مساء الموت
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
إن من المؤلم للنفس والموجع للقلب أن يقضي (طفل الثالثة) من العمر (أربعة أيام) ضائعا بين الجبال ويُعثر عليه في اليوم الخامس وقد فارق الحياة... ولسان حاله يقول :مساء الموت يا أمي ..
مساء الموت يا أبَتِ..مساء الموت يا قومي...
****مساء الموت يا أمي:
مساء الموتإن الموت يرصد خطوتي الحَيْرَى
على أهداب مِرْآتي...ويُطفىء صوتُهُ
أنغام مِصْباحي ومِشكاتي ...وتحرق نارهُ الحَمراء
فوق الصّبر راياتي...ويجثِّمُ ليلهُ الدّاجي
على أزهار أنَّاتي ....ليُذبلها . فتنفثُ في قلوبِ الناس
قبل الموت مأساتي...*****
مساء الموت يأمي:أما تدرين
أنّ الموت مُذْ فارقتُ صدرككان يَرْصُدُني
لِيَحصدَ كلّ أوقاتي...أما تدرين
أن الموت حَاصَرنيوأوْصَدَ كل أبواب النجاة
أمام خطواتي...أمَا تدرينَ
أن الموت يا أمييُقَهْقِهُ ساخِراً منّي
إذا أرسلْتُ في ألمٍ نِدَءاتي...أما تدرين
أن الموت مَدّ يَدَيهِ في قلبيليشرب كل آهاتي...
لِكَي لا تطرق الأسماعأو تُشْقِي غُصُونَ الصمت
في أولى محطاتي...أما تدرين
أن الموت يرسُمُ في رِمالِ البُؤسأغْرَبَ لوْحَةٍ تحكي مُعاناتي...
*****مساء الموت يا أبتِ:
مساء الموتإن الموت يعبُرُ كل أورِدَتي ...
ويطبَعُ قُبلةً سوداءَينحرُ سُمّها فجر ابتساماتي
على شفتي...ويزرعُ ألفَ سِهمٍ قاتلٍ
يسْتأصِلُ الأَنْفَاسَ من رئتي ...لماذا يا أبي لم
تَقْتَفِ بحنانك المعهودفي كل الدروب
بلهفةٍ أثري..؟لماذا لم تَسلْ كل الرُّبا
والطير والأشجاروالأحجار عن خَبَري ؟...
أبي .!!ماذا فعلتَ ...لتِائِهٍ حيران
في دوَّامةِ الخطر؟...ظننتك سوف تُشْعِلُ ألف قنديلٍ
من الآمال يطفئ ضوؤُها كدري ...ظننتك سوف تقضي الليل
في قلقٍ تُلاحِقُني.تُجَرّعُ مقلتيكَ بقسوةٍ كأساً من السهرِ...
لِتنْحتَ في صخور اليأس درْباً مُشرقاًلِصَغيرِك المضنى
لِيوصِلَني إلى بوابة القمر...ولكني فُجِعْتُ بوحدتي في شاسع الآلام
عَادَ بحسْرةٍ بَصَري...فلا تَحْزن عليّ
ولا تَسُحّ الدّمْع مِدْرَاراً على صُوَرِي...ولا تَضْمُم ثيابي نحو صدرِك
يا أبي تستنطِقُ السّلوانَمن تيّارها العَطِرِ..
ولا تحْنُو على لُعَبي تُقَبِّلُهاوتَصْرُخُ باسمي المنكوب تدْعُوني إليها
مثلما قد كان في صِغَري ...وأنت تركتني وحدي أواجهُ
بين أنياب الرّدى قدري...****
مساء الموت يا قومي:مساء النَّخْوةِ العربية الأولى ...
وقد شاهدتُها تبكيعلى أبنائها الجبناء كالثّكْلى...
أأنتم يا بني قومي . بنو قومي ؟وقد نامتْ طَوَال الليل أعيُنُكم
بلا حزنٍ على ما حلَّ بييا ويحكم خيَّبْتُم الأمَلَ...
لقد رسَمَتْ خطيئتكُمعلى وجه الشّهامةِ
وصْمة سوداء لا تبْلى...****
مساء الموت يا أمي :أما والله لو أبصرتني في أول الأيام
من أيام أحزاني ...وقد أجهشتُ أبكي
حينما شاهدتُ نفسي في قِفارِ التّيهِلكن البكاء المُرَّ أَضْناني...
صرختُ بكل صوتيأين أنتِ
كيفَ لم يجْذبكِيا أمي صدى صوتي
ولم تُؤلمك أجفاني؟ ...صمتُّ لعلَّني أحظى بصوتٍ هاتفٍ باسمي
يُزَلْزِلُ صمْتَ آذَاني...ركضت لأسبق الخوف الذي أبصرته
يبني قصور القهرفي أرجاء وجداني...
وأرهقني شعاع الشمسدمّر موجُهُ الفتَّاك شُطْآني ...
وسِرْتُ على جسور الشّوكأرسم من دمي ودموع عيني وجه
أشجاني ...وقُلتُ : لَرُبَّما يجتاح فوحٌ دَمي
حَنايا قلبكِ الحاني...فَيَرْكُضَ خلفهُ
بَحْثَاً عن العطر الذي تجري بهأنفاسُهُ الَحرّى فيلقاني..
ولكن خابت الآمالُ يا أمي .أيُعْقَلُ أنّ قلبك صادقُ الإحساسِ –
ينساني؟..ودَاهَمَني ظلامُ الليل.
أذهَلَني . وزلزلَ خافقي رُعْبٌ يُلاحقنيوينسجُ من فُتَاتِ الرّوح أكفاني...
وَضَمَّتْني يدُ الإعياءِ.خانتني قُوى جسدي
تَهاوى فوقَ وجهِ الأرض مُنْهاراًلِيُغْلِقَ ثغر بُركاني...
فَنِمتُ على يديْ غيبوبتي فاسْتنْهضَتنيوحشَتي من مهدِ سُلواني...
ودوّت في عروق الليل صيحاتيوقد حمَلتْ على طَرَفَيْ جناحيها
اسمك الغاليمع اسم أبي وإخواني ...
فلم تظْفر بقلبٍ يحتويها.فانثنت تطْوي عن الأنظار والأسماع
عنواني...*****
صباح الموت يا أمي:أما والله لو أبصرتني في يومي الثاني...
وقد يَمْمّتُ نحو الشرق أركض نحو خيْط الفجربحثاً عن يدٍ تمتّدُ نحوي حين تلقاني..
تعبتُ وداهمتني الشمستُشعلُ في هشيمِ القلب نيراني...
ظَمِئْتُ فَمَدَّ كفُّ الرعب كأس الذلِّفي غضبٍ وأسقاني...
وناحت فوق غُصْن اليأسألف حمامةٍ بالحزن تنْعاني...
وآوتني ظِلال السّدْرة الخضراءعن سوط الهجير المُرِّ
نِمْتُ بحسْرتي في قلبي العاني ....وحين فتحت عيني
كان غُوْلُ الليل ينهشُ ضوءَهاوالصمت يغشاني...
فكيف أفرُّ يا أمي؟...وأين أفِرُّ.
إن الليل ليلانِ..وكيف أفر يا أمي ؟
وأين أفِرُّ .إن الحزن حزنانِ..
وكيف أفر يا أمي ؟وأين أفِرُّ؟
إن الموت موتانِ...****
صباح الموت يا أمي :أما والله لو أبصرتني في ثالث الأيام
من أحزان أيامي..وقد وَرِمَتْ لِطُولِ السّير والأشواك
أقدامي...وشاختْ في جحيم الصبر والآهات
أحلامي...وطافت في مدارات الفؤاد الغض آلامي..
قطعتُ مفازة الأحزان حبْواًبعد أن خانتني الأقدام يا أمي
فأين حنانك السّامي؟...وَبتُ أنا وغولُ الموت يَلهُو بي –
وَيعلِنُ في بقاع الظلم إعْدامي...فما من مُنقذٍ من كفّهِ الدّموي حين
تضافرت أحزابُ قسوتهِ لِتَعْصِر قلبيالدّامي...
*****صباح الموت يا أمي :
وها قد أشرقت شمسٌيزُفّ شُعاعُها يوماً كئيباً في رُبا سَأمي ...
وصار الموت يمْضَغُنِيويُلقيني إلى دوّامة العدمِ...
وصار الموت يَغسِلُني بدمعي في غدير الظلممن رأسي إلى قدمي ...
ويجثِمُ فوقَ جسمٍ ناحلٍتُسقيهِ كفُّ البطش بعضَ دَمي...
يمُدّ مخالباً سوداءَ تنزع روحي الحيرى.ويلقي جثَّتي من بعدها في غيْهَبِ الظُلَمِ..
فلا تبكي عليّ و لا تقولي بعد أن فات الأوانُبحُرْقَةِ المحْزوُنِ و ا نَدَمي ...
ولا تبكي عليّ ولا تقولي...ذابت الآلام في ألمي ...
تناسي كلّ ما قاسيْتُهُ في رحلةِ الأكدارِيا أمّاهُ وا بتسمي ..
****مساء الموت يا أمي:
وها أنا جثّةٌتتسابقُ الغُربانُ يا أمي على عيني.
وتفقأُها..تُمَزّقُ خَدّي الصّافي
وتشربُدونَ خوفٍ من شراييني.. وترقص فوق صدري .
آه لو أبصرتِ يا أماهُماذا تفعلُ الغربان في أنفي وفي شفتي...
وتبحثُ بعد هذافي ظِلالِ الأمنِ- عن قلبي وعن رئتي...
سَلِي بالله يا أمي بني قوميأما من عابرٍ من هذه الغربان يحميني؟...
وقصّي كلُ ما قاسيْتُهُ في رحلة الأخزانِيا أمي على أبتِ...
سَلِي أبتِ:ألم يُفْزِعهُ من طول المنام العذِب . موتي
في قفارِ الخوفِ وحْديبعد أن عاثتْ سمومُ الجدْبِ
في أحلى بساتيني...سلي أبتِ:
لِماذا لم يهُبّ لِنجْدتيفي يومي الثاني؟
أو الثالث؟ أو الرابع؟ ...أَماتت في فؤاد أبي ينابيعُ الأبوّةِ حين أمسى
بعد فقدي طَرْفُهُ هاجِعُ؟...أما اشتاقتْ إلى شَفَتَّي كفّاهُ؟
أما اشتاقت إلى عينيّ عيناهُ؟...سَيَبْكي بعد أن فات الأوان
وتَرتَوي من دمعهِ المُنْساب خدّاهُ...فإن أزرَتْ به أشواقُهُ
فليسأل الغربان عن خديّ.وعن أنفي وعن شفتي .
أَلاَ فلتّطلبوا ثأري من الغربانيا أمي ويا قومي ويا أبتِ...
قِفُوا لِجَحَافِلَ الغربان بالمرصاد صفّاًواجمعوا لحْمي...
قفوا لِجحافل الغربان بالمرصاد صفّاًوانسجوا من ريشها كفناً على جَسَدي ...
وَخُطّوا بالدّموعِعلى جِبَاهِ قلُوبكمْ قبلَ الرحيل اسمي...
ضَعُوا لِي من عظام جحافل الغربانتِمثالاً يخلّد بَيْنكُمْ رَسْمِي.....
**تماثل
2006
عن القصيدة
«مساء الموت» من شعر حسن الزهراني، وتقع في ١٢٣ بيتًا. ورويّها حرف النون، وغرضها الرثاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.