بالرغم منّا .. قد نضيع

الشاعر: فاروق جويدة · البحر: البسيط

«بالرغم منّا .. قد نضيع» من شعر فاروق جويدة، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

( 1 ) ... قد قال لي يوماً أبي

إن جئت يا ولدي المدينة كالغريب ... وغدوت تلعق من ثراها البؤس

في الليل الكئيب ... قد تشتهي فيها الصديق أو الحبيب

إن صرت يا ولدي غريباً في الزحام ... أو صارت الدنيا امتهاناً .. في امتهان

أو جئت تطلب عزة الإنسان في دنيا الهوان ... إن ضاقت الدنيا عليك

فخذ همومك في يديك ... واذهب إلى قبر الحسين

وهناك صلي ركعتين ... (2)

كانت حياتي مثل كل العاشقين ... والعمر أشواق يداعبها الحنين

كانت هموم أبي تذوب .. بركعتين ... كل الذي يبغيه في الدنيا صلاة في الحسين

أو دعوة لله أن يرضى عليه ... لكي يرى .. جد الحسين

قد كنت مثل أبي أصلي في المساء ... وأظلُ أقرأ في كتاب الله ألتمس الرجاء

أو أقرأ الكتب القديمة ... أشواق ليلى أو رياضَ .. أبي العلاء

(3) ... وأتيتُ يوماً للمدينة كالغريب

ورنينُ صوت أبي يهز مسامعي ... وسط الضباب وفي الزحامِ

يهزني في مضجعي ... ومدينتي الحيرى ضبابٌ في ضباب

أحشاؤها حُبلى بطفلٍ ... غير معروف الهوية

أحزانها كرمادِ أنثى ... ربما كانت ضحية

أنفاسُها كالقيدِ يعصف بالسجين ... طرقاتُها .. سوداء كالليل الحزين

أشجارها صفراء والدم في شوارعها .. يسيل ... كم من دماء الناس

ينزف دون جرح .. أو طبيب ... لا شيء فيك مدينتي غير الزحام

أحياؤنا .. سكنوا المقابر ... قبلَ أن يأتي الرحيل

هربوا إلى الموتى أرادوا الصمت .. في دنيا الكلام ... ما أثقل الدنيا ...

وكل الناس تحيا .. بالكلام ... (4)

وهناك في درب المدينةِ ضاع مني .. كل شيء ... أضواؤها .. الصفراء كالشبح .. المخيف

جثث من الأحياء نامت فوق أشلاء .. الرصيف ... ماتوا يريدون الرغيف

شيخٌ ( عجوز ) يختفي خلف الضباب ... ويدغدغ المسكينُ شيئاً .. من كلام

قد كان لي مجدٌ وأيامٌ .. عظام ... قد كان لي عقل يفجر

في صخور الأرض أنهار الضياء ... لم يبق في الدنيا حياء

قد قلتُ ما عندي فقالوا أنني ... المجنونُ .. بين العقلاء

قالوا بأني قد عصيتُ الأنبياء ... (5)

دربُ المدينة صارخُ الألوانِ ... فهنا يمين .. أو يسارٌ قاني

والكل يجلس فوق جسمِ جريمةٍ ... هي نزعة الأخلاقِ .. في الإنسانِ

أبتاه .. أيامي هنا تمضي ... مع الحزن العميق

وأعيشُ وحدي .. ... قد فقدتُ القلبَ والنبضَ .. الرقيق

دربُ المدينة يا أبي دربٌ عتيق ... تتربع الأحزانُ في أرجائه

ويموت فيه الحب .. والأمل الغريق ... (6)

ماذا ستفعل يا أبي ... إن جئتَ يوماً دربنا

أترى ستحيا مثلنا ؟؟ ... ستموت يا أبتاه حزناً .. بيننا

وستسمع الأصواتَ تصرخُ .. يا أبي : يا ليتنا ..يا ليتنا .. يا ليتنا ... وغدوتُ بين الدربِ ألتمسُ الهروب

أين المفر؟ ... والعمرُ يسرع للغروب

(7) ... أبتاهُ .. لا تحزن

فقد مضت السنين ... ولم أصلِّ .. في الحسين

لو كنتَ يا أبتاهُ مثلي ... لعرفتَ كيف يضيع منا كلُ شيء

بالرغم منا .. قد نضيع ... بالرغم منا .. قد نضيع

من يمنح الغرباءَ دفئاً في الصقيع؟ ... من يجعل الغصنَ العقيمَ

يجيء يوماً .. بالربيع ؟ ... من ينقذ الإنسان من هذا .. القطيع ؟

(8) ... أبتاهُ

بالأمس عدتُ إلى الحسين ... صليتُ فيه الركعتين

بقيت همومي مثلما كانت ... صارت همومي في المدينةِ

لا تذوب بركعتين

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الزحام: زحم: الزَّحْمُ: أَن يَزْحَمَ القومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ كَثْرَةِ الزِّحَامِ إِذا ازْدَحَمُوا. والزَّحْمةُ: الِّزحامُ. وزَحَمَ القومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَزْحَمُونَهُمْ زَحْماً وزِحاماً: ضَايَقُوهُمْ. وازْدَحَمُوا وَت … (لسان العرب)
  • امتهان: مته: مَتَهَ الدَّلْوَ يَمْتَهُها مَتْهاً: مَتَحَها. والمَتْهُ والتَّمَتُّه: الأَخْذُ فِي الغَوايةِ والباطلِ. والتَّمَتُّه: التحمُّقُ والاخْتيال، وَقِيلَ: هُوَ أَن لَا يَدْرِيَ أَينَ يَقْصِد وَيَذْهَبُ، وَقِيلَ: هُوَ التم … (لسان العرب)
  • امتهانا: أمت: أَمَتَ الشيءَ يَأْمِتُه أَمْتاً، وأَمَّتَه: قَدَّرَهُ وحَزَرَه. ويُقال: كَمْ أَمْتُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكُوفة؟ أَي قَدْرُ. وأَمَتُّ القومَ آمِتُهم أَمْتاً إِذا حَزَرْتَهم. وأَمَتُّ الماءَ أَمْتاً إِذا قَدَّرْتَ … (لسان العرب)
  • تلعق: لعق: لَعِقَ الشيءَ يَلْعَقُه لعْقاً: لَحِسَهُ. واللَّعْقةُ، بِالْفَتْحِ: المرَّة الْوَاحِدَةُ، تَقُولُ: لَعِقْتُ لَعْقَةً وَاحِدَةً. وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَإِذَا فَرَغَ لعِقَها وأَمر بلَعْ … (لسان العرب)
  • ثراها: ثرا: الثَّرْوَة: كَثْرَةُ العَدَد مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ. يُقَالُ: ثَرْوَة رجالٍ وثَرْوَة مالٍ، والفَرْوة كالثَّرْوة فَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ إِلا فِي ثَر … (لسان العرب)
  • كالغريب: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • الصبح حلم.. لا يجئ
  • ويمضي العمر
  • في عينيك عنواني
  • بقايا.. بقايا
  • ويبقى السؤال
  • وعمرى .. أنت مرساه
  • كأن العمر ماكان
  • عيناك أرض لا تخون