قصر الجزيرة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
قِفْ بالجزيرة وارْقُبْ حالَ مَنْ بانوافللديارِ كما للنَّاس وجدانُ
زالوا وما زالَ باقٍ مِن مآثرهموناطقٌ بالفخارِ الجمِّ مُزْدانُ
بكى طويلًا وجارِي «النيل» يُسعفهُبالدَّمع، وَهْوَ أمامَ النهر ظمآنُ
في وحشةِ الصَّمْت لا الأنوارُ ضاحكةٌفيهِ، ولا تُسعِفُ الآذانَ ألحانُ
وللنَّدَى من دُموع الفجرِ مُدَّكرٌكانت تُرطِّبُ حُسنًا للأُلَى كانوا
وللهوى زفرَةٌ أذوتْ بحرقتهاما عاش فيه، وللأحزانِ ألوانُ
وللعيون رثاءٌ مِنْ تفجُّرِهاكأنَّ رشَّاشَها شِعرٌ وتأنانُ
فكم لحاظٍ رأتْ فيها محاسنَهاوكم بجنْبَاتها قد صِيدَ غُزلانُ
وكم صُدُورٍ تجلَّتْ ثمَّ بللهاعَبْثُ الشبابِ كأنَّ الحبَّ جنَّانُ
يا قصرُ لا كنتَ صَدَّاح الجنان إذالم ترثكَ اليوم أطيارٌ وأفنانُ
والحورُ في غربةٍ طالتْ وفي جزعٍكما تيتَّمَ بَعد البين لهفانُ
مرَرْنَ يسألنَ باكي الحسن هل أثرٌلحسنهنَّ به يهواه إنسانُ
فَكمْ جرَرْنَ ذيولَ الوشي عاطرةًفزدْنَ إتقانَ فنٍّ فيه إتقانُ
وكم سطعن وكم داعبْنَ كلَّ سَنًىوكم رقصْنَ فماد الفُلُّ والبانُ
كسيْنَ حُسنكَ حُسنًا لا فناءَ لهحتى فُجِعْتَ فهنَّ بَعد مَنْ هانوا
وأين «إيوانُ كسْرَى» منك في عجبٍ؟وأين من مجمع الإيناس «غمدانُ»؟
أو «قصرُ جعفرَ» في لذَّاتِ مُبدِعِهِأو عزُّ «قرطبةٍ» في حكم من دانوا
لتنشِد اليومَ أطيارٌ مُعذَّبةٌأشجى الرِّثاءِ الذي ما فيه بهتانُ
كم من أنينٍ لها ما كنتُ أحسبُهُصِدْقًا، ولكنَّ ذكرَى الطير أشجانُ
القلبُ يخفقُ تَحْنَانًا لمسمعهاوالعينُ يجذبها مِنْ فيكَ تَحْنَانُ
وبالسنيِّ من الحصباءِ مِنْ قُبَلٍما لا يزالُ به للحُسْن إحسانُ
فكمْ مشَتْ غانياتٌ فوْقَ ساحتهامشْيَ العروس لها الأقمارُ خلَّانُ
فذهَّبتْ كلَّ ما مسَّتْ إذا خطرتوفضَّضَتْ ما رآها وهو جذلانُ
أين الليالي التي جادتْ بنفحتهاعلى الزمان الذي جادَتهُ أزمانُ؟
وكلُّ نافذةٍ دُرِّيَّة ٌسطعتْوكلُّ مقصورةٍ للخُلد بستانُ
وكلُّ ما مرَّ فيها الصَّفوُ أجمعهوكلُّ ما غاب أتراحٌ وأحزانُ
أين الجمالُ الذي دانتْ لعزتهجلالةُ الملك واسترضتْهُ تيجانُ؟
أين الطبيعة لا تألوك منقبةًوأنت مِنْ حسنها المغريك فتانُ؟
ما بالها عبستْ مِنْ بعد بهجتهاكأنها في سقامٍ ما له آنُ؟
فلا النسيم رقيقٌ في مداعبةٍولا تثنَّتْ براح الزَّهرِ أغصانُ
ولا الشروقُ كريمٌ من جواهرهِولا الغروبُ له تِبْرٌ ومرجان
ولا «المقطم» عَبْرَ «النيل» منتعِشٌيَستجمعُ الأنسَ أضواءً ويزدانُ
يا قصرُ بُحْ بالذي حجَّبْتَ مِنْ سِيَرٍفإنَّ حالكَ للتاريخ عنوانُ
قد عِشت تاجًا لمجدٍ كلهُ عبرٌولم يزل ذكرَهُ دينٌ وإيمان
ما جئتُ أندبُ فيك اللهوَ مندثرًالكنَّ دمعي على العلياء هتَّانُ
مَظاهرٌ لجلالٍ ساسَ صاحبهُمُلكًا، وكان له بأسٌ وسلطانُ
لهفي على مجدِ «إسماعيلَ» مزدحمًامنه على «النيل» أعلامٌ وأعوانُ
بنى بناءً تغالى في جلالتهِوقد يُهَدُّ من الإسرافِ نشوانُ
فللممالك حُسَّادٌ على عِظَمٍمثل الأنام، وللحسَّادِ عدوانُ
جازوا تفانيه في العمران عن شغفٍكما يُثيبُ على الإحسان نكرانُ
واليومَ يا قصرُ مهما بِنْتَ مكتئبًافإنَّ روحَكَ للأرواح ريحانُ
تهشُّ بعد ائتناسٍ عاشقًا أدبيكما يَهشُّ إلى الفنَّان فنَّانُ
وفي ظلالك لي حزنٌ يساورنيوفي سكونك تفكيرٌ وكتمانُ
أنت الأحقُّ بدمعي مِن «طُلَيْطِلَةٍ»فإنَّ غايةَ دمعِ المرءِ أوطانُ
ويا شبابَ بني «مصرٍ» ونعمتهاعشتمْ وعاشت بكمْ «مصرٌ» وإخوانُ
لي وقفة نائبًا عنكم على ظَمأٍحجًّا لجيلٍ له في شأنِنا شانُ
فإنْ ذكرتم كتذكاري مَآثرَهُفابنوا مِن البرِّ ما يخشاه سلوانُ
له حقوقٌ علينا في مَفاخرِنافلن يُغالي بها في الجهدِ عرفانُ
وما الحياةُ بتذكارٍ بلا عملٍإنَّ الحياة تجاريبٌ وبنيانُ
عن القصيدة
«قصر الجزيرة» من شعر أحمد زكي أبو شادي، من العصر الحديث، وتقع في ٤٩ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.