لنْ تستطيعَ لأمرِ اللهِ تعقيبا
الشاعر: ابن دريد الأزدي · البحر: البسيط
«لنْ تستطيعَ لأمرِ اللهِ تعقيبا» من شعر ابن دريد الأزدي، من العصر العباسي، وتقع في 35 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لنْ تستطيعَ لأمرِ اللهِ تعقيبا ... فَاسْتَنْجِدِ الصَّبْرَ أَوفَاسْتَشْعِرِ الحُوبَا
وافْزَعْ إِلَى كَنَفِ التَّسْلِيمِ وَارْضَ بِمَا ... قَضَى المُهَيْمِنُ مَكْرُوهاً ومَحْبُوبَا
إِنَّ العَزَاءَ إِذَا عَزَّتْهُ جَائِحَة ٌ ... ذَلَّتْ عَرِيكَتُهُ فَانْقَادَ مَجْنُوبَا
فإنْ قرنتْ إليهِ العزمَ أيَّدهُ ... حتَّى يعودَ لديهِ الحزنُ مغلوبا
فَارْمِ الأَسَى بِالأُسَى يُطْفِي مَوَاقِعَهَا ... جمراً خلالَ ضلوعِ الصَّدرِ مشبوبا
منْ صاحبَ الدَّهرِ لمْ يعدمْ مجلجلة ً ... يظلُّ منها طوالَ العيشِ منكوبا
إنَّ البليَّة َ لا وفرٌ تزعزعهُ ... أَيْدِي الحَوَادِثِ تَشْتِيتاً وتَشْذِيبَا
وَلاَ تَفَرُّقُ أُلاَّفٍ يَفُوتُ بِهِمْ ... بينٌ يغادرُ حبلَ الوصلِ مقضوبا
لَكِنَّ فُقْدَانَ مَنْ أَضْحَى بِمَصْرَعِهِ ... نُورُ الهُدَى وبَهَاءُ العِلْمِ مَسْلُوبَا
أَوْدَى أَبُو جَعْفَرٍ والعِلْمَ فَاصْطَحَبَا ... أَعْظِمْ بِذَا صَاحِباً إِذْ ذَاكَ مَصْحُوبَا
إِنَّ المَنِيَّة َ لَمْ تُتْلِفْ بِهِ رَجُلاً ... بَلْ أَتْلَفَتْ عَلَماً لِلدِّينِ مَنْصُوبَا
أَهْدَى الرَّدَى لِلثَّرَى إِذْ نَالَ مُهْجَتَهُ ... نجماً على منْ يعادي الحقَّ مصبوبا
كانَ الزَّمانُ بهِ تصفو مشاربهُ ... فالآنَ أصبحَ بالتَّكديرِ مقطوبا
كَلاَّ وأَيَّامُهُ الغُرُّ الَّتِي جَعَلَتْ ... للعلمِ نوراً وللتَّقوى محاريبا
لاَ يَنْسَرِي الدَّهْرُ عَنْ شِبْهٍ لَهُ أَبَداً ... مَا اسْتَوْقَفَ الحَجُّ بِالأَنْصَابِ أُرْكُوبَا
أَوْفَى بِعَهْدٍ وأَرْوَى عِنْدَ مَظْلَمَة ٍ ... زنداً وآكدَ إبراماً وتأديبا
منهُ وأرصنُ حلماً عندَ مزعجة ٍ ... تغادرُ القلَّبيَّ الذهنِ منخوبا
إذا انتضى الرَّأيَ في إيضاحِ مشكلة ٍ ... أَعَادَ مَنْهَجَهَا المَطْمُوسَ مَلْحُوبَا
لا يعزبُ الحلمُ في عتبٍ وفي نزقٍ ... ولا يجرِّعُ ذا الزَّلاَّتِ تثريبا
لا يولجُ الَّلغوُ والعوراءُ مسمعهُ ... وَلاَ يُقَارِفُ مَا يُغْشِيهِ تَأْنِيبَا
إنْ قالَ قادَ زمامَ الصِّدقِ منطقهُ ... أَوْ آثَرَ الصَّمْتَ أَوْلَى النَّفْسَ تَهْيِيبَا
لقلبهِ ناظراً تقوى سما بهما ... فأيقظَ الفكرَ ترغيباً وترهيبا
تَجْلُو مَوَاعِظُهُ رَيْنَ القُلُوبِ كَمَا ... يجلو ضياءُ سنا الصُّبحِ الغياهيبا
سِيَّانَ ظَاهِرُهُ البَادِي وبَاطِنُهُ ... فَلاَ تَرَاهُ عَلَى العِلاَّتِ مَجْدُوبَا
لا يأمنُ العجزَ والتَّقصيرَ مادحهُ ... ولاَ يَخَافُ عَلَى الإِطْنَابِ تَكْذِيبَا
ودَّتْ بقاعُ بلادِ اللهِ لوْ جعلتْ ... قَبْراً لَهُ فَحَبَاهَا جِسْمُهُ طِيبَا
كَانَتْ حَيَاتُكَ لِلدُّنْيَا وسَاكِنِهَا ... نُوراً فَأَصْبَحَ عَنْهَا النُّورُ مَحْجُوبَا
لوْ تعلمُ الأرضُ ما وارتْ لقدْ خشعتْ ... أقطارها لكَ إجلالاً وترحيبا
كنتَ المقوِّمَ منْ زيغٍ ومنْ ظلعٍ ... وفَّاكَ نصحاً وتسديداً وتأديبا
وكنتَ جامعَ أخلاقٍ مطهَّرة ٍ ... مهذَّباً منْ قرافِ الجهلِ تهذيبا
فإنْ تنلكَ منَ الأقدارِ طالبة ٌ ... لَمْ يُثْنِهَا العَجْزُ عَمَّا عَزَّ مَطْلُوبَا
فَإِنَّ لِلْمَوْتِ وِرْداً مُمْقِراً فَظِعاً ... على كراهتهِ لا بدَّ مشروبا
إنْ يندبوكَ فقدْ ثلَّتْ عروشهمُ ... وأصبحَ العلمُ مرثيًّا ومندوبا
ومنْ أعاجيبِ ما جاءَ الزَّمانُ بهِ ... وقدْ يبينُ لنا الدَّهرُ الأعاجيبا
أنْ قدْ طوتكَ غموضُ الأرضِ في لحفٍ ... وَكُنْتَ تَمْلأُ مِنْهَا السَّهْل َوالُّلوبَا
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التسليم: سلم: السَّلامُ والسَّلامَةُ: الْبَرَاءَةُ. وتَسَلَّمَ مِنْهُ: تَبَرَّأَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: السَّلامة الْعَافِيَةُ، والسَّلامةُ شَجَرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، مَعْنَاه … (لسان العرب)
- الحوبا: حبأ: الحَبَأُ عَلَى مِثَالِ نَبَإٍ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: جَلِيسُ المَلِك وخاصَّته، وَالْجَمْعُ أَحْباء، مِثْلُ سَبَبٍ وأَسْبابٍ؛ وَحُكِيَ: هُو منْ حَبَإِ المَلِكِ، أَي مِنْ خاصَّته. الأَزهري، اللَّيْثُ: الحَبَأَةُ: لوْحُ … (لسان العرب)
- ضلوع: ضلع: الضِّلَعُ والضِّلْعُ لُغَتَانِ: مَحْنِيّة الْجَنْبِ، مُؤَنَّثَةٌ، وَالْجَمْعُ أَضْلُعٌ وأَضالِعُ وأَضْلاعٌ وضُلوعٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: وأَقْبَلَ ماءُ العَيْنِ مِنْ كُلِّ زَفْرةٍ، ... إِذا وَرَدَتْ لَمْ تَسْتَطِعْها ا … (لسان العرب)