العشاق الثلاثة

الشاعر: علي محمود طه · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل

«العشاق الثلاثة» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

سرى القمر الوضّاح بين الكواكب ... يفكّر فيما تحته من غياهب

فناداه من وادي الخليّين هاتف ... بصوت محبّ في الحياة مقارب

يقول له : يا روعة الحسن و الصّبا ... و أجمل أحلام اللّيالي الكواعب

أنا العاشق الوافي إذا جننّي الدّجى ... و راعيك بين النّيرات الثّواقب

ألا ليتني حرّ كضوئك أرتقي ... عوالمك الملأى بشتّى العجائب

و يا ليت لي كنز ابتسامتك التي ... تبعثرها في الكون من غير حاسب

*** ... فاصغي إليه الضّوء في صفو جذلان

و أضفى على الوادي شعاع حنان ... و جاس خلال السّحب و الماء و الثّرى

فلم ير في أنحائها وجه إنسان ... فصاح به : يا صاحبي ضلّ ناظري

فأين ترى ألقاك أم كيف تلقاني ... فأوما له إنّي هنا تحت شرفتي

وراء زجاجيها أخذت مكاني ... أبى البرد أن أستقبل اللّيل قائما

و أن أنزل الوادي بحيث تراني ... و حسب الهوى من عاشق لك وامق

تزوّد عيني من سنا ضوئك الحاني ! ... ***

فألقى عليه الضّوء نظرة حائر ... و أعرض عنه بابتسامة ساخر

و قال له : يا صاحبي قد جهلتني ... و يا ربّ شعر ساقه غير شاعر

أنا الموثق المكدود طالت طريقه ... طريق أسير في رعاية آسر

تجاذبني طاحونة الشّمس كلّما ... وقفت و تمضي بي سياط المقادر

و ما بسمتي إلا دموع من اللّظى ... قد التمعت في وجه سهمان حاسر

فدع عنك يا أعجوبة الحبّ عالمي ... فقبلك لم يلق الأعاجيب ناطري !

*** ... و أمعن في تفكيره القمر الزّاهي

فمر بارض ذات عشب و أمواه ... يناجيه منها عاشق ذو ضراعة

مناجاة صوفيّ لطيف إله ... بقول له : يا مشهدي كلّ ليلة

على أنّه في النّاس من غير أشباه ... و ترسم لي الأشباح طيف خياله

فأدنو لضمّ أو للثم شفاه ... تمنّيت لو وسّدت خدّك راحتي

و صدرك خفّاق ، و جفنك ساهي ... ***

فرفذ على الوادي الشّعاع طروبا ... و ناداه من بين الظّلال مجيبا :

أزح هذه الأغصان عنك لعلّني ... أصافح و جها ، من هواك حبيبا

فجاوبه : يا قرّة العين إنّني ... قد اخترت من شطّ الغدير كثيبا

إذا أتعبت عيني السّماء تطلّعا ... و خالست احظا للنّجوم مريبا

ففي صفحات الماء نهزة عاشق ... يراك على بعد المزار قريبا

خلوت به ، أرعاك أو في قسامة ... و أوفر من سحر الجمال نصيبا !

*** ... فغاض ابتسام الضّوءمن فرط حيرة

و صاح : نجييّ أنت حقّرت سيرتي ... هو الكون مرآتي ، و مجلى مفاتني

و ما لغدير أن يمثّل صورتي ... و ما نظر العشّاق إلاّ لعالم

يعظّم في المعشوق كلّ صغيرة ... أعيذ الذي شبّهتني بجماله

أديم محيّا مثل صمّاء صخرتي ... أنا الفحمة البيضاء إن جنّني الدّجى

أنا الحمّة السوداء ، رأد الظهيرة ... فدع عالم الأفلاك و اقنع بلجّة

و غازل من الأسماك كلّ عزيرة ! ... ***

و بينا يهيم الضّوء في سبحاته ... و قد وعظ هذا الكونفي سخرياته

رأى شبحا في قرب نار كأنّما ... يودّع طيفا غاب عن نظراته

يمدّ ذراعيه ، و يرسل صوته ... بلوعة قلب في نبراته

إلى القمر السّاري محيّاه شاخص ... كصاحب نسك غارق في صلاته

فحام عليه الضوء و استمهل الخطى ... و أجرى سناه الطّلق في قسماته

و صاح به : يا شيخ ما أنت قائل ... تكلّم ! فإنّ اللّيل في أخرياته

*** ... فقال له : يا باعث الحبّ و المنى

سلمت و حيّتك العوالم و الدّنى ... شفيت جوى شبخ أحبّك يافعا

و عاش بهذا الحبذ جذلان مؤمنا ... و أفنيت عمري أرتقي عالي الذّرى

إلى أن بلغت اليوم مثواي ههنا ... و أوقد ناري كي تراني و أنثني

لأطلق ألحاني ، و أدعوك موهنا ... و قيل ضنين لا يجود بوصله

فهأنذا ألقاك يا ضوء محسنا ... تساوت كلاب تنبح البدر ساريا

و نوّام ليل أنكروا آية السنا ! ... ***

فحدّق فيه الضّوء و ارتد مغضبا ... و قال له : أفنيت في سخفك الصّبا

و لمّا ترح جفنا من السّهد متعبا ... و سخرية بالنّار ، أن تتفرّبا

كأنّ شعاعي في جفونك قد خبأ ... و من عبث مثواك في هذه الرّبى

على حين لم تبلغ من النّور مرقبا ... و ما كنت إلا ّ الواهم المترقّبا

وثالث عشّاق بهم ضقت مذهبا ... و كانوا لأمثال الخليذين مضربا

فوا أسفا ، ما كنت في الدّهر مذنبا ... فأجزي بنجوى من تعشّق أو صبا

و ساق على حبذي الدليل المكذّبا ... سل العاصي الهاوي من الخلد هل نبا

به اللّيل لمّا آثر الأرض و اجتبى؟ ... أ أبصر قلبي الدّجنّة كوكبا

أضاء له الدّرب السّحيق المشعّبا ... و هل في سنا غيري تملّي و شبّبا

بحواء و اهتاج اليراع المثقّبا ... حويتهما روحا طريدا معذّبا

فذاب حيائي منهما ، و تصبّبا ... و أورثني هذا الشّحوب ، و أعقبا

رأيت فمّا يدنو ، و وجها تخضّبا ... و صدرا خفوقا فوق صدر توثّبا

غرائز فيها الغيّ و النقص ركّبا ... تلمّس في ضوئي الأثام المحبّبا

فيا شيخ دع هذا الوشاح المذهّبا ... تر الحمأ المسنون في الكأس ذوّبا

طفا الرّاح فيه ، و التراب ترسّبا ... و إنّ كلاب الأرض أشرف مأربا

ينير لها ضوئي الظّلام لتجنبا ... خطى اللصّ يستار الطّريق المحجّبا

فإن نبحت ضوئي ، تسمّعت معجبا ... بأرخم لحن ، رنّ في اللّيل مطربا

تحيّة مثن بي أهلّ مرحّبا ... بني آدم ، إن لم يكن آدم الأبا

رجوت لكم من عالم الرّجس مهربا ... و آثرتكم بالكلب جدّا مهذّبا

و أجمل بالإنسان أن يتكلّبا ... و مال عن الأرض الشّعاع و غرّبا

و وسوس فس صدر الدّجى فتألّبا ... ***

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الكواعب: وعب: الوَعْبُ: إِيعابُكَ الشيءَ فِي الشيءِ، كأَنه يأْتي عَلَيْهِ كلِّه، وَكَذَلِكَ إِذا اسْتُؤْصِلَ الشيءُ، فَقَدِ اسْتُوعِبَ. وعَبَ الشيءَ وَعْباً، وأَوْعَبه، واسْتَوْعَبه: أَخَذَه أَجْمَعَ، واسْتَرَطَ مَوْزَةً فأَوْعَب … (لسان العرب)
  • النيرات: نير: النِّيرُ: القَصَبُ وَالْخُيُوطُ إِذا اجْتَمَعَتْ. والنِّيرُ: العَلَمُ، وَفِي الصِّحَاحِ: عَلَمُ الثَّوْبِ ولُحْمته أَيضاً. ابْنُ سِيدَهْ: نِيرُ الثَّوْبِ عَلَمُهُ، وَالْجَمْعُ أَنْيارٌ. ونِرْتُ الثَّوْبَ أَنِيرُه نَ … (لسان العرب)
  • الوافي: وفي: الوفاءُ: ضد الغَدْر، يقال: وَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى؛ قال ابن بري: وقد جمعهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ في بيت واحد في قوله: أَمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِه كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها وَفَى يَفِي وَفاءً … (لسان العرب)
  • الوضاح: وضح: الوَضَحُ: بياضُ الصُّبْحِ والقمرُ والبَرَصُ والغرةُ والتحجيلُ فِي الْقَوَائِمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَلوان. التَّهْذِيبُ: الوَضَحُ بَيَاضُ الصُّبْح؛ قَالَ الأَعشى: إِذْ أَتَتْكُمْ شَيْبانُ، فِي وَضَحِ الصُّبحِ، .. … (لسان العرب)
  • تبعثرها: بعثر: الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ؛ قَالَ: خَرَجَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وخروج الموتى بعد ذلك؛ قَالَ: وَهُوَ مِنْ أَشراط السَّاعَةِ أَن تُخرج الأَرض أَفْلَاذَ كَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • إلى قمة الزمن الغابر
  • كَأْسُ الْخَيَّامِ
  • قصيدة
  • قصيدة