المسيح بعد الصلب
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الخفيف
«المسيح بعد الصلب» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 39 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بعدما أنزلوني سمعت الرياح ... في نواح طويل تسف النخيل
و الخطى و هي تنأى إذن فالجراح ... و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
لم تمتني و أنصتّ كان العويل ... يعبر السهل بيني و بين المدينة
مثل حبل يشدّ السفينة ... و هي تهوي إلى القاع كان النواح
مثل خيط من النور بين الصباح ... و الدجى في سماء الشتاء الحزينة
ثم تغفو على ما تحسّ المدينة ... حينما يزهر التوت و البرتقال
حيت تمتدّ جيكور حتى حدود الخيال ... حين تخضرّ عشبا يغنّي شذاها
و الشموس التي أرضعتها سناها ... حين يخضرّ حتى دجاها
يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها ... قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا
قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا و ماء نميرا ... قلبي الماء قلبي هو السنبل
موته البعث يحيا بمن يأكل ... في العجين الذي يستدير
ويدحى كنهد صغير كثدي الحياة ... متّ بالنار أحرقت ظلماء طيني فظلّ الإله
كنت بدءا و في البدء كان الفقير ... متّ كي يؤكل الخبز باسمي لكني يزرعوني مع الموسم
كم حياة سأحيا ففي كل حفرة ... صرت مستقبلا صرت بذرة
ذرت جيلا من الناس في كل قلب دمي ... قطرة منه أو بعض قطرة
هكذا عدت فاصفرّ لما رآني يهوذا ... فقد كنت سره
كأن ظلا قد اسود مني و تمثال فكرة ... جمّدت فيه و استلّت الروح منها
خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه ... عيناه صخرة
راح فيها يواري عن الناس قبره ... خاف من دفئها من محال عليه فخبّر عنها
أنت أم ذاك ظلي قد أبيضّ وارفضّ نورا ... أنت من عالم الموت تسعى هو الموت مرّه
هكذا قال آباؤنا هكذا علمونا فهل كان زورا ... ذاك ما ظنّ لما رآني و قالته نظرة
قدم تعدو قدم قدم ... القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم
أترى جاءوا من غيرهم ... قدم قدم قدم
ألقيت الصخر على صدري ... أو ما صلبوني أمس فها أنا في قبري
فليأتوا إني في قبري ... من يدري أني من يدري
ورفاق يهوذا من سيصدق ما زعموا ... قدم قدم
ها أنا الآن عريان في قبري المظلم ... كنت بالأمس ألتف كالظن كالبرعم
تحت أكفاني الثلج يخضل زهر الدم ... كنت كالظل بين الدجى و النهار
ثم فجرت نفسي كنوزا فعرّيتها كالثمار ... حين فصلت جيبي قماطا و كمّي دثار
حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار ... حين عريت جرحي و ضمدت حرجا سواه
حطم السور بيني و بين الإله ... فاجأ الجند حتى جراحي و دقات قلبي
فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبرة ... فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمرة
سرب جوعى من الطير في قرية مقفرة ... أعين البندقيات يأكلن دربي
شرع تحلم النار فيها بصلبي ... إن تكن من حديد و نار فأحداق شعبي
من ضياء السماوات من ذكريات و حب ّ ... تحمل العبء عني فيندى صليبي فما أصغره
ذلك الموت موتي و ما أكبره ... بعد أن سمّروني و ألقيت عينيّ نحو المدينة
كدت لا أعرف السهل و السور و المقبرة ... كان شيء مدى ما ترى العين
كالغابة المزهرة ... كان في كلّ مرمى صليب و أم حزينة
قدس الربّ ... هذا مخاض المدينة
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التوت: توت: التُّوتُ: الفِرْصادُ، وَاحِدَتُهُ تُوتَةٌ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ، وَلَا تَقُلِ التُّوثُ، بِالثَّاءِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ذَكَرَ أَبو حَنِيفَةَ الدِّيْنَوَرِيُّ أَنه بِالثَّاءِ؛ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّ … (لسان العرب)
- الصليب: صلب: الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْب، وَالْجَمْعُ: أَصْلُب وأَصْلاب وصِلَبَةٌ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَما تَرَيْني، اليَوْمَ، شَيْخاً أَشْيَبَا، ... إِذا نَهَضْتُ أَتَشَكَّى الأَصْلُبا جَمَعَ لأَ … (لسان العرب)
- العويل: عيل: عالَ يَعِيلُ عَيْلًا وعَيْلة وعُيولًا وعِيُولًا ومَعِيلًا: افْتَقَرَ. والعَيِّلُ: الْفَقِيرُ، وَكَذَلِكَ الْعَائِلُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى. وَفِي الْحَدِيثِ: إِن اللَّهَ يُبْغِضُ العائل … (لسان العرب)
- القاع: لقع: لَقَعَه بالبعْرةِ يَلْقَعُه لَقْعاً: رَمَاهُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ اللَّقْعُ فِي غَيْرِ الْبَعْرَةِ مِمَّا يُرْمَى بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: فَلَقَعَه بِبَعْرَةٍ أَي رَمَاهُ بِهَا. ولَقَعَه بِشَرٍّ ومَقَعَه: رَمَاهُ بِ … (لسان العرب)
- النواح: نوح: النَّوْحُ: مَصْدَرُ ناحَ يَنُوحُ نَوْحاً. وَيُقَالُ: نَائِحَةٌ ذَاتُ نِياحة. ونَوَّاحةٌ ذَاتُ مَناحةٍ. والمَناحةُ: الِاسْمُ وَيُجْمَعُ عَلَى المَناحاتِ والمَناوِح. والنوائحُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ يَجْتَمِعْ … (لسان العرب)
- تخضر: خضر: الخُضْرَةُ مِنَ الأَلوان: لَوْنُ الأَخْضَرِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَقْبَلُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي فِي الْمَاءِ أَيضاً، وَقَدِ اخْضَرَّ، وَهُوَ أَخْضَرُ وخَضُورٌ وخَ … (لسان العرب)