هواجس عيسى
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
يصطخب القطار في طريقه الطويلفي نفق الظلمة نحو مطلع النهار
وددت لو يموت عنا ذلك النهاروددت لو ينحرف القطار
عن دربه المشؤوم(آه أيها الجنون
يهوّم الأطفال في تراقص الظلالوتغرق النسوة في السكون،والرجال
يغفون في غير مبالاة ويحلمونحلمهم المألوف....)
فوق الخشب الباردوالمعدن الصليب أطوي جسمي الراعد
يداي تجمدان في الكبل وتبكيانوالحارسان لا يكفّان يحدّقان
في وجهي العليللا أعرف الشكوى ولا يدهشني العدمْ
لكنْ على قلبي تدوس صخرة الألمْويهبط العالم باكتئابه الثقيل.
يخفي المسافرونوجوههم في صفرة الظلّ ويحلمون
بالغد.. الرجال متعبون يحلمونبالبيع والشراء والفاقة والثراء
والأهل والبنين والوداع واللقاءوضحكة المستقبلين آخر الطريق
ولحظة فلحظة يخنقني صمتيوساعة فساعة أنظر في احتضار
أنظر من نافذة القطارالى البراري واشتباك الليل والقفار
وغامض النجوم والزوابع الدكناءتُسقى من الرمال،أصغي بلا رغبة
الى صدى الرياح،أو سهم من الصياحيطلقه القطار في سكينة الجواء
وساعة فساعة أنظر في وجومالى البراري والمحطّات..أفي سبات
أنا؟ أمنْ عالمي انتُزعت ؟ ما أزالأراقب الأشباح..أشخاصاً يلوّحون
يعدون يضحكون يصعدون ينزلونكأنهم ليسوا سوى أشباح ذكريات
كأنهم ليسوا سوى حشد من الظلالفي حلم غريب.
الحارسان ما يزالان يدخّنانويلفظان كلمة ثمّ يعاودان
صمتهما الكئيبوجهي إلى القفار
أنظر في البعيدأنظر مشدوداً إلى الموت الى الحياة
محترقاً وحالماً بالموت والحياة* * *
كنت اغنيك اذا اشتقت الى الغناءوأذخر الحنين للربيع والشتاء
كنت أمنّي الحبّ بالزواج ، والسهادما كان يشجيني ، بلى، والليل إذ يطول
كنت أحسّ في مداه فرح الحياةوكنت في كلّ مساء أشهد الزهور
في المعرض الجميل كم وقفت للزهورفي ذلك الطريق كم سعدت بالعبور
مفكّراً في بيتنا :سأغرس الزهورفي كلّ صوب منه ، بل سأشتري بذور
أغرسها حديقة صغيرة ، تحوممن حولها الطيور
أبكيك للحلم الذي بدّده الحديدللأمل البعيد
للضحك والبكاء للصحة والمرضْللحبّ للحبّ الذي ليس له عوضْ
أبكيك مأسور طريق ماله رجوعلاتنفع الدموع
الا اذا أحرقت الأوهام..تسعدينبعدي ولا تنكرك المرآة..الحياة
حظّك والشباب: حاذري السنينوابتسمي للشمس ، إنّ الأفق الحزين
ينكره الصباح : وانسي ما ستذكرينأحبّ أن أعرف ما (وتسمحين)
أسماء أطفالك..لن أضعف..الحياةخلفي..وليس بعد الا منظر الصخور
والقفر والفضاء والغبار والكلابوالوهج المحرق والأقفال والسياط
في عالم من السدود تفتح القبورللخارجين منه للعذاب باب
وللفناء بابلا تستطيع الأمهات طرقه. يموت
رجع الصدى عنه وينأى طائف النداءستنطوي السنون ثمّ تنطوي السنون
ويطبع التقويم مرات بلا حسابويكبر الصغار..والشيوخ يهلكون
وتهدم الدور التي تهرم والأشجارتسقط والشوارع الحمراء تستطيل
وتختفي الأصوات والألوان والرسومعن صخب يولد أوتوهّج جديد.
وأخوتي الصغار ربما سيقرأونفي كتبي يوماً،وأمي ربما تكون
عمياء..(ياويحي!فدى عينيك إذلالي!وثقل أغلالي
للسجن ماولدتِ.هل يسعدك الولادلو كنت تدرين بما قُدّر من حداد
لكلّ أمّ تلد الإصرار؟تذكرين
أني عصيّ الدمع..أني صامت العيونفالآن!..)
الآن يدقّ قلبي الحطيمدقّاً..يكاد يحطم الضلوع من جنون
الآن كالكلب أقاد !صامت الشفاهكالهالك الموبوء لا يقربني إنسان
تنزلق العيون بالوحشة عن وجهيوترمق الكبول في خوف وفي سكون
ما أغرب الكبول! كم رأيت مجرمينمن قبل يُدفعون في الدروب، يخفرون
في زحمة القطار يدخلون في السجون!ما ملمس الحديد مثل منظر الحديد
وحزّه الأليم في اللحم وفي العروقليس له من صفة تُروى ولا شبيه
وليس من شبيهلرعدة الصقيع،حين يمنع الحديد
يديك،أو يضرب رسغيك ليهدالو أنّ لي يدين تقطران بالدماء
لو أنّ لي يدين تنضحان بالسموملو أنّ لي يدين عبدتين
للغشّ والخداعفقد تقرّان على قيدهما الصديء
لكنني بريء!وليس في صدري سوى حبّ وعنفوان!
لست أخاف غير أن يهدّم الزمانمن هيكلي ما لم يهدّمْ ثقل الصخور
أن يشحب البريق في النظرة،والوهجْفي الصوت،والقوّة في اليدين!أن أنوء
بالشوق والفكرةأموت مرّتين! لا أموت مرّتين
تعول أعماقي أسىً أيّتها الحياة !أريد أن أهواك رغم السوط والسلاح
والمعول الثقيل والشتائم المرّةأريد أن أبقى على الحبّ..أأستطيع
بعد قبول النور ؟لو أرجعني الطريقيوماً إلى الدنيا وقد أدركني المشيب ؟
يداي تجمدان في الكبل وتبكيان.هل تألفان الكبل يوماً ما ؟ أتنسيان
عذوبة الكتاب وانتفاضة القلمْوهزّة الحماس وانبساطة السلام
إن كان لا بدّ من الضمور والألمْأن كان لا بدّ من التشوّه البطيء
أريد أن تُصلب كفّاي وتكفراأريد أن أرى
يديّ قبضتين، صخرتين، صلدتينبلى ! ولا أريد أن أظلم في الظلام
* **محطّة موحشة، نوافذ القطار
تُفتح، والباعة يعرضون للعيونأطباقهم، وبعض أعراب مسافرين
يندفعون الآن إنّهم يحدّقونفي عيني اليسرى(وقد ضُربتُ في الصباح
أمس !)وينظرون في مقت وفي قسوةإلى يديّ ! (أيّ شيء يجذب العيون
في حلق الحديد ؟)فيمَ تقطبون
لنظرة منّي ؟وكيف كيف تفهمونأني امرؤ صديق ؟
أنا لكم حزينلا تلهب الشمس أغانيكم، ولا الرياح
تسقط أوراقكم الذابلة الصفراأنا لكم حزين
إذا تذكّرت غداً وضاءة الصباحوموتكم فيه، فقد تحزنني الذكرى
* * *أربع ساعات وسوف يشرق النهار
إلاّ على قلبيتراكم الغبار
والحارس الجالس في صمت إلى جنبييغلق في فضاضة نافذة القطار
عليّ أن أنام، لا أحبّ أن أطيلتامّل الوجوه
إيه ! أحسّ جهشة الأعماق من نفسيما أطول الطريق !
ما أبعد العالم !ما أغربه كلّه* * *
أعرفه ، فهو طريق موحش سحيقولم تكدْ تبتدىء الرحلة ..
عن القصيدة
«هواجس عيسى» من شعر محمود البريكان، وتقع في ٨٧ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.