لِمَ اِسوَدَّتِ الدّنيا وَلَم يَكُ غاسِقُ

الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف القاف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لِمَ اِسوَدَّتِ الدّنيا وَلَم يَكُ غاسِقُ ... وَأَظلَمَتِ الآفاقُ حَتّى المَشارِقُ

خَليلي رَعاكَ اللَّه قُل ليَ ما الّذي ... لَقَد صارَ في الدُّنيا فَإنّكَ صادقُ

فَهَل آنَ خِلِّي للقِيامَةِ وَقتها ... وَنَفخٌ بِصورٍ ثمَّ يَصعَقُ صاعِقُ

وَبَعثُ الوَرى وَالحَشرُ ثَمَّ وَإِنّهُ ... تَقومُ لِربِّ العالَمينَ الخَلايِقُ

أَرى الكَونَ مُسوَدّاً أَرى الشَّمسَ لَم تَبِنْ ... أَرى البَردَ لَم يُسفِرْ وَما هُوَ شارِقُ

وَأَنّ نُجومَ الأُفقِ غَير طَوالعٍ ... فَلَم يَبدُ مَسبوقٌ وَلَم يَبدُ سابِقُ

وَأَينَ السّما غَير الظّلام فَلا يَرى ... وَلَو جَدَّ بِالتّحديقِ وَالومقِ وامِقُ

أَزالَت وَإِلّا بِــــالظّلامِ تَحَجَّبَت ... فَما شَأنُها قُل لي فَصدرِيَ ضائِقُ

وَما لي أَرى الأَطوادَ لَيسَت بِحالِها ... فَكَم قَد هَوَى طَودٌ وَكَم دُكَّ شاهِقُ

وَما لي أَرى الأَطيارَ خُرساً وَلَم يَكُن ... عَنِ الصّدحِ وَالتَّغريدِ يَسكتُ ناطِقُ

وَما لي أَراها لا تَطيرُ وَإِنَّها ... وَإِنْ هِيَ قَد قُصّت جَناحاً خَوافِقُ

فَما الخَبَرُ الشّافي خَليلي بِهِ اِشفِني ... فإِنِّيَ بِالتَّحديثِ مِنك لَواثِقُ

فَأَنتَ أَبو الأَخبارِ يَروي صَحيحها ... أَخو الثّقَةِ الثّبتُ الصّدوقُ المصادقُ

وَها لَم أَزَل فيهِ إِلى أَن أَجابَني ... وَأَدمُعُه مِن مُقلَتَيهِ دَوافِقُ

بِصَوتٍ خَفِيٍّ قَد يدقّ سَماعهُ ... إِجابَةَ باكٍ وَهوَ بِالدّمعِ شارِقُ

وَقالَ نَعَم أَودى خَليفةُ مالِكٍ ... وَمالِكُ هَذا العَصرِ مَن لا يسابقُ

إِمامُ ذَوي التّحقيقِ قدّمَ فيهِمُ ... وَتَقديمُهُ فيهِم عَلَيهِ تَوافَقوا

وَجيهِ أُولي التّدقيقِ وَهوَ أَميرُهُم ... لَهُ نشرَت فيهِم لَديهِ البَيارِقُ

تَأَمَّر فيهِم بِالعلومِ وَضَبطِها ... وَأَبرزَها كَيفَ اِقتَضَتها الحَقائِقُ

تَأَمَّر حتّى أَن تَسمّى الأمير في ال ... وَرى وَعَلى التلقيبِ فيهِ تَصادَقوا

هُوَ الشّمسُ شَمسُ الدّين وَالهدى ضوؤها ... فَكَم فيهِ أُفقٌ قَد أَضاءَ وَخافِقُ

وَكَم قَد مَحا جنحاً مِنَ الجَهلِ داجِياً ... فَزالَ وَلَم يَظهَر مِنَ الجَهلِ غاسقُ

سَمِيُّ أَجَلِّ المُرسَلينَ محمّدٍ ... عَلَيهِ صَلاة اللَّهِ ما لاحَ بارِقُ

هوَ البحرُ عِلماً عنهُ حَدِّثْ مُبالِغاً ... فَأَنتَ عَلى التّحديثِ عنهُ مُوافَقُ

هُوَ الحَبرُ ينبوعُ المَعارِفِ رائِقاً ... عَلى سَطحهِ ماءُ المَعارِفِ دافِقُ

هوَ العالِمُ النّحريرُ وَالجَهبذُ الّذي ... عَلى كُلّ نحريرٍ سَما هوَ فائِقُ

هُوَ العَلَمُ المَشهورُ في كُلِّ جانِبٍ ... فَلَيسَت تَفوقُ الغَرب فيهِ المَشارِقُ

وَخَيرُ شُهودِ المَرءِ بِالفَضلِ في الوَرى ... وَعِندَهمُ فيِه اِشتِهارٌ يُطابِقُ

تَصَدَّرَ لِلتأليفِ مِن زَمَنِ الصِّبا ... وَدانَت لَهُ فيهِ الصّعابُ الدقائِقُ

تَــــآليفُهُ جَلَّت وَتِلكَ بَديعةٌ ... وَحَلَّت عَلى التّحقيقِ فيها الرّقائِقُ

فَلا فَنَّ إِلّا وَهوَ فيهِ إِمامُه ... وَلا مُشكِلَ إِلّا لَهُ هُوَ سابِقُ

عَلى فَضلِهِ كُلُّ الأَفاضِلِ أَجمَعوا ... وَمِنهُم بِدونِ الخلفِ تَمَّ التّوافقُ

وَقَد أَذعَنوا طُرّاً فَلَم يَأبَ مِنهُمُ ... صَديقٌ صَدوقٌ أَو صَديقٌ مُنافِقُ

وَقَد أَجمَعوا أَن لا يُجارى مسابقاً ... وَأَنْهُ يَحوزُ السّبقَ حينَ يُسابِقُ

وَقَد رَضِيَت مِنهُ سَجاياهُ كلّها ... وَقَلَّ الّذي تُرضيكَ مِنهُ السّلائِقُ

وَطابَ بِحُسنِ الخلقِ وَالخلقِ سيرَةً ... وَصيتاً كَما قَد طابَ مِنهُ الخَلائِقُ

كَجودٍ وَحلمٍ ثمّ حسنِ تَواضُعٍ ... وَفي حُسنِ خلقٍ لِلأَنامِ يخالقُ

وَرَفعِ الأَذى وَالضرِّ وَالنّفعِ شَأنُهُ ... وَقَد أُمِنَتْ في الدّهرِ منه البَوائِقُ

دَعاهُ إِلى الجَنّاتِ داعي إلَهه ... فَلَبّى مُجيباً لَم تَعُقْه العَوائِقُ

وَسارَ يَجدُّ السّيرَ وَهوَ مَشوقُها ... وَيا قُربَ مَقصودٍ لَهُ سارَ تائِقُ

وَقَد ساقَهُ رضوانُ مَولاهُ نَحوَها ... وَيا فَوزَ مَنْ رِضوان مَولاهُ سائِقُ

وَســــارَ إِلى الفِــــردَوسِ أَرِّخ بِجدّهِ ... وَنالَ خُلوداً وَالنبيَّ يُرافِقُ

وَبُشراهُ بِالفَوزِ العَظيمِ وَإِنَّهُ ... يُــــجــــاوِرُ مَولاهُ وَلَيسَ يُفارِقُ

وَلَكنّنا فيهِ أَصَبنا مُصيبَةً ... تَجِلُّ كَما قَد عَظمتها الخَلائِقُ

بِها قُصِمَت مِنّا الظّهورُ وَقَد وَهَت ... كَواهِلُنا عَن حَملِها وَعَواتِقُ

قِفا نَبكِهِ حتّى القيامة أَدمُعاً ... تَسيلُ بِها الأَحداقُ وَهيَ زَواهِقُ

وَتَبدو بِها الأَرواحُ صاعِدَةً لَها ... وَتَنزِلُ مِثلَ الودقِ وَالودقُ وادِقُ

وَحقّ عَلَينا أَن تُشَقّ قُلوبُنا ... وَأَكبادُنا لا أَن تُشقّ البَنائِقُ

فَكَم شوهِدَت إِذْ ماتَ مِنهُ كَرامةٌ ... عَياناً وَأَمرٌ لِلعَوائِدِ خارِقُ

فَبَسمَلَ عندَ الغَسلِ أَسمَعَ حاضراً ... وَعِندَ نُزولِ القبرِ وَالنقلُ صادِقُ

فَيا لَيتَهُ يُفدى وَكنّا فِداءَهُ ... وَأَنْ لَم يَكُن مِمّن لَهُ المَوتُ لاحِقُ

وَلَكِنَّما بِالمَوتِ رَبِّيــ قَد قَضى ... وَمَن كانَ ذا نَفسٍ فَلِلمَوتِ ذائِقُ

وَإِنْ كانَ ذاقَ المَوتَ وَالقبرُ حازهُ ... فَما زالَ حَيّ الدّهرَ ما بانَ شارِقُ

فَقَد خَلَّف الصيتَ الحَميدَ وَإِنَّهُ ... لأذفَرُ مِسكٍ مالئ الكَونِ عابقِ

وَمَن عاشَ ذكراً فَهوَ حيّ حَقيقَةً ... وَمَن لَم يَعِش ذِكراً فَذَلك وابِقُ

وَخَلّف فينا نَجلهُ الجهبذَ الّذي ... عَلى فَضلِهِ أَهلُ العُلومِ تَطابَقوا

أَبو العِلمِ رَبّ الفَهمِ بَحر مَعارِفٍ ... أَخو الحِذقِ يَبدو لا يُدانيهِ حاذِقُ

تَصَدَّرَ للتدريسِ وَالنّفعِ بَعدهُ ... تَــــصــــدُّرَ كُفؤ وهوَ أَهلٌ وَلائِقُ

فَأَبدى مِنَ التَّحقيقِ كُلَّ عَجيبَةٍ ... يَعزّ عَلى الأَفكارِ فيها الطرائِقُ

وَجاءَ بِما لَم تَستَطِعهُ أَوائِلٌ ... وَكَم مِن أَخيرٍ لا يُدانيهِ سابِقُ

وَإِن حازَ فَضلاً مِن أَبيهِ فَإِنَّهُ ... وَبُشراكُم سامٍ عَلَيهِ وفائقُ

وَلا غَروَ فَاِبنُ اللّيثِ لَيثُ غَضَنفَرٍ ... وَلا عَجب فَاِبنُ البَواشِقِ باشِقُ

فَيا أَيّها المَولى الّذي قَلَّ مثلُهُ ... فَكالشّمسِ لا مثلَ فَلا فَرق فارِقُ

لَئِن كُنتَ مَولانا أَصبتَ مُصيبَةً ... عَلى هَولِها مِنّا تشيبُ المَفارِقُ

تَذَكَّر بِخَيرِ الرّسلِ أَعلى مُصيبَةٍ ... يَقِلُّ لدَيك الخطبُ إِذْ أَنتَ ضائِقُ

وَصَبراً فَإِنّ الصّبرَ أَليَقُ بِالفَتى ... وَعَن أَجرِهِ مَولايَ يَقصرُ ناطِقُ

وَفيكَ لَنا عَمّن أُصبت أَخا الحجى ... بِهِ خَلف مِنهُ اِستطيبَ الخَلائِقُ

وَأَسأَلُ ربّي اللَّهَ حُسنَ عَزائِكم ... وَإِعظامه أَجراً بِهِ الفضلُ حائِقُ

وَيُسكِنَهُ الفِردوسَ قُربَ جِوارِهِ ... وَفيهِ لَهُ بالدّرِّ تُبنى الجَواسِقُ

وَيَسقِيَ قَبراً ضَمَّهُ غَيثُ رَحمَةٍ ... يُقَلِّبُ فيه وَهوَ في ذاك غارِقُ

مَدى الدّهرِ ما هَبَّتـ رِياحٌ لَواقِحٌ ... وَما أمطَرَت غبّ البروقِ البَوارِقُ

كَذا ما اِبنُ فَتحِ اللَّهِ يَسأَلُ قائِلاً ... لِمَ اِسوَدَّت الدّنيا وَلَم يكُ غاسِقُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • اسودت: سود: السَّواد: نقيضُ الْبَيَاضِ؛ سَوِدَ وَسادَ واسودَّ اسْوِداداً واسْوادّ اسْوِيداداً، وَيَجُوزُ فِي الشِّعْرِ اسْوَأَدَّ، تُحَرَّكُ الأَلف لئلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ؛ وَهُوَ أَسودُ، وَالْجَمْعُ سُودٌ وسُودانٌ. … (لسان العرب)
  • المشارق: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)
  • بالتحديق: حدق: حدَقَ بِهِ الشيءُ وأَحدقَ: اسْتَدارَ؛ قَالَ الأَخطل: المُنْعِمُون بنُو حَرْبٍ، وَقَدْ حَدَقَتْ ... بيَ المَنِيّةُ، واسْتَبْطأْتُ أَنصارِي وَقَالَ سَاعِدَةُ: وأُنْبِئْتُ أنَّ القومَ قَدْ حَدَقُوا بِهِ، ... فَلَا رَيْ … (لسان العرب)
  • بصور: (صَوَرَ) الصَّادُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَبَايِنَةُ الْأُصُولِ. وَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ بِبَابِ قِيَاسٍ وَلَا اشْتِقَاقٍ. وَقَدْ مَضَى فِيمَا كَتَبْنَاهُ مِثْلُهُ. وَمِمَّا يَنْقَاسُ مِنْهُ قَوْلُهُ … (مقاييس اللغة)
  • تبن: تبن: التِّبْنُ: عَصيفة الزَّرْع مِنَ البُرِّ وَنَحْوِهِ مَعْرُوفٌ، وَاحِدَتُهُ تِبْنة، والتَّبْنُ: لُغَةٌ فِيهِ. والتَّبْنُ، بِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ تَبَنَ الدابةَ يَتْبِنُها تَبْناً عَلَفَها التِّبْنَ. وَرَجُلٌ تَبّانٌ: ي … (لسان العرب)
  • رعاك: (رَعَكَ) الرَّاءُ وَالْعَيْنُ وَالْكَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. يَقُولُونَ: الرَّاعِكُ مِنَ الرِّجَالِ: الْأَحْمَقُ. (مقاييس اللغة)
  • شارق: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة