الشقي السعيد
الشاعر: محمد حسن فقي · البحر: المجتث
«الشقي السعيد» من شعر محمد حسن فقي، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ماذا وراءَ الأُفُقِ هذا؟! — إنَّه شَيْءٌ مُخِيفْ!
إِلاَّ لمن كانَ العَفِيفَ — وقِلَّةٌ مِنَّا العَفِيفُ!
الشَّهْوةُ العَمْياءُ تُغْرِينا وتَعْمينا فَأَكْثَرُنا كفيف! — فإذا تَضَرَّجَ بالسِّهامِ
وصَوَّحَ الرَّوْض .. الخَرِيفْ! — ورأى النَّزِيفَ يكادُ يُسْقِطُهُ فّروَّعَهُ النَّزِيفْ!
أَنَّتْ جَوارِحُهُ .. وضَجَّ — بِقَلْبِهِ الدَّامي.. الوَجِيفْ!
فَبَكى وقال لِنَفْسِهِ — يا ليْتَني كنْتُ الشَّرِيفْ!
*** — لن يَشْفَعَ الدَّمْعُ الغَزِيرُ له
ولا النَّدَمُ الكَبِيرْ! — فلقد دَجا اللَّيْلُ البَهِيمُ
وأَدْبَرَ القَمَرُ المُنِيرْ! — وسَرَتْ سُمُومٌ في العُروقِ
.. فما لَهُ مِنْها مُجيرْ! — ما يَنْفَعُ المَرْءَ الحُطامُ
وقد يكُونُ به الفقِيرْ! — والمَجْدُ ما أَخْزاهُ
حِين يُلَوِّثُ المجْدُ الضَّمِيرْ! — إِنِّي لأَبْرَأُ مِنْهما
بُرْءَ الجَليلِ من الحقيرْ! — أَنْ كُنْتُ مِنْ قَبْلُ البَصيرَ
فَصِرْتُ مِن بَعْدُ الضريرْ! — ***
ماذا سَيَصْنَعُ ضائِعٌ — يَطْوِي اللَّيالي في سُهادْ؟!
أَخْفَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُهُ — ورَمَتْهُ في قاعِ الوِهادْ؟!
يَنْوِي المَتَابَ .. وفي الطَّرِيقِ إليه أَهْوَالٌ شِدادْ! — لم يَشْفِهِ خَطَأُ المَسِيرِ
ولم يُطَمْئِنْهُ السَّدادْ! — جَنَفُ الصِّراعِ أَقامَهُ
بَيْنَ الضَّلالَةِ والرَّشادْ! — لا يَسْتَرِيحُ .. وكيْفَ وهْوَ على فِراشٍ مِن قَتادْ؟!
بَذَرَ الغِواية واسْتَهانَ — وخافَ مِن مُرِّ الحَصادْ!
*** — رِيعَتْ دَخائِلُهُ .. ورَغْمَ
سُرُورِهِ خَافَ المصائِرْ! — فَتَخبَّطَتْ قَدَمَاهُ.. فَهْوَ بِخَطْوِهِ دَام وعاثِرْ!
وَيْلاهُ قَالَ وخَلْفُهُ — وأَمامُهُ النُّوَبُ والهَواصِرْ!
ماذا سأَلْقَى؟! والمآثِمُ أوْقَعَتْني في المخاطِرْ؟! — فإِذا بصَوْتٍ هامسٍ
عَذْبٍ تَطِيبُ به الخَواطِرْ! — أَشْجاهُ وهو يَقُولُ
إنَّ اللهَ يَغْتَفِرُ الكبائِرْ! — ويُفَرِّجُ الكُرُباتِ فَضْلاً لِلْعُقولِ ولِلْمَشاعِرْ!
إنَّ السَّماءَ يُضِيئُها — بَدْرٌ فَتَنْقَشِعُ الدَّياجِرْ!
*** — لا تَأْسَ فَهْوَ يَرى ضَمِيرَكَ إنْ صَدَقْتَ .. يَرى الطَّوايا!
فَلَرُبَّما شَقِيَتْ بَواكِرُ — ثم قد سَعِدَتْ عَشَايا!
سِرْ في طَرِيقِكَ واسْتَمِرَّ بها — فقد تَلْقى السَّجايا!
ولَسَوْف َإنْ صَمَّمْتَ تُسْعِدْكَ — الظَّواهِرُ والخَفايا!
جَلَّ الذي بَرأَ النُّفُوسَ — وجَلَّ مَن شَرَعَ الوَصايا!
يَهْدي بها المَفْتُونَ حتى لا يَزِلَّ مِن الخَزايا..! — وَلأَنتَ مِنْ بَعْدِ المَتابِ غَدَوْتَ مِن خَيْرِ البَرايا!
