حَنانيكِ ما ذا الهجرُ يا أُمَّ قاسِمٍ
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حَنانيكِ ما ذا الهجرُ يا أُمَّ قاسِمٍ ... فَرِفقاً بِوَلهانِ الفُؤادِ وَهائمِ
وَليني عَلى الوَلهانِ ذي الوَجدِ وَالجوى ... فُؤاداً قَسا كَالصّخرِ لَيسَ براحمِ
فَما بالُهُ تَجفينَهُ وَهوَ سيّدٌ ... كَريمٌ مِنَ الأَمجادِ عين الأكارمِ
نَسيبٌ عَريقُ الأَصلِ طابَ نِجارُهُ ... بُــــنَــــيُّ كِــــرامٍ في الورى وكرائمِ
وَجيهٌ جَليلٌ في العُيونِ مُوقَّر ... جَميلٌ وَسيمُ الوَجهِ لَيسَ بِجاهمِ
شُجاعٌ تَربّى في الوَغى وَهوَ ضَيغم ... تَذِلُّ لَهُ خَوفاً أُنوفَ الضّياغمِ
يكرُّ عَلى الآسادِ لا يرهبُ الرّدى ... وَيَسطو قَسيَّ القَلبِ سَطوةَ ظالِمِ
يَظنُّ إِذا ما كَرَّ أَن لَيسَ خلفهُ ... طَريقٌ بِهِ يَبدو مفرّ لِهاجِمِ
وَيَنقَضُّ كالعقبانِ عندَ اِنقِضاضِها ... فَيَرفَعُ كَفّيهِ بِأخذِ الجَماجِمِ
يُعادِلُ آسادَ الوَغى لَو تَجَمّعوا ... بِلا الأَسَدِ الرّئبالِ مُردي الهَياضمِ
أَبي العِزِّ خدنِ المَجدِ فَخرُ بَني العُلى ... عَلِيّ السّجايا بَعضها جود حاتِمِ
فَــــذاكَ هِــــزَبــــرٌ راجِــــحٌ لَو وَزَنــــتَهُ ... مَدى الدّهرِ في الدّنيا بِكلِّ الضّياثمِ
هَصور مهيب يَقصِمُ الظّهرَ صيتهُ ... وَما كلُّ صيتٍ لِلظهورِ بِقاصِمِ
تَخافُ بِهِ الأَطفالُ وَهيَ بِمَهدِها ... وَتهلكُ مِن ذكراهُ حمسُ الجَهاضِمِ
فَيا سَعدَ مَن وافاهُ وَهوَ مُسالِمٌ ... وَيا تَعس مَن وافاهُ غَير مُسالِمِ
يَسيرُ عَلى أَقدامِهِ نَحوَ حَتفِهِ ... وَلَيسَ مِنَ الهَيجا يَعودُ بِسالِمِ
تَــــراهُ إِذا قَد رامَ حَربَ عِداتهِ ... يَقومُ وثوباً مِثلَ وَثبِ الضراغمِ
وَيَــــنــــهَــــضُ ذا جــــدٍّ لأخذِ سلاحِهِ ... بِــــجَزمِ أَخي عَزمٍ بِهمَّةِ حازمِ
وَيَلبَسُ دِرعاً مُحكَماً صنع نَسجها ... وَمَغفرهُ المُزري بِلبسِ العَمائِمِ
فَيُصبِحُ في حِصنٍ حصينٍ فَما بِهِ ... يُؤثّر مِن رمحٍ وَقُضبٍ قَواصمِ
وَيَحمِلُ أَنواعَ الرّماحِ جَميعِها ... فَمِن حَربةٍ تُسقى بِسُمِّ الأَراقمِ
وَسُـــــمـــــرٍ عَــــوالٍ ثــــمّ لُدنٍ عَــــوارتٍ ... يَقلُّ لَعمري مثلها في اللّهاذِمِ
وَجُعبَتُه ما إِن تعدّ سِهامها ... وَما نَصلُها غير القُلوبِ بِطاعِمِ
وَيَحمِلُ أَصنافَ السّيوفِ جَميