنْكِراً ... فتطمّسَتْ من ظنِّهــ أَنْصَارُ

ولقد أتى سيفٌ بجيش أعاجمٍ ... جيشٍ عليهِ للقتامِ خِمار

فتذمَّرَتْ عُبرى وبهلاً مثلُها ... مع نَزْوَة وافتُضّتْ الأبكارُ

أمَّاـــ بلَعْرَبُ قد تولَّى عنهمُ ... قد ضمّنتْهُ في الفلاَ أقفارُ

لم تبق إلا قَلْعَةٌ مشْهورةٌ ... عنها تولَّوْا عاجزين وسارُوا

لبلاد سيفٍ مسكدٍ نزلوا بها ... وبمعقليها العاليين فدَاروا

وأقَامَ سيفٌ في المراكبِ تائِهاً ... سارتْ به فوقَ السنين يحار

ذاك الذي يبغي انتصاراً بالعدى ... جــــاءتْهُ مــــنــــهــــم ذلَّةٌ وخَسَارُ

جهدوا فما بلغوا وقُتِّلَ منهم ... خلقٌ كثيرٌ والبقيَّةُ طاروا

ولقد أتى سيفٌ إليهمْ وَجَمَّعوا ... أيضاً إليه وزاغتِ الأبصارُ

جاءوا ويُدْلونَ المحجة ويحهم ... هــــلكــــوا وأُهــــلكَ أربعٌ وديارُ

أيبايعون فتى ظلوماً غاشماً ... للعُــــــرْفِ نــــــاهٍ للهـــــوى أمَّاـــــرُ

فأذاقهم سَوْط العذَاب بجوره ... وبدَا لهمْ من أمرهم إعسار

ثم ابن مُرشدَ بايعوا سُلطانَهم ... إذ قدَّموه الجبهةُ الكُبَّارُ

فاستفتح البلدانَ إلا مسكداً ... قد عاقه للمعقلين حصار

واستنجد الماشومُ أيضاً تارةً ... بـــــأعـــــاجــــمٍ وأتــــاهــــمُ الدَّوَّارُ

حَصَرُوا صُحَارَ وقد تطلَّعَ منهم ... غــــزْو له بــــالانتقام شَرَارُ

فأتى المعاولَ والصبُوحَ فَصدَّهُ ... عما يريدُ السادةُ الأحرارُ

وأتوا إلى بلد الإمام بمطرح ... خابُوا وخابتْ منهم الأوطارُ

قتل الإمامُ رجالَهُمْ ثمَّ اصطَفَوْا ... من خيلهم وجيادِهم ما اختارُوا

وغزوا مَنَاقي قتَّلوا لرجالها ... بعد الحِصَار وحَلّت الأكدارُ

واستأْسَرُوا أَطفَالها ونساءَهَا ... فــــوق الخدُودِ دُموعُها مدرَارُ

فــــأتــــاهــــمُ وجــــلٌ وصلَّت دونه ... ضعفُ عزائم قومهم والجارُ

من بعد ذلك شيخ أربح جاء في ... جيْشٍ لمسكد فلكهُ سيّارُ

طلعَ الإمامُ وقومهُ لعماننا ... مستنجداً فأجابَه الإظهار

وحَوَى لجيشٍ أرعنٍ متيمماً ... لصحارَ فيها المعتدي الكفَّارُ

فأتى لموطنهم وقتَّلَ مَنْ به ... فأتى القضاءُ وخابت الأنصارُ

عطفت عليه أعاجمٌ بخيُولهم ... فجرَت دماء وارتوت أقطار

فَنَجَا جريحاً مع رجالٍ ستة ... وصحارُ فيها قبرُهُ المعطار

وكذا أخوهُ الليثُ سيفٌ قد ثوى ... بين القنا هَلْ فوق ذاك فخار

باعوا نفوساً للإله فأجْرُهُمْ ... يــــومَ القضية جنَّةٌ وقرارُ

وكأنَّ يومَ البعث في رَوْعَاته ... مــــنــــه يــــشــــيبُ ذوائبٌ وعِذَارُ

فلربما الشمسُ المنيرةُ لا ترى ... لمـــــدافـــــعٍ دخَّاــــنُهــــا عَــــكَّاــــرُ

ثبت الحصارُ يقَالُ تسعةُ أشهرٍ ... كم تحتَ أطباق التراب تواروا

لكنَّ فيها من عمان سادة ... ورئيـــــس صِـــــدْقٍ خـــــصـــــمُهُ فَــــرَّارُ

ومدافعٌ مثلُ الرعودِ وزانةٌ ... مـــــعـــــدودةٌ وخـــــنـــــادقٌ وجــــدار

ملَّ الأعاجم بعد قَتْل رجالهم ... وفراغ زانتهم إذاً واحتارُوا

نادَوْا بصلح حيلةً ومخافةً ... ذلَّ الهزيمة والهزيمةُ عَارُ

ساءوا وقد بقيتْ لهم في مسكد ... والمعقلين قليلةٌ أنفارُ

وسليلُ حِمْيرَ بايَعُوا أعْلاَمَنَا ... ما تمَّ أمْرٌ ثمَّ حارَ الجارُ

وسمى لإخرَاج العِدَى من مسكدِ ... شــــيــــخٌ له فــــي ضــــدِّه إضــــمــــارُ

فاستنزلتهم همَّةٌ علويةٌ ... منها وطابَ البيعُ والأَسفارُ

واللهُ مــــــالِكُ مُــــــلكِهِ ولربِّنــــــَا ... بعبادِه سِرٌّ فلا تَتَمَارُوا

واللهُ يؤتي مُلكهُ مَن شاءَهُ ... وهوَ المليكُ الواحِدُ القهَّارُ

وهو العزيزُ فمن يشاءُ بعِزِّهِ ... وهو المذلُّ القاهرُ الجبَّارُ

فمَن الإلهُ يعِزُّهُ فمُظَفّرٌ ... وهو البصير بخلقه السَّتَّارُ

ومَــــن الإله يــــذلُّه ويــــهــــيــــنُهُ ... لم تُغْنِ عنهُ سامةٌ وعُفارُ

إنِّيـ أَرَى الفُلْكَ الحثيثَ بدَهركم ... قــــد خَــــفَّ مــــنــــه دَوْرُه السَّيــــَّارُ

وتــــقــــلبــــتْ أحــــوالُه فأراكمُ ... كـــــلَّ العـــــجــــائب صَــــرفُهُ الدوَّار

ولكُم لَيَالي الدَّهر قد ولَدَت لكم ... خــــيراً وشَرّاً ثم هُنَّ عِشَارُ

كم للمُهيمن آيةٌ بزَمَانكم ... يَرْنُو لها مِن ذي النُّهَى أبصَارُ

وتــــراســــلَتْ آيــــاتُهُ وتــــواتَــــرَتْ ... فــــتــــوسَّمــــَتْ آيَــــاتِهِ الأفكارُ

والمــــوت آتٍ مــــا له مِــــن دافــــعٍ ... والأمْرُ صَعْبٌ والسنونَ قِصَارُ

هذا وخيْرُ مَنِيَّةٍ تأتي الفتى ... بــــثــــلاثِ حــــالاتٍ وهُــــنَّ خسارُ

بالسيف قتْلاً في سبيل إلهه ... طــــلَبَ الثّــــوابَ مُجاهدٌ كرَّارُ

أو أنه يفنى بحالِ سُجودِه ... أو يَظْلموهُ بقتله الأشرارُ

فَامْنُنْ عَلَي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • استغفار: غفر: الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَهُمَا مِنْ أَبنية الْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُمَا السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ. يُقَالُ: اللهمَّ اغْفِرْ لَنَا مَغْفرة وغَفْراً … (لسان العرب)
  • الغرار: غرر: غَرَّهُ يغُرُّه غَرًّا وغُروراً وغِرّة؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُوَ مَغرور وَغَرِيرٌ: خدعه وأَطعمه بِالْبَاطِلِ؛ قَالَ: إِن امْرَأً غَرّه مِنْكُنَّ واحدةٌ، ... بَعْدِي وبعدَكِ فِي الدُّنْيَا، لَمَغْرُورُ أ … (لسان العرب)
  • المدرار: درر: دَرَّ اللبنُ وَالدَّمْعُ وَنَحْوُهُمَا يَدِرُّ ويَدُرُّ دَرّاً ودُرُوراً؛ وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ. إِذَا حُلِبَتْ فأَقبل مِنْهَا عَلَى الْحَالِبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ قِيلَ: دَرَّتْ، وإِذا اجْتَمَعَ فِي الضَّرْعِ مِنَ الْعُ … (لسان العرب)
  • المطرود: طرد: الطَّرْدُ: الشَّلُّ؛ طَرَدَه يَطْرُدُه طَرْداً وطَرَداً وطَرَّده؛ قَالَ: فأُقْسِمُ لَوْلَا أَنَّ حُدْباً تَتابَعَتْ ... عليَّ، وَلَمْ أَبْرَحْ بِدَيْنٍ مُطَرَّدا حُدْباً: يَعْنِي دَواهِيَ، وَكَذَلِكَ اطَّرَدَه؛ قَال … (لسان العرب)
  • بالكائنات: كين: الكَيْنُ: لحمةُ داخلِ فرجِ المرأَة. ابْنُ سِيدَهْ: الكَيْنُ لَحْمُ باطنِ الْفَرْجِ، والرَّكَب ظَاهِرُهُ؛ قَالَ جَرِيرٌ: غَمَزَ ابنُ مُرَّةَ، يَا فَرَزْدَقُ، كَيْنَها ... غَمْزَ الطَّبِيبِ نَغانِغَ المَعْذُورِ يَعْنِ … (لسان العرب)
  • جنانه: جنن: جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنّاً: سَتَره. وكلُّ شَيْءٍ سُتر عَنْكَ فَقَدْ جُنَّ عَنْكَ. وجَنَّه الليلُ يَجُنُّه جَنّاً وجُنوناً وجَنَّ عَلَيْهِ يَجُنُّ، بِالضَّمِّ، جُنوناً وأَجَنَّه: سَتَره؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ … (لسان العرب)
  • ستون: ستن: ابْنُ الأَعرابي: الأَسْتانُ أَصل الشَّجَرِ. ابْنُ سِيدَهْ: الأَسْتَنُ أُصول الشَّجَرِ الْبَالِي، وَاحِدَتُهُ أَسْتَنَة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الأَسْتَنُ، عَلَى وَزْنِ أَحمر، شَجَرٌ يَفْشُو فِي مَنابته وَيَكْثُرُ، … (لسان العرب)
  • شيطانه: شيط: شاطَ الشيءُ شَيْطاً وشِياطةً وشَيْطُوطةً: احْتَرَقَ، وخصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الزيتَ والرُّبَّ؛ قَالَ: كَشائطِ الرُّبِّ عَلَيْهِ الأَشْكَلِ وأَشاطَه وشَيَّطَه، وشاطَتِ القِدْر شَيْطاً: احتَرقَتْ، وَقِيلَ: احْتَرَقَتْ و … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • الحمد لله المليك القادر
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة