القَلبُ يَخشعُ وَالمدامعُ تهمعُ

الشاعر: محمود قابادو · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة دينية

«القَلبُ يَخشعُ وَالمدامعُ تهمعُ» من شعر محمود قابادو، من العصر الحديث، وتقع في 210 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة دينية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

القَلبُ يَخشعُ وَالمدامعُ تهمعُ ... وَالقولُ ما يُرضي الإلهَ وينفعُ

وَالدينُ يَمنعُ وَالنهى تنهى الفتى ... عَن أَن يُرى مِن مسّ خطب يجزعُ

مَن ذا يُنازعُ ربّه في ملكهِ ... وَمنِ الّذي لِقضائهِ لا يخضعُ

وَبــــأيّ لبٍّ يُستطاعُ ومقولٍ ... أَن ينكرَ المصنوع ما هو يصنعُ

سُبحانهُ مِن خالقٍ ومهيمنٍ ... منهُ إليه الإِلتجا والمفزعُ

نَفَذت مَشيئَته بِسابق علمهِ ... وَعَنت لِقُدرته الخلائق أجمعُ

فالعلمُ يُملي للإرادةِ ما بلو ... حِ الكونِ أَيدي الإقتدار ترصّعُ

وَسَلاسلُ الأسبابِ في السبعين مظ ... هــــرُ أمــــره فــــتنزّلٌ وترفّعُ

ما بَينَ مركزِ حكمهِ وَمحيطِ قُد ... رَتهِ مَجالُ الكائناتِ الأوسعُ

فَاِنظُر لِهذا الكونِ نظرة سابرٍ ... ما حالهُ والمُبتدا والمرجعُ

وَأَجِل قداحَ الفكر فيه إجالةً ... بِسوى المعلّى ربّها لا يقنعُ

وَاِقطع علائقَ عادةٍ عُوِّدتها ... فهيَ الّتي بك للحضيضِ تكسّعُ

وَاِعرُج بِمعراجِ اِعتبار شامخٍ ... فالفكر مرقاةٌ إذا يترفّعُ

يا ساحباً بالعلمِ ذيل فخارهِ ... ما العلمُ إلّا خشية وتخشّعُ

إن كنتَ تأملُ في الديانةِ رتبةً ... فالدين أخلاقٌ كِرامٌ تتبعُ

أَينَ التجافي عَن مواقعِ غرّة ... أَينَ الإِنابةُ للّتي هي مرجعُ

أَهل الإله همُ الّذين إذا رُؤوا ... ذُكر الإله بِهم وضاء المجمعُ

نورُ الشريعةِ مِن ظَواهِرهم عَلى ... نور الحقيقة بالبواطن يسطعِ

الزهدُ والإيثارُ مِن أخلاقهم ... وَالصدقُ في قولٍ وفعلٍ يشرعُ

عَــــبَدوا الإله كأنّه مرئيّهم ... فَتواضعوا لجلالهِ وتخضّعوا

وَتَفكّروا في أنّهم مرأى له ... فَرعوا حياءً أمره وتورّعوا

فَمدارُ إِحسانِ العبادةِ منهمُ ... رُقبى ورُهبى مِن تجلٍّ يصدعُ

فَاِبرز إِلى مولاك فرداً مثلهم ... لا يطّبيه سراب كون يلمعُ

وَتعرّ عن علقِ الحظوظِ جميعها ... فهيَ العوائقُ والحجاب الأمنعُ

فَهُناكَ تَعلمُ أنّك الكنزُ الّذي ... فيهِ خبايا سرّه تستودعُ

وَترى الدقائقَ مِن مناسبةِ الحَقا ... ئقِ بِالسّراية فيكَ طرّا تجمعُ

ما ذرّةٌ في الكونِ إلّا أَنت مر ... كَزها وَأنت محيطها المترفّعُ

أَملاكُهُ مُستَغفرون إِليك أو ... متسخّرون لِما لرزقك يرجعُ

أَنتَ الخليفةُ في الوجودِ جميعه ... وَبكَ اِنطوى ما في الوجود موسّعُ

خُلِقت لكَ الأشيا وَأَنت لربّها ... إِذ في فؤادك مُجتلاه الأجمعُ

ما بَعد كونكَ قد خُلقت لأجلهِ ... في أحسنِ التقويمِ خلقٌ أبدعُ

أَو مثل نفسكَ وَالبقاء مآلها ... لِسفاسفٍ رهن الفناء تضيّعُ

وَتُردّ أَسفل سافلينَ وئيدةً ... في قبرِ جسمٍ للبلايا مرتعُ

فَتجافَ عَن مهدِ البطالةِ إنّ تأ ... ويلَ السرورِ لنائميه مفزعُ

وَاِنهض وبادِر أن تردّ نفائسُ ال ... أنفاسِ فهيَ ودائعٌ تسترجعُ

وَاِلحظ بِلحظِ الإعتبارِ محدّقاً ... فيما تسرّ بهِ النفوسُ وتبخعُ

وَترقّ مِن مبدا الأمور لغايةٍ ... وَمنَ الجليّ إِلى خفيّ يشسعُ

تَجدِ الحقائقَ في ملابسَ عدّةٍ ... تُجلى على حسبِ المواطن تخلعُ

تَلونُّ مِن لونِ الإناء فَدركها ... متجرّداتٍ بالبديهةِ يمنعُ

لَكِنّ مَن أَعطى المواطنَ حقّها ... يَدري الأمورَ متى تضرّ وتنفعُ

وَيرى الشرائعَ كلّها أدباً على ... وفقِ التجلّي لِلحقائق يشرعُ

فَبِسائرِ المتجلّياتِ مشيّعاً ... في كلِّ وجهٍ والفؤادُ مشيّعُ

وَلِوحدةِ الحقّ الّتي هي مركزٌ ... بِسهامِ أغراضِ المظاهر ينزعُ

حتّى يَكونَ موافقاً لإرادَةِ ال ... مولى عَلى علمٍ وفهمٍ يتبعُ

ذاكَ الّذي لَم يُسترقّ وَلم يكن ... رَبّاً لشيءٍ فهو عبد طيّعُ

أَفــــعالهُ مَوجودةٌ معدومةٌ ... بِمفازةِ التوحيد آلٌ يلمعُ

تَجري عَلى حكمِ العدالةِ لا ترى ... غرضاً يَحوزُ بِها ولا يستتبعُ

كلّ الوجودِ له كتابٌ منزلٌ ... بِــــتــــعــــرّف وتــــنــــزّلات ترفعُ

مُتمكّنُ العرفانِ عند تلوّن ال ... مَعروفِ يقبله كما يتنوّعُ

مُستصبحٌ بِيقينِ علمٍ خائضٍ ... فتن المظاهرِ وهيَ ليلٌ أسفعُ

مُتقيّدٌ أبداً ومطلقُ همّةٍ ... وَبصيرةٍ مترفّع متخشّعُ

حيٌّ تجرّد عَن علاقةِ جسمهِ ... كتجرّد الحيّات سلخاً تنزعُ

والٍ على بلدٍ تغرّب فيه ير ... تَقبُ المآبَ فهمّه ما يجمعُ

أَو تاجرٌ بالعمرِ في سوق من الد ... دُنيا لأخراه به مستبضعُ

هَـــــذا الّذي هـــــو وارثٌ أو حــــارثٌ ... مُستغبطٌ في حصدهِ ما يزرعُ

وَسِــــواه مِــــن كــــونٍ لكونٍ راحلٌ ... بِالموتِ إِن لم يُشقه ما يصنعُ

فَاِستفتِ نَفسك وَاِمتَحن كُنه الّذي ... حَصَلَت عليهِ بَسعيها هل ينفعُ

وَاِحذَر عراءَ العارِ يوم تغابنٍ ... إِذ لا يُواري الجسمُ ما يستبشعُ

إِذ تُحشرُ الأرواحُ طبقَ علومها ... وَتُرى الجسومُ بشكلِ فعلٍ تطبعُ

وَترى الفعالُ كأنّها الأشباح والن ... نيّات أرواح لها تستتبعُ

كَم ذا ترقّعُ ثوبَ جسمٍ منهجٍ ... وَيدُ البلى في خرقه تتوسّعُ

يوهي الجديدانِ القوى ويقرّبا ... نِ العمرَ مِن أجلٍ مباحٍ يقطعُ

فَلو اِفتقدت قواك أَنكرتَ الّذي ... مِنها عرفتَ وَلَم يلفكَ المضجعُ

وَعَبرتَ عَن دُنياكَ عبرةَ نازعٍ ... عَنها إِلى وطنِ المقامةِ ينزعُ

وَعَرفتها وَحَذرت من لذّاتها ... دَسماً تُرقرقهُ لسمٍّ ينقعُ

في الناسِ مَن لو أُمّنوا تبعاتها ... لاِستَقذَروها عفّةً وتورّعوا

شُحّاً بأنفاسٍ تعزّ وأنفس ... أُنفٍ وَمعطس همّة يترفّعِ

عَن ضيعةٍ وإنالةٍ وإهانةٍ ... في عيشةٍ بوشيك بين تفجعُ

وَتفادياً عَن كسفِ نور بصيرةٍ ... بهوىً يرين على القلوبِ ويطبعُ

وَتفصّياً عَن فتنةٍ إِن سالَمَت ... نَقَصَت منَ الحظّ الّذي هو أنفعُ

فَالطيّباتُ اليومَ مُذهبةٌ غداً ... عمّن بِها لِرعونةٍ يستمتعُ

كَم عفّرت في التربِ رأسَ متوّجٍ ... كَم لَجلَجت أسلاتِ لسنٍ تصقعُ

لا تَركُنن منها لظلٍّ زائلٍ ... إنّ الظلالَ إِلى الشواخصِ تبّعُ

وَاِعلم بأنّك حاسرٌ مستهدفٌ ... لِسهامها ولوِ اِزدهاكَ تدرّعُ

وَكنِ الأشدّ تحذّراً منها إذا ... كُنتَ الأسرّ بها فثمّ المخدعُ

فَالمطمئنّ بِها إِلى مكروهها ... أَدنى من الحذرِ الّذي يتوقّعُ

لَم تُطبع الدّنيا على شكلِ الوفا ... فَعلامَ في قلبِ الحقائق يطمعُ

عِش ما تشاءُ بِها فإنّك ميّتٌ ... وَاِحبب بِها من شئتَ فهو مودّعُ

وَاِصنَع بِها ما شِئتهُ ترهُ غداً ... إِذ لا رَهينَ يفكُّ ممّا يصنعُ

لِلأرضِ يرجعُ ما عَليها إنّما ... هِيَ مستقرٌّ بعده مستودعُ

مِن تُربها كنّا وفيه معادنا ... وَكَما بُدِئنا منه قبلُ سنرجعُ

يَقضي النّهى وَالطبع أنّ لنوعنا ... رِمماً عَلى الدقعاء منها أوسعُ

فَسَلِ الثرى كم من نواصٍ عفّرت ... فيهِ وكانَ المسك منها يسطعُ

وَبدورُ تمٍّ قَد هوت لرغامها ... كانَت منازلها الصياصي المنّعُ

وَاِنظر فَكم خدّ أسيلٍ قد ثوى ... فــــيــــهِ وَرأسِ رئاســــةٍ يــــترنّعُ

لِتَرى ذوي التيجانِ والعرفان في ... أَثنائهِ كَالخاملينَ تودّعوا

إِنّ الأنامَ فرائسٌ وَالسبعةُ ال ... أيّام فيهم بالرزايا أسبعُ

جرّ الزمانُ على الألى ذيلَ البلى ... قدماً فكلٌّ تحته متبرقعُ

وَأَناخ كلكلهُ عَلى ما شيّدوا ... فَتدكدكت أطمٌ وَأقوت أربعُ

هَذي سبيلُ الغابرينَ وَأنت في ... آثارهِم فَاِنظر لماذا المرجعُ

ما أَنتَ فيه كان غيرك أهلهُ ... وَيعودُ بعدكَ أهله المتوقّعُ

إنّ الورى سفرٌ يسيرُ بهم إلى ... دارِ البقا دولابُ دهرٍ مسرعُ

وَمَسافةٌ ما قَبلها أزلٌ وما ... مِن بعدها أبدٌ سريعاً تقطعُ

فَعَلامَ ثمّ علامَ ثمّ إلى متى ... يا اِبن السبيلِ بمهده تتولّعُ

أَيضيع مجتازٌ بدار ضيافةٍ ... زاداً وما يبقيه فيها يجمعُ

بَين المَنايا والمنى عُمُرٌ به ... نعمٌ تَزولُ وَنقمة تتوقّعُ

تَتجدّدُ الآمالُ مع إِبلائهِ ... فَالموتُ يَدنو والأماني تشسعُ

لا تبرحُ الآمالُ تُرخي للفتى ... طولاً فَيرتعُ ريثما يسترجعُ

هلّا يُريح جوارحاً وجوانحاً ... مرءٌ وَبالميسورِ عيشاً يقنعُ

فَالحرصُ والتدبيرُ في رزقٍ كفي ... جهل يضلّ وغلّة لا تنقعُ

لا يَمتَطي الدنيا إِلى الأخرى سوى ... ثقفٍ بملك عنانها يستضلعُ

لا يَزدهيهِ وَلا يطيش بلبّهِ ... مَرحٌ عَلى أعطافها يتدفّعُ

فَهيَ العثورُ وَلا يقال عثارها ... وَهي الجموحُ وإن غدت تتطوّعُ

تَنأى حراناً كلّما أكرَمتها ... وَإِذا أُهينَت أَصبحت تتخضّعُ

تَجلو عَلى الخطّابِ حسناً رائعاً ... وَعَلى مخازي جمّةٍ تتبرقعُ

كَم ذا تغرُّ وتلدغُ الإنسان من ... جحرٍ مراراٍ وهو لا يتمنّعُ

ما ذاكَ إلّا أنّ أَنفسنا لها ... أَبداً بحبّ العاجلاتِ تولّعِ

أَلِفَت مُعانقةَ الحظوظِ وما درت ... أنَّ الحظوظَ هيَ الإسارُ المدقعُ

عنيَت لَها بالرغمِ إِذ عنيت بها ... وَبلا فداءٍ أسرُ من لا يقنعُ

إنّ الوجودَ سجلُّ رمزٍ ضمنهُ ... سرّ الكيانَ وما إليهِ المرجعُ

تَطوي يدُ الإبطان منه كلّ ما ... نَشرت يدُ الإبدا وكلٌّ مشرعُ

فَأَخو الحِجى متدبّرٌ لِرموزهِ ... وَسِواه تلهيهِ النقوشُ اللمّعُ

حَتّى إِذا جلَتِ الحقائقُ بان حك ... مُ القَبضتَينِ فغانمٌ ومضيّعُ

سُبحانَ مَن حَجَبَ الأنامَ ليع ... مروا الدنيا بآمالٍ لهم تتوسّعُ

تَرنو بَصائرهم إِلى الأسبابِ في ... لبسٍ وَمِن حسرٍ خواسئ ترجعُ

تَعزو إِلى المرآةِ ما يجلى بها ... عزوَ الشرابِ إِلى سرابٍ يلمعُ

تَحجو حقيقَتُها الوجودَ وَلَو دَرَت ... مَعنى الوجودِ لكانَ فيه المقنعُ

كَم تلبسُ الأوهامُ كنهَ حقائقٍ ... لُبسَ السروجيّ الّذي يتنوّعُ

وَتلوّن الدّنيا لأهليها كَما ... تَتلوّنُ الحرباءُ كيما تخدعُ

لا تُمسكَ الأيدي بِها إلّا على ... حَبل يدلّى بِالغرور ويقطعُ

يَبني الفتى فيها الرجاءَ عَلى شَفا ... وَيقرّ منهُ مقرّ من لا يفزعُ

يَبني بناءَ الخالدينَ سفاهةً ... وَالدهرُ يهدمُ عمرهُ ويضعضعُ

يُلهيه حظٌّ هالكٌ مستنزرٌ ... عَن حظّهِ الباقي الَّذي هو أرفعُ

وَلو اِنّه يَـــــصـــــفــــو له أو غــــبّه ... رأساً بِرأسٍ في نجاة مطمعُ

لكــــنّه حــــشــــفٌ وَأَســــوأ كــــيــــلةٍ ... وَغــــراقــــةٌ وتــــباعةٌ وتفزُّعُ

أَولى له يـــــبـــــزى ويــــوفــــكُ لبّه ... عَن منذرٍ عريانَ لا يتبرقعُ

أَبِمَسمعيهِ صمامُ وقرٍ أم على ... بَصرِ الفؤادِ غشاوةٌ لا ترفعُ

أَم كانَ في شكٍّ مريبٍ فليعد ... نَظراً فداعيهِ المبينُ المسمعُ

أَوَ ليسَ يذكرُ خلقهُ من نطفةٍ ... فَإِذا هوَ الخصمُ الألدّ المصقعُ

وَإِذا لهُ عــــقــــلٌ يحكِّمهُ عَلى ... ما عن تصوّره بوجهٍ يضلعُ

فَالجهلُ وَالتقليدُ ضربةُ لازبٍ ... أَبداً عليه فأيّ حكمٍ يقطعُ

لَوحٌ وَأَيدي الفيض ناقشةٌ بهِ ... مثلَ الحقائقِ قدر ما يتوسّعُ

فَإِذا تَعاكستِ النقوشُ تولّدت ... نِــــسبٌ بِها أَفكاره تتوزّعُ

فَــــنقوشهُ علمٌ ضروريٌّ وما ... تستنبطَ الأفكار عنها يتبعُ

وَالوهمُ منهُ وَالمجازُ مكدّرٌ ... لِصــــفــــائهِ بِــــلوازم لا تُــــدفــــعُ

فَليدّكر إِذ كانَ طفلاً ناشئاً ... وَالعقلُ في مهدِ المزاجِ مضجّعُ

عَيناهُ تُبصر وَهو لا يدري ولل ... عاداتِ في جلّ المدارك يرجعُ

مُترقّباً طَوراً فطوراً لا يرى ... مَرمى ورا ما فيه أضحى يزمعُ

فَالظنّ والحسبان جلّ علومهِ ... وَالحقّ ما في الظنِّ منه مقنعُ

أَنّى يرى الأشيا كَما هي ناظرٌ ... مِن خلفِ حجبِ عوائدٍ لا ترفعُ

وَلِقصرهِ لِقصوره قد كلّف ال ... إيمان بالغيبِ الّذي هو أجمعُ

فَإِذا تَجاوز مُستقلّاً حدّه اِس ... توهتهُ ظلمةُ حيرةٍ لا تقشعُ

ما أَحيرَ الإنسانَ لولا شرعةٌ ... مِن ربّه تهدي السبيلَ وتردعُ

إِيهٍ وَلَولا فُلكُها لم ينجهِ ... سبحٌ وَطوفانُ البلايا يذرعُ

مثل الأنامِ مَعَ الشرائِعِ إذ دعوا ... مثل الّذين بمهمهٍ قد ضُيِّعوا

بَينا هُمُ في حيرةٍ إِذ جاءَهم ... رَجــــلٌ مخائلُ رُشدهِ تتوقّعُ

فَتَبادروا وَفضا له فَهداهم ... لِمراتعٍ ومشارعٍ تستنشعُ

حتّى إِذا أَنِسوا بِها قال اِعلموا ... إِنّي نصيحٌ فَاِحفظوا أو ضيّعوا

ماذا بِمَنزِلكم وَسوف تَذودكم ... عنهُ النوى وَلَكم منازل أمرعُ

فَهلمَّ أَهديكم إِليها وَاِحملوا ... مِن هذهِ زاداً لَها وتسرّعوا

فَتفرّقوا شيعاً لكلٍّ وجهةٌ ... فيه وَأمرهمُ الجميع تقطّعُ

بَعضٌ يَقولُ هو النصيحُ وَحسبُنا ... في أَمرهِ أنّا نطيعُ ونسمعُ

فَلَقد بَلَونا صدقهُ مِن قَبلها ... وَالحزمُ أَدنى لِلرّشادِ وأنجعُ

وَالبعضُ أَخلد لِلبطالة قائلاً ... إنّي بحاضرِ ما تأتّى أقنعُ

وَالبعض رانَ عَلى بصيرة لبّه ... ريبٌ فَقالَ مَقالةً تُستبشعُ

إنّا لمثلِ النبتِ هذا مغرسٌ ... ننمى بهِ فَعلامَ عنه نُقلِعُ

وَإِذا غصبناهُ فَلا مُستنبتٌ ... فيما نظنُّ لَنا إِليه مرجعُ

وَتفرّقَ الحزبانِ كلٌّ مِنهما ... شِيعاً عَلى آراءَ لا تتجمّعُ

فَمن الّذين لَه اِستجابوا سابقٌ ... جَلى وَمقتصدٌ وآخر يظلعُ

كلّ يولّي الوجهَ وجهاً زاعماً ... أنّ الّذي يَنحو لنجح مهيعُ

هَذا تحفّل للدروسِ مقلّباً ... ظهراً لبطن ما الصحائفُ تجمعُ

يَتصفّحُ الآراءَ مُنتخباً لما ... هو في نفسِ ذوي النباهة أوقعُ

مُتكلّفاً حفظاً وترتيباً لما ... يُلقى على طرزٍ يروق ويمتعُ

وَموشّحاً أَعطافه بمباحثٍ ... حللُ العلومِ بوشيهنّ توشّعُ

كَيما يقالُ له اِطّلاعٌ واسعٌ ... وَذكاءُ فكر مشرق متشعشعُ

هَــــذا وآخــــرُ وهــــو أندر نادرٍ ... مَــــغــــزاهُ إخلاصٌ بِها وتطوّعُ

فَتراهُ يَدأبُ ليله ونهارهُ ... في حلِّ ما يعتاصُ أو يتمنّعُ

كَلفاً بتحريرِ المسائلِ جهدهُ ... يَفتنُّ في طرقِ الجدال ويمرعُ

وَيَرى السعادة أَن يبثّ علومهُ ... بِالدرسِ وَالتأليفِ أو ما ينفعُ

وَلَهم على حسبِ الفنونِ تباينٌ ... كــــلٌّ بــــفــــنّ مــــغــــرم مــــتــــولّعُ

وَلَهم وسائلُ جمّةٌ ومقاصدٌ ... شــــــتّـــــى وآراءٌ شـــــعـــــاع شـــــرّعُ

وَسِواهمُ دنياهُ أكبرُ همّهِ ... يَسعى لَها سعيَ الكدودِ ويجمعُ

فَالناكِبونُ غَدوا وَأكبر همّهم ... دُنيا على غَمَراتها قَد أَزمعوا

وَالمهتدونَ إِلى الصراط تتبّعوا ... سُبلاً بنيّاتٍ لهم فتوزّعوا

أضعف بِمن يهوي هواهُ بهِ إلى ... مَهوى غرورٍ وهوَ لا يتمنّعُ

وَاِعجَب لَه ما شئتَ في حسبانهِ ... دَركَ الهَوى فخراً به يترفّعُ

هَذي سبيلُ الغابرينَ وَأَنتَ في ... آثارهِم فَاِنظر إذاً ما تصنعُ

فتوقَّ حتفاً لا يقالُ بمرتعٍ ... وَخمٍ يغرُّ بينعهِ من يرتعُ

يا سامياً نحوَ المحيطِ بجسمهِ ... إنّ الجسومَ إلى المراكز ترجعُ

الجسمُ للإِنسانِ شبه مطيّةٍ ... عاريةٍ كيما المنازل يقطعُ

أَخسر بهِ أَن تُستردّ وقصرهُ ... مِنها رعايتُهُ لها إِذ ترتعُ

فَاِعبُر إِلى دنياكَ عبرةَ تاجرٍ ... عَجلانَ يلتقطُ الّذي يستبضعُ

وَاِعلَم بأنّ نعيمَها وَبلاءها ... مُتوالِجان فذا لذا مستودعُ

كالحيّةِ الرقطاءِ لانَ مجسّها ... وَاِخشوشَنت حمةٌ لها تستنقعُ

في الناسِ من لو أُمّنوا تَبعاتها ... لاستَقذَروها عفّة وتورّعوا

كَم لَجلَجت من ألسُنٍ لسنٍ وكم ... ضَرَبت على أيدٍ تطولُ وتصدعُ

بَرحَ الخفاءُ وإنّما رانَ الهوى ... بحجابِ عادٍ كم نرى لو يرفعُ

كَم راتعٍ في أَرضها أو كارعٍ ... مِن حوضِها ذي غلّةٍ لا تنقعُ

فَتَكت بِه حبطاً فأصبحَ عبرةً ... تَبكيهِ مَنها الباغمات السجّعُ

قَد أَنزلته مِن صياصي عزّهِ ... أيدٍ وَأيدٍ بالنواصي تسفعُ

فَليدعُ ناديهُ فتىً في بَطنها ... دُعيت زبانيةٌ إليه ومقمعُ

كَم ذا تغرّ وتلدغُ الإنسان من ... جحرٍ مِراراً وهو لا يتمنّعُ

تَجلو على الخطّابِ حسناً رائعاً ... وَعلى مخازٍ جمّة تتبرقعُ

يُسليهِ لينُ مجسّها ويروقهُ ... تَرقيشها عن سمِّ نابٍ ينقعُ

فَاِربأ بِنفسك أَن تكون كداجنٍ ... في صفوِ عيشٍ عن مآل يخدعُ

سفرٌ بمدرجةٍ يسيرُ بِهِم إلى ... دارِ البقا دولاب دهرٍ مسرعُ

وَمسافةٌ ما قَبلها أجلٌ وما ... مِن بعدها أبدٌ سريعاً تقطعُ

فَلينزعنّ ثيابَ جسمك نازعٌ ... وَليفزعنّكَ من مقرّك مفزعُ

الأمــــرُ ويحكَ فَاِدّرع جدّاً له ... جـــــــدٌّ وإلّا أيّ ســـــــنٍّ تــــــقــــــرعُ

إيهٍ وشمّر فهوَ أعجلُ واِغتنم ... مِن فرصةِ الإمكانِ فوتاً يسرعُ

وَدعِ الأماني فهي مجثمُ عاجزٍ ... ذاوٍ وَحوصلةُ المحصّل بلقعُ

لا يُلهينّكَ زينةٌ وتكاثرٌ ... فَإِلى الهشيمِ يؤولُ ما هو ممرعُ

تَستعبدُ الدنيا القلوبَ بحبّها ... وَتُسخّر الدنيا الجسومَ فتخضعُ

فَنتائجُ الحبّ التزاحُمُ في الهبا ... وَالإفتخار به وما يستتبعُ

وَنَتيجةُ الآمالِ إِفراغُ القوى ... لِصنائعٍ ومهائنٍ تستبدعُ

فَترى مَهاوي بعضِها يلقي إلى ... بعضٍ وَليسَ لخرقِها ما يرتعُ

في نقصِ هذي الأرضِ مِن أَطرافها ... عبرٌ تعبّرُ حلمَ عيشٍ يطمعُ

فَاِغضُض قُواكَ عَنِ الفضولِ تجد بها ... فَضلَ اِلتفاتٍ للّذي هو أنفعُ

هَيهاتَ ما للمرءِ إلّا ما سَعى ... وَالسعي سوفَ يرى ويُجزى أجمعُ

إِنّ الرزايا لِلبصيرِ مواعظٌ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • السبعين: سبع: السَّبْعُ والسبْعةُ مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ، سَبْع نِسوة وسبْعة رِجَالٍ، وَالسَّبْعُونَ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ العِقْد الَّذِي بَيْنَ السِتِّينَ وَالثَّمَانِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أُوتِيتُ السَّبْعَ المَثاني، وَفِي رِو … (لسان العرب)
  • المصنوع: صنع: صَنَعَه يَصْنَعُه صُنْعاً، فَهُوَ مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَمِلَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى … (لسان العرب)
  • بسابق: سبق: السَّبْق: القُدْمةُ فِي الجَرْي وَفِي كُلِّ شَيْءٍ؛ تَقُولُ: لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ سُبْقةٌ وسابِقةٌ وسَبْقٌ، وَالْجَمْعُ الأَسْباق والسَّوابِقُ. والسَّبْقُ: مَصْدَرُ سَبَقَ. وَقَدْ سَبَقَه يَسْبُقُه ويَسْبِقُه سَبْق … (لسان العرب)
  • ترصع: رصع: الرَّصَع: دِقَّة الأَلية. وَرَجُلٌ أَرْصَع: لُغَةٌ فِي الأَرْسَح. وَفِي حَدِيثِ المُلاعَنة: إِن جَاءَتْ بِهِ أُرَيْصِع؛ هُوَ تَصْغِيرُ الأَرْصع وَهُوَ الأَرْسَح. والرَّصْعاء مِنَ النِّسَاءِ: الزَّلَّاء وَهِيَ مِثْلُ … (لسان العرب)
  • تهمع: همع: هَمَعَ الدمْعُ والماءُ وَنَحْوُهُمَا يَهْمَعُ ويَهْمُعُ هَمْعاً وهَمَعاً وهُمُوعاً وهَمَعَاناً وأَهْمَعَ: سالَ، وَكَذَلِكَ الطَّلُّ إِذَا سَقَطَ عَلَى الشَّجَرِ ثُمَّ تَهَمَّعَ أَي سالَ؛ قَالَ رُؤْبةُ: بادَرَ مِنْ ل … (لسان العرب)
  • فالعلم: علم: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ العَلِيم والعالِمُ والعَلَّامُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، وَقَالَ: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ*، وَقَالَ: عَلَّامُ الْغُيُوبِ*، فَهُوَ اللهُ ال … (لسان العرب)
  • فتنزل: نزل: النُّزُول: الْحُلُولُ، وَقَدْ نَزَلَهم ونَزَلَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ بِهِمْ يَنْزل نُزُولًا ومَنْزَلًا ومَنْزِلًا، بِالْكَسْرِ شَاذٌّ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَإِنْ ذَكَّرَتْك الدارَ مَنْزِلُها [مَنْزَلُها] جُمْلُ أَراد: أَإِ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • بمثلك هز الملك أعطافه عجبا
  • بصادق عزم تفخر الدولة الوسطى
  • العدل عهد خلافة الإنسان
  • القلب يخشع والمدامع تهمع
  • يا أهل بيت له العلياء والعظم
  • لصادق رعيه القصر السعيد
  • خطب عيون الدين منه ثجوجه
  • أهي الجبال رست بها الغبراء