قبر شاعر
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الرجز
«قبر شاعر» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رفّت عليه مورقات الغصون ... و حفّه العشب بنوّاره
ذلك فبر لم تشهده المنون ... بل شاده الشّعر بآثاره
أقامه من لبنات الفنون ... و زانه المجد بأحجاره
ألقى الشّاعر عبء الشّجون ... وأودع القلب بأسراره
*** ... و جاورته نخلة باسقة
تجثم في الوادي إلى جنبه ... كأنّها الثّاكلة الوامقة
تقضي مدى العمر إلى قربه ... و ترسل الأغنية الشّائقة
قمريّة ظلّت على حبّه ... ***
و يقبل الفجر الرّقيق الإهاب ... يحنو على القبر بأضوائه
كأنّما ينشد تحت التّراب ... لؤلؤة تزري بلألائه
إستلّ منها الموت ذاك الشّهاب ... غير شعاع في الدّجى تائه
يظلّ يهفو فوق تلك الشّعاب ... يطوف بالينبوع من مائه
*** ... و يذهب النّور و يأتي الظّلام
ز تبزع الأنجم في نسقه ... حيرى تحوم اللّيل كالمستهام
أسهره الثّائر من شوقه ... تبحث عن نجم بتلك الرّجام
هوت به الأقدار عن أفقه ... أخ لها في الأرض ودّ المقام
و آثر الغرب على شرقه ... و يطلق الطير نشيد الصّباح
بنغمة تصدر عن حزنه ... يمدّ فوق القبر منه الجناح
و يرسل المنقار في ركنه ... أفضى إلى الرّاقد فيه و باح
بأنّه الملهم من فنّه ... فمن قوافيه استمدّ النّواح
و من أغانيه صدى لحنه ... ***
و حين تمضي نسمات الخريف ... و تملأ الأرض رياح الشّتاء
و يقبل اللّيل الدّجى المخيف ... فلا ترى نجما ينير السّماء
هناك لا غصن عليه وريف ... يهفو ، و لا طير يثير الغناء
يظلّل الأرض الظّلام الكثيف ... كأنّما تمسي بوادي الفناء
يا شاعرا ما جمعتني به ... كوكب اللّيل و شمس النّهار
لكنّه الشّرق و في حبّه ... ينأى بنا الشّوق و تدنو الدّيار
سكبت من شجونك في قلبه ... و من مآقيك الدّموع الغزاز
فودّ لو أن نمت في تربه ... ليشفي النّفس بهذا الجوار
*** ... صوّر لي القبر الذي تنزل
تخيّل الشّعر و وحي الشّعور ... فجئت للقبر بما يجمل
من صور الدّنيا الفتون الغرور ... قل لي بحقّ الموت ما يفعل
بالشّاعر الموت و هذي القبور؟ ... و هل وراء الموت ما نجهل
من عالم الرّحعى و يوم النّشور؟ ... ***
قد راعني موتك يا شاعري ... في ميعة العمر و فجر الشّباب
و هزّني ما فاض من خاطر ... كان ينابيع البيان العذاب
و نفاثات القلم السّاحر ... في جوبك ألافق و طيّ السّحاب
و وقفة بالكوكب الحائر ... رأى بساط الرّيح يدنو فهاب
لكنّه شعرك لمّا يزل ... يردّد الكون أناشيده
شعر كصوب الغيث أنّى نزل ... أرقص في الرّوض أماليده
و علّم الطّير الهوى و الغزل ... فأسمع الزّهر أغاريده
و غنّت الرّيح به في الجبل ... فحرّكت منه جلاميده
*** ... يا قبر لم تبصرك عيني و لا
رأتك إلاّ في ثنايا الخيال ... ملأت بالرّوع فؤاد خلا
إلاّ من الحبّ و نور الجمال ... أوحيت لي السّر الرّدى فانجلى
عن عيني الشّكّ و ليل الضَلال ... غدا ستطوي القلب ايدي البلى
و ينقص النّجم عقاب اللّيال ... ***
و هكذا تمضي ليالي الحياه ... و القبر ما زال على حاله
دنيا من الوهم و دهر تراه ... يغرّر القلب بآماله
يسخّر من مبتسمات الشّفاه ... و جامد الدّمع و سيّاله
دهر على العالم دارت رحاه ... فلم تدع رسما لأطلاله
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الشجون: شجن: الشَّجَنُ: الْهَمُّ والحُزْن، وَالْجَمْعُ أَشْجانٌ وشُجُونٌ. شَجِنَ، بِالْكَسْرِ، شَجَناً وشُجُوناً، فَهُوَ شاجِنٌ، وشَجُنَ وتشَجَّنَ، وشَجَنَه الأَمرُ يَشْجُنُه شَجْناً وشُجُوناً وأَشْجَنهُ: أَحزنه؛ وَقَوْلُهُ: يُو … (لسان العرب)
- الفنون: نون: النُّونُ: الْحُوتُ، وَالْجَمْعُ أَنْوانٌ ونِينانٌ، وأَصله نُونانٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ النُّونِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَعْلَمُ اختِلافَ النِّينانِ فِي الْبِحَارِ الغامِراتِ. وَ … (لسان العرب)
- بنواره: وره: الوَرَهُ: الحُمْقُ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَيُقَالُ: الخُرْقُ فِي الْعَمَلِ. والأَوْرَهُ: الَّذِي تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ وَفِيهِ حُمْقٌ وَلِكَلَامِهِ مَخارِجُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَتمالكُ حُمْقاً، وَقَدْ وَرِهَ وَرَه … (لسان العرب)
- تجثم: جثم: جثَم الإِنسانُ والطائرُ والنَّعامةُ والخِشْف والأَرْنبُ واليَرْبوعُ يَجْثِم ويَجْثُم جَثْماً وجثُوماً، فَهُوَ جاثِم: لَزِم مَكَانَهُ فَلَمْ يَبْرَح أَي تَلَبَّد بالأَرض، وَقِيلَ: هُوَ أَن يَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ؛ قَال … (لسان العرب)
- ترسل: رسل: الرَّسَل: القَطِيع مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَرْسَال. والرَّسَل: الإِبل، هَكَذَا حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ مِنْ غَيْرِ أَن يَصِفَهَا بِشَيْءٍ؛ قَالَ الأَعشى: يَسْقِي رِيَاضًا لَهَا قَدْ أَصبحت غَرَضاً، ... زَوْراً … (لسان العرب)
- تشهده: شهد: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الشَّهِيدُ. قَالَ أَبو إِسحق: الشَّهِيدُ مِنْ أَسماء اللَّهِ الأَمين فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ: وَقِيلَ الشهيدُ الَّذِي لَا يَغيب عَنْ عِلْمه شَيْءٌ. والشهيد: الْحَاضِرُ. وفَعِيلٌ مِن … (لسان العرب)
- جاورته: جور: الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ … (لسان العرب)
- جنبه: جنب: الجَنْبُ والجَنَبةُ والجانِبُ: شِقُّ الإِنْسانِ وَغَيْرِهِ. تَقُولُ: قعَدْتُ إِلَى جَنْب فُلَانٍ وَإِلَى جانِبه، بِمَعْنًى، وَالْجَمْعُ جُنُوبٌ وجَوانِبُ وجَنائبُ، الأَخيرة نَادِرَةٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، … (لسان العرب)