*** — إنِّي لأَرْنُو لِلسَّماءِ
إذا دَجا اللَّيْلُ البَهِيمْ! — فأَرى النُّجُومَ الوامِضاتِ كأنَّهُنَّ عُيُونُ رِيمْ!
تَطْوِي الظَّلامَ ولا تَمُنُّ — فما أَضِلُّ ولا أَهِيمْ!
والبَدْرُ يَسْطَعُ فالسَّماءُ — تَظَلُّ صافِيةَ الأَدِيمْ!
فأرى بِها وبِما يُحَيِّرُنا بِه الكَوْنُ العَظِيمْ! — يَدَ خالِقٍ .. يَحْبُو التَّقِيَّ
ولا يَضِنُّ على الأَثَيمْ! — آياتُهُ تُعْيِي البَيانَ
فَما النَّثِيرُ وما النَّظِيمْ؟! — ***
فَأَخِرُّ أَسْجُدُ ضارِعاً — وأَظَلُّ أَنْشُجُ بالبُكاءْ!
وأقول.. يا ربي استطلت — وما أنا إلا هَبَاءْ!
وأقولُ.. يا رَبِّي أَثِمْتُ — وضَلَّ صُبْحِيَ والمَساءْ!
وأَقُولُ رَبِّي أَبِقْتُ — وما اهْتَدَيْتُ إلى النَّجاءْ!
وأَقُولُ يا رَبِّي مَرِضْتُ — وما أُرِيدُ سِوى الشِّفاءْ!
واليَوْمَ أصْحُو من سُباتِيَ — أَسْتَفيقُ مِن البَلاءْ!
واليْوْمَ أَهْتِفُ بالدُّعاءِ — فهل سَيُسْعِدُني الدُّعاءْ؟!
أَنِّي لأَشْعُرُ بَعْدما.. بَيَّنْتَ لي الدَّرْبَ السَّواءْ! — وسَكَبْتَ في قَلْبي السَّكِينَةَ
والتَّطَلُّعَ.. والرَّجاء! — أَنِّي نَجَوْتُ فَلاَ نُكُوصَ
ولا رُجُوعَ إلى الوَراءْ! — جَلَّتْ أَيادِيكَ السَّخِيَّةُ
واسْتَفاضَتْ بالعَطاءْ! — فَأَنا السَّرِيُّ بما حَبَوْتَ
وكنْتُ أَجْدَرُ بِالرِّثاءْ! — قد كُنْتُ في الدَّرْكِ السَّحِيقِ فَصِرْتُ في القِمم الوِضاءْ!
أَشْدو بِحَمْدِكَ ما حَييتُ — فقد غَدَوْتُ كما تَشَاءْ!
يا للْجُدوبَة تَستَحِيلُ — بِفَضْلِ غَوْثِكَ لِلرُّواءْ..!
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البهيم: البَهِيمُ : أسود حالك؛ فرسٌ بهيم/ لَيْلٌ بهيم.- من الأصوات: المتماثل لا ترجيع فيه؛ غنَّت بصوتٍ بهيمٍ غير مطرب.- من الألوان: ما كان لوناً واحداً لا شيةَ فيه يتميز بها.
- الدامي: الدَّامِي : فا.-: الذي يسيل دمُه؛ جُرْحٌ دام/ دامي الشّفتين، هو المُلِحُّ في الطَّلب.
- العفيف: العَفِيفُ : من يتّصفُ بحسن القول والفعل؛ عفيف اللّسان/ عفيف اليد / عفيف النفْس/ أَعِفَّةُ الفقر، هم الذين لا يَسْألون إِذا افتقروا ج أَعِفّاءُ وأَعِفَّةٌ.
- الغزير: الغَزِيرُ : الكثيرُ من كلّ شيْءٍ ؛ نهرٌ غزير / مطرٌ غزير/ علمٌ غزير ج غِزَارٌ.
- الندم: ندم: نَدِمَ عَلَى الشَّيْءِ ونَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ نَدَماً ونَدَامةً وتَنَدَّمَ: أَسِفَ. وَرَجُلٌ نادِمٌ سادِمٌ ونَدْمانُ سَدْمانُ أَي نادِمٌ مُهْتمٌّ. وَفِي الْحَدِيثِ: النَّدَمُ تَوْبةٌ، وَقَوْمٌ نُدَّامٌ سُدَّامٌ ون …
- النزيف: النَّزِيفُ : المَحْموم.-: الذي سال دمُه غزيراً فضعُف؛ جريح نزيف حُمل إلى المشفَى.-: خروجُ الدّم غزيراً من الأنف أوالفم أو نحوهما لعلّة أو جُرح / السّكران النَّزيف، هو الذي ذهب عقله/ البئر النّزيف، هي القليلة الماء/ الرجل …
- الوجيف: الوَجِيفُ : مصـ. -: السُّقوط من الخوف. -: الاضطراب. - القلبِ: خفقانُه؛ سأل الطبيبَ عن سبب وجيف قلبه.