يَجيءُ المَساءُ حَزينا

الشاعر: حلمي الزواتي · البحر: المتقارب

«يَجيءُ المَساءُ حَزينا» من شعر حلمي الزواتي، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

(1) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

عَلى شاطِئ الحُزْنِ نَمْضي ... كَأَني وَ أَنْتِ عَلى مَوْعِدٍ لِلرَّحيلْ

وَ هذي العَصافيرُ فَوْقَ الجَليلْ ... وَ أَشْجارُ يافا وَ كُلُّ كُروم الخَليلْ

تَعُدُّ الحُروفَ التي شَرَّدَتْني ... وَ تُحْصي الجِراحَ التي أَحْرَقَتْني

وَ عَزَّةُ لا تَعْرِفُ الآنَ وَجْهي ... وَ عَزَّةُ لا تَعْرِفُ الآنَ لَوْني

وَ عَزَّةُ كَالقَطْرِ فَوْقَ عُذوق النَّخيلْ ... وَ عَزَّةُ تَمْضي بِلا مَوْعِدٍ للرَّحيلْ

(2) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

يَجئُ المَساءُ حَزيناً عَلى شاطِئ الذِّكْرَياتْ ... فَيَبْكي وَ نَبْكي مَعاً مَوْعِداً

كانَ بِالأَمْس لَمْ نَأْتِهِ ... وَ جُرْحاً جَريحاً بِخُصْلَةِ شَعْرِكِ ضَمَّدْتِهِ

وَ نَرْثي رَبيعاً مَضى في خَريفْ ... وَ ريحاً تُقَوِّضُ قَصْراً مُنيفْ

فَتَنْمو جِراحي ... وَ أَنْزِفُ مِنْ جَبْهَتي البُرْتُقالْ

وَ أَعْصِرُ جُرْحي، فَيَأْتي المُحالُ ... وَراءَ المُحالْ

وَ يَكْبُرُ ظِلِّي وَ يَنْمو ... وَ تَكْبُرُ روحي فَأَكْبو

(3) ... و أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

كَأَنِّي بِكِ الآنَ في لَحْظَةِ الالْتِحام ... كَأَنَّ دِمائي التي قَدْ رُويتِ

رَبيعاً مَضى ... وَ بَيروتُ لا تَرْحَمُ الرَّاحِلينْ

وَ حَلحولُ تَنْفُضُ عَنْ ساعِدَيْها الرَّمادَ ... وَ تَمْسَحُ بِالنَّارِ وَجْهَ العِدى

وَ تَلْبَسُ عَزَّةُ ثَوْباً جَديدا ... وَ تَرْسِمُني الآنَ رَسْماً بَعيدا

وَ تَجْعَلُ قَلبي قَديداً قَديدا ... فَلا تَقْتُلوا الشَّمْسَ في جَبْهَتي

وَ لا تَقْطَعوا مِعْصَمي عَنْ يَدي ... وَ لا تَفْصِلوا عَنْ دَمي العُنْفُوانْ

فَعَزَّةُ.. عَزَّةُ قَدْ وَهَبَتْني كُلَّ الحَنانْ ... وَ عَزَّةُ.. عَزَّةُ قَد أَثْخَنَتْني بِكُلِّ السِّنانْ

(4) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

عَلى صَهْوَةِ الجُرْح جِئْتُكِ طِفْلاً مُقاتِلْ ... تَعَلَّقَ وَجْهي بِنَجْم السَّماءِ

انْتَظَرْتُ ... تَصالَبَ في داخلي الانْتِظارُ

وَ ما أَعْذَبَ الانْتِظارَ وَ جُرْحي ... وَ أَنْتِ هُنا تُبْحِرينْ

وَ أَنْتِ هُنا الياسَمينْ ... فَكَيْفَ أَجيئُكِ مِنْكِ؟

وَ كَيْفَ أُعانِقُ ظِلَّكِ؟ ... إِنَّ الرِّياحَ، كَما أَعْلَموني،

تَكيدُ المُحِبينَ دَوْماً ... وَ تُنْسي الحَنينْ

(5) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

أُرَمِّمُ جُرْحا طَوَتْهُ الرِّياحُ ... وُ كُلُّ الرِّياح أَتَتْ مِنْ جَبيني

وَ يَمْتَزِجُ الجُرْحُ بِالجُرْح ... يَشْتَعِلُ القَلْبُ شَيْباً

وَ يَقْتُلُني البُعْدُ وَجْداً ... وَ ما أَجْمَلَ القَتْلَ حُبًّا

وَ ما أَعْذَبَ الحُبَّ صَلْباً ... وَ ما الصَّلْبُ إِلاَّ طَريقَ الحَياةِ

وَ ما المَوْتُ إِلاَّ سَبيلَ النَّجاةِ ... تَعالي لأُبْحِرَ فيكِ وَ أَرْسو

تَعالَيْ أُجَدِّدُ مَوْتي وَ أَغْفو ... تَعالَيْ وَ كوني عُيونَ الغَضَبْ

تَعالَيْ وَ كوني جَحيمَ اللهَبْ ... تَعالَيْ لأُقْتَلَ فيكِ وَ أَغْدو

لأُنْهِيَ عُمْري الحَزينَ وَ أَشْدو ... (6)

وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ ... فَخُضْتُ مَخاضاً عَسيرا

صَعَدْتُ الوُجوهَ التي تَحْتَرِقْ ... وَ أَمْسَكْتُ بِالشَّمْس

قالَتْ لِيَ السِّرَ ... قُلْتُ لَها: فَلْتَكوني البِحارَ التي تَحْتَرِقْ

أَنا ما نَسَيْتُ جِراحي ... وَ لكِنَّ قَلْبِيَ عَنِّي تَخَلَّى كَطَيْرٍ أَرِقْ

فَلا تَغْصِبوا الفَجْرَ مِنْ ناظِري ... وَ لا تَقْطَعوا مِعْصَمي عَنْ يَدي

فَعَزَّةُ جُمِّيزَةٌ في بِلادي ... وَ عَزَّةُ طِفْلٌ نَما في فُؤادي

(7) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

تَجيءُ المَراكِبُ لا شَيْءَ فيها ... وَ بَيروتُ تَغْسِلُ وَجهي بِماءِ المَطَرْ

و أَذْكُرُ أَنِّي وَ أَنْتِ رَكِبْنا الخَطَرْ ... وَ كانَ الرَّصاصُ يَطارِدُ فينا الزَّمَنْ

وَ يَنْقُشُ رَسْمي وَ رَسْمَكِ فَوْقَ المِحَنْ ... وَ يَحْضُنُنا البَحْرُ طِفْلَيْن هاما مِنَ الوَجْدِ

جاءَا بِلا مَوْعِدٍ لِلرَّحيلْ ... وَ يُلْبِسُنا الآنَ ثَوْبَ القَتيلْ

وَ تُنْشِدُنا الآنَ فَيْروزُ شِعْراً شَهيدا ... أُحِبُّكَ لُبْنانُ إِنِّي أُحِبُّكْ

وَ أَسْأَلُ نَفْسي: ... لِماذا أُحِبُّكِ يَوْماً وَ أَرْحَلْ؟

لِماذا أُريدُكِ طِفلاً مُكَبَّلْ؟ ... لِماذا..

لِماذا.. ... لِماذا؟

أَلا تَخْبُرينْ؟ ... وَ هَلْ تَعْرفينَ العُيونَ التي أَوْجَعَتْني؟

وَ هَلْ تَعْلَمينَ السُّيوفَ التي أَثْخَنَتْني؟ ... (8)

وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ ... لِماذا السَّفَرْ؟

وَ أَنْتِ التُّرابُ وَ نَحْنُ الحَجَرْ ... وَ أَنْتِ الرُّبوعُ وَ نَحْنُ الشَّجَرْ

أَلا تَذْكُرينْ؟ ... فَنَحْنُ ابْتِداءٌ بِدون انْتِهاءْ

وَ نَحْنُ الشَّقاءُ وَ نَحْنُ الرَّخاءْ ... أَلا تَذْكُرينْ؟

(أُعانِقُ فيكَ التِهابَ الحَياهْ) ... وَ نَحْنُ العَبيدُ وَ نَحْنُ الجُناهْ

وَ نُحْنُ امْتَطَينا سُروجَ الظَّلام ... فَصِرْنا مَعَ الفَجْرِ رَهْطَ الحُفاهْ

(9) ... وَ أَبْحَرْتُ مِنْكِ إِلَيْكِ

كَأنِّي أُسافِرْ ... كَأنِّي خَرَجْتُ مِنَ المَهْدِ لِلَّحْدِ

كُنْتُ أُغامِرْ ... تَلَمَّسْتُ قَلْبي فَكانَ الخَناجِرْ

وَ عُدْتُ إِلَيْكِ فَصِرْتِ المَقابِرْ ... فلا تَذْهَبي في الغِيابِ الطَّويلْ

لأَنَّ الخَليلَ، ... و حَلْحولَ،

دُورا، ... عَنَبْتا،

وَ جِنينَ ... تُرْخي الضَّفائِرْ

وَتَجْدِلُ حَبْلاً لِشَنْق الغُزاهْ ... وَ تَكْتُبُ بِالدَّم سِفْرَ الحَياهْ

فَلا تَذْهَبي في السَّحابِ البَعيدْ ... فَنَحْنُ عَلى مَوْعِدٍ لِلمَطَرْ

سَنَنْزِفُ في الفَجْرِ نارًا ... رَصاصاً

سَنَصْنَعُ تاريخَ هذا البَشَرْ ... ___________

يَجيءُ المَساءُ حَزينا: من ديوان "قصائد ممنوعة التجوال" الطبعة الثانية ، ... بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 1982. ص ص 93-114.

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:

  • تحصي: حصي: الحَصَى: صِغارُ الْحِجَارَةِ، الواحدةُ مِنْهُ حَصَاة. ابْنُ سِيدَهْ: الحَصَاة مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْرُوفَةٌ، وَجَمْعُهَا حَصَياتٌ وحَصىً وحُصِيٌّ وحِصِيٌّ؛ وَقَوْلُ أَبي ذؤَيب يَصِفُ طَعْنَةً: مُصَحْصِحَة تَنْفِي ال … (لسان العرب)
  • شاطئ: شطي: شَطَى: أَرضٌ، وَقِيلَ: شَطَى اسمُ قَرْيةٍ بناحيةِ مِصْرَ تُنسَبُ إِلَيْهَا الثيابُ الشَّطَوِيَّة، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: تَجَلَّل بالشَّطِيِّ والحِبَراتِ يُرِيدُ الشَّطَويَّ. غَيْرُهُ: الشَّطَوِيَّة ضرْبٌ مِنْ ثِيَابِ … (لسان العرب)
  • شردتني: شرد: شَرَدَ البعيرُ وَالدَّابَّةُ يَشْرُدُ شَرْداً وشِراداً وشُروداً: نَفَرَ، فَهُوَ شارِدٌ، وَالْجَمْعُ شَرَدٌ. وشَرُودٌ فِي الْمُذَكَّرِ والمؤَنث، والجمع شُرُودٌ؛ قَالَ: وَلَا أُطيق البَكَراتِ الشَّرَدا قَالَ ابْنُ سِي … (لسان العرب)
  • عذوق: عذق: العَذْقُ: كُلُّ غُصْنٍ لَهُ شُعَب. والعَذْق أَيضاً: النَّخْلَةُ عِنْدَ أَهل الْحِجَازِ. والعِذْق: الكِباسة. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العَذْق، بِالْفَتْحِ، النَّخْلَةُ بحَمْلها؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ السَّقيفة: أَنا عُذَيْقُ … (لسان العرب)
  • فيبكي: البُكا يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فإذا مددت أردت الصوتَ الذي يكون مع البكاء، وإذا قَصَرْتَ أردت الدموعَ وخروجها. قال الشاعر [[الشعر لكعب بن مالك الانصاري.]] : بَكَتْ عَيْني وحَقَّ لها بُكاها * وما يُغْني البُكاءُ ولا العَويلُ وب … (الصحاح)
  • كالقطر: قطر: قَطَرَ الماءُ والدَّمْعُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّيَّالِ يَقْطُر قَطْراً وقُطُوراً وقَطَراناً وأَقْطَر؛ الأَخيرةُ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ، وتَقاطَرَ؛ أَنشد ابْنُ جِنِّي: كأَنه تَهْتانُ يومٍ ماطرِ، ... مِنَ الربِيعِ، دائم … (لسان العرب)
  • كروم: روم: رَامَ الشيءَ يَرومُهُ رَوْماً ومَراماً: طَلَبَهُ، وَمِنْهُ رَوْمُ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَما الَّذِينَ رَامُوا الْحَرَكَةَ فإِنه دَعَاهُمْ إِلى ذَلِكَ الحِرْ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • ابتسامَة عَلى شَفَتي الجُرْح
  • حَرِّقوهُ وَ انْصُروا آلِهتَكُم
  • وَ لكِنْ شُبِّه لَهُم!!
  • وَتَنْشُرُ بَيْرُوتُ أَسْرَارَهَا
  • الرَّحيلُ الى العُيونِ المَرافِئ*
  • تماثيل الرَّماد
  • وَا لَهَفي عَلى وَطَني!!
  • وَ شــــاهِد وَ مَشــــْهود