بكيتَ فلم تترك لعينك مدمعا
الشاعر: ابن الرومي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة فراق
«بكيتَ فلم تترك لعينك مدمعا» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 101 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة فراق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بكيتَ فلم تترك لعينك مدمعا ... زماناً طوى شرخ الشباب فودَّعا
ســــقــــى الله أوطــــاراً لنــــا ومآرباً ... تقطَّعــ من أقرانها ما تقطعا
لياليَ تنسيني الليالي حسابها ... بُلَهنِيَةٌ أقضي بها الحول أجمعا
سدى غِرَّةٍ لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأىً ومسمعا
إذا ما قضيت اليوم لم أبك عهده ... وأخلفت أدنى منه ظلّاً وأفنعا
فأصبحت أقتص العهود التي خلت ... بــــآهــــة محقوق بأن يتفجَّعا
أحن فأستسقي لها الغيث مرة ... وأثني فأستسقي لها العين أدمعا
لأحسنت الأيام بيني وبينها ... بديئاً وإن عفت على ذاك مرجعا
أعـــــاذل إن أُعـــــطِ الزمـــــانَ عـــــنــــانَهُ ... فقد كنت أثني منه رأساً وأخدعا
ليــــالي لو نــــازعــــتــــه رجــــع أمسه ... ثنى جيده طوعاً إلي ليرجعا
وقد أغتدي للطير والطير هجَّعٌ ... ولو أوجست مغداي ما بتن هجَّعا
بِــــخِلَّيْنِ تمَّاـــ بي ثلاثةَ إخوةٍ ... جسومهم شتى وأرواحهم معا
بني خلَّةٍ لم يفسد المحل بينهم ... ولا طمع الواشون في ذاك مطمعا
مطيعين أهواءً توافت على هوى ... فلو أُرسلت كالنبل لم تعدُ موقعا
تُجلِّي عيون الناظرين فُجاءةً ... لنا منظراً مُروىً من الحسن مُشبعا
إذا ما رَفَعنا مقبلين لمجلسٍ ... طلعنا جميعاً لا نغادر مطلعا
كمنطقة الجوزاء لاحت بسحرة ... بــــعقب غمام لائح ثم أقشعا
إذا ما دعا منه خليل خليله ... بأفديك لباه مجيباً فأسرعا
وإن هـــــو نـــــاداه ســــحــــيــــراً لدُلْجَــــةٍ ... تنبَّهـــ نبهان الفؤاد سرعرعا
كــــأن له فــــي كــــل عــــضــــوٍ ومــــفصلٍ ... وجارحة قلباً من الجمر أصمعا
فــــشــــمــــر للإدلاج حــــتــــى كــــأنما ... تلُفُّ به الأرواح سمعاً سمعمعا
كــــأنــــيَ مــــا روَّحت صحبي عشيَّةً ... نساجل مخضرَّ الجنابين مُترعا
إذا رنَّقــــت شــــمــــسُ الأصيل ونفَّضت ... على الأفق الغربيِّ ورساً مذعذعا
وودَّعت الدنيا لتقضي نحبَها ... وشَوَّل باقي عمرها فتشعشعا
ولاحــــظــــت النــــوّار وهــــي مــــريــــضــــة ... وقد وضعت خدّاً إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عوادَه عينُ مُدنفٍ ... تــــوجَّعـــ من أوصابه ما توجعا
وظلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجيِّ لتدمعا
يراعينها صوْراً إليها روانياً ... ويلحظن ألحاظاً من الشجو خشَّعا
وبيَّنَ إغضاءُ الفراق عليهما ... كــــأنــــهــــمــــا خــــلّا صفاءٍ تودَّعا
وقد ضربت في خضرة الروض صُفرةٌ ... من الشمس فاخضر اخضراراً مشعشعا
وأذكــــى نسيمَ الروض ريعانُ ظلِّه ... وغنى مغني الطير فيه فسجَّعا
وغــــــرَّد رِبــــــعــــــيُّ الذبــــــاب خــــــلاله ... كما حَثحَث النشوانُ صنجاً مُشرَّعا
فكانت أرانينُ الذباب هناكمُ ... على شدوات الطير ضرباً موقَّعا
وفاضت أحاديث الفكاهات بيننا ... كأحسن ما فاض الحديث وأمتعا
كــــأن جــــفــــوني لم تبت ذات ليلة ... كراها قذاها لا تلائم مضجعا
كأنِّيَ ما نبَّهت صحبي لشأنهم ... إذا ما ابن آوى آخر الليل وعوعا
فــــثــــاروا إلى آلاتــــهم فتقلدوا ... خرائط حمراً تحمل السمَّ مُنقَعا
منمَّقةً ما استودع القوم مثلها ... ودائعَهــــــم إلا لكـــــي لا تُـــــضَـــــيَّعـــــا
مــــحــــمــــلة زاداً خفيفاً مناطُهُ ... من البندق الموزون قل وأقنعا
نكيرٌ لئن كانت ودائع مثلها ... حقائبَ أمثالي ويذهبن ضُيَّعا
علام إذاً توهي الحمالة عاتقي ... وكــــان مــــصــــونــــاً أن يُــــذال مودَّعا
وما جشمتني الطير ما أنا جاشمٌ ... بأسبابها إلا ليجشمن مُضلِعا
فلله عينا من رآهم وقد غدوا ... مُــــزيِّين مشهوراً من الزِّيِّ أروعا
إذا نبضوا أوتارهم فتجاوبت ... لها ذمراتٌ تصرعُ الطير خَولعا
كــــــأنَّ دويَّ النـــــحـــــل أخـــــرى دويِّهـــــا ... إذا ما حفيف الريح أوعاه مسمعا
هنالك تغدو الطير ترتاد مصرعاً ... وحسبانُها المكذوب يرتاد مرتعا
ولله عينا من رآهم إذا انتهوا ... إلى موقف المرمى فأقبلن نُزَّعا
وقــــد وقــــفــــوا للحــــائنــــات وشــــمَّروا ... لهــــنَّ إلى الأنــــصاف سوقاً وأذرعا
وظلوا كأن الريح تزفي عليهمُ ... بها قزعاً ملء السماء مقزَّعا
وقد أغلقوا عقد الثلاثين منهمُ ... بمجدولة الأقفاء جدلاً موشَّعا
وجدَّت قسيُّ القوم في الطير جدَّها ... فـــــظـــــلت ســـــجـــــوداً للرمــــاة وركَّعــــا
هنالك تلقى الطير ما طيَّرت به ... على كل شعب جامع فتصدَّعا
وتُعقَب بالبين الذي برَّحت به ... لكــــل مــــحــــب كان منها مروَّعا
فظل صحابي ناعمين ببؤسها ... وظــــلت عــــلى حوض المنية شُرَّعا
فلو أبصرت عيناك يوماً مقامنا ... رأيــــت له من حلة الطير أمرعا
طــــرائح مــــن ســــودٍ وبــــيــــضٍ نــــواصــــعٍ ... تخال أديم الأرض منهن أبقعا
نؤلف منها بين شتّى وإنما ... نشتت من ألّافها ما تجمعا
فكم ظاعن منهن مزمع رحلةٍ ... قصرنا نواه دون ما كان أزمعا
وكم قادم منهن مرتادِ منزلٍ ... أناخ به منا منيخٌ فجعجعا
كأن لباب التبر عند انتضائها ... جرى ماؤه في ليطها فترَيَّعا
تراك إذا ألقيت عنها صبيانَها ... سفرت به عن وجه عذراء برقعا
كــــأن قــــراهــــا والفــــروز التــــي بــــه ... وإن لم تجدها العين إلا تتبعا
مَـــــزَرُّ ســـــحــــيــــقِ الورس فــــوق صــــلاءةٍ ... أدبَّ عـــــليـــــهـــــا دارجُ الذرِّ أكـــــرعــــا
لهــــــا أوَّلٌ طــــــوع اليــــــديـــــن وآخـــــرٌ ... إذا سمته الإغراق فيها تمنَّعا
تـــــديـــــن لمــــقــــرونٍ أمــــرَّت مــــريــــرَهُ ... عجوزٌ صناعٌ لم تدع فيه مَصنَعا
تأيَّتــ صميم المتن حتى إذا انتهى ... رضــــاهــــا أمــــرَّتــــه مــــرائرَ أربــــعــــا
تــــلَذُّ قــــرينيه عقودٌ كأنها ... رؤوسُ مــــــدارى مـــــا أشـــــدَّ وأوكـــــعـــــا
ولا عيب فيها غير أن نذيرها ... يروع قلوبَ الطير حتى تَصعصعا
على أنها مكفولةُ الرزق ثَقفةٌ ... وإن راع منها ما يروع وأفزعا
متاحٌ لراميها الرمايا كأنما ... دعاها له داعي المنايا فأسمعا
تؤوب بها قد أمتعتك وغادرت ... من الطير مفجوعاً به ومفجَّعا
لها عولةٌ أولى بها ما تُصيبُه ... وأجدرُ بالإعوال من كان موجَعا
ومــــا ذاك إلا زجــــرهــــا لبناتها ... مخافة أن يذهبن في الجوِّ ضُيَّعا
فيخرُجن حيناً حائناً ما انتحينَه ... وإن تخذ التسبيحَ منهنَّ مَفزعا
تقلِّبُ نحو الطير عيناً بصيرة ... كعينك بل أذكى ذكاء وأسرعا
مُــــرَبَّعَةٌ مقسومة بشباكها ... كتمثال بيت الوشي حيك مربَّعا
لإبدائها في الجو عند طحيرها ... عجاريف لو مرَّت بطودٍ تزعزعا
تقاذفُ عنها كلُّ ملساءَ حدرةٍ ... تــــمرُّ مروراً بالقضاء مشيَّعا
أمونٍ من العظعاظ عند مروقها ... وإن عارضتها الريحُ نكباءَ زعزعا
يحاذرها العفريت عند انصلاتها ... فيعجله الإشفاق أن يتسمَّعا
تــــقــــول إذا راع الرمــــيَّ حفيفُها ... رويدك لا تجزع من الموت مجزعا
فإن أخطأته استوهلتهُ لأختها ... فَتَلحقه الأخرى مروعاً مُفزَّعا
وإن ثَــــقــــفــــتــــه أنــــفــــذته وقدّرت ... له ما يوازيه من الأرض مصرعا
فيقضي المُذَكِّيــ في الصريع قضاءَهُ ... وهاتيك يأبى غربُها أن تُوَرَّعا
أتت ما أتت من كيدها ثم صمَّمت ... تدُرُّ دريراً يخطفُ الطيرَ ميلعا
كأن بنات الماء في صرح متنه ... إذا ما علا رَوقُ الضحى فترفَّعا
تريك ربيعاً في خريف وروضةٍ ... على لُجَّةـــ بدعا من الأمر مبدعا
تخايل فوق الماء زهواً كما زهت ... عوائدُ عيد ما ائتلين تصنُّعا
تلبَّسُ أصنافاً من البزِّ خلقةً ... حريراً وديباجاً وريطاً مُقَطَّعا
فبين خُيابوذٍ زهته شياتُهُ ... فـــــزيـــــنـــــه ريـــــش تـــــراه مـــــوزَّعــــا
يَـــــمـــــدُّ إليـــــه حـــــســـــنُه وجـــــمــــالُه ... خلال بنات الماء عيناً وإصبعا
وأخــــضــــر كــــالطــــاووس يُــــحسَبُ رأسُهُ ... بخضراء من حُرِّ الحرير مقنَّعا
يتيه بمنقارٍ عليه حبائكٌ ... تخيّلنَ في ضاحيه جَزعاً مجزَّعا
يــــلوح عــــلى إسطامه وشيُ صفرةٍ ... ترقِّشُ منها متنَهُ فتلمَّعا
كملعقة الصيني أخدمها يداً ... صناعاً وإن كانت يد الله أصنعا
وعينين حمراوين يطرف عنهما ... كــــأن حــــجــــاجــــيــــه بفَصَّينِ رُصِّعا
ومن أعقف أحذاه منقارُهُ اسمَهُ ... أضدَّ بديعُ الخلق فيه فأبدعا
مَزِينٌ بسربالٍ من الريش ناصع ... له زبرج يحكي الثغام المترَّعا
مــــشــــينٌ بجيدٍ ذي سواد وزُعرةٍ ... ورأس شبيه الجيد أسود أقرعا
مـــــطـــــرَّفُ أطـــــرافِ الجـــــنـــــاحِ كـــــأنَّه ... بــــنانُ عروسٍ بالخضاب تقَمَّعا
زرابيُّ كسرى بثَّها في صِحَانه ... ليُحضِرَ وفداً أو ليجمع مجمعا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الحول: حول: الحَوْل: سَنَةٌ بأَسْرِها، والجمع أَحْوالٌ وحُوُولٌ وحُؤُولٌ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ. وحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَوْلًا وحُؤُولًا: أَتَى. وأَحَالَ الشيءُ واحْتَالَ: أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ كَامِلٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: أَوْرَ … (لسان العرب)
- تنسيني: تنس: تُناسُ النَّاسِ: رَعاعُهم، عَنْ كُرَاعٍ. قَالَ الأَزهري: أَما تَنَسَ فَمَا وَجَدْتُ لِلْعَرَبِ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: وأَعرف مَدِينَةً بُنِيَتْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ بَحْرِ الرُّومِ يُقَالُ لَهَا: تِنِّيسُ، و … (لسان العرب)
- حسابها: حسب: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى الحَسِيبُ: هُوَ الْكَافِي، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِل، مِن أَحْسَبَنِي الشيءُ إِذَا كَفاني. والحَسَبُ: الكَرَمُ. والحَسَبُ: الشَّرَفُ الثابِتُ فِي الآباءِ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّرَفُ فِي الف … (لسان العرب)
- شرخ: شرخ: الشَّرْخُ والسِّنْخُ: الأَصْلُ والعِرْقُ. وشَرْخ كُلِّ شيءٍ: حَرْفُهُ الناتئُ كَالسَّهْمِ وَنَحْوِهِ. وشَرْخا الفُوق: حَرْفَاهُ المُشْرِفانِ اللَّذَانِ يَقَعُ بَيْنَهُمَا الوَتر؛ ابْنُ شُمَيْلٍ: زَنَمَتا السَّهْمِ ش … (لسان العرب)
- لعينك: (عَيَنَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى عُضْوٍ بِهِ يُبْصَرُ وَيُنْظَرُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِهِ مَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْنُ النَّاظِرَةُ لِك … (مقاييس اللغة)
- محقوق: حقق: الحَقُّ: نَقِيضُ الْبَاطِلِ، وَجَمْعُهُ حُقوقٌ وحِقاقٌ، وَلَيْسَ لَهُ بِناء أَدْنَى عدَد. وَفِي حَدِيثِ التَّلْبِيَةِ: لبَّيْك حَقّاً حَقًّا أَيْ غَيْرَ بَاطِلٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أَيْ أَنَّهُ أكَ … (لسان العرب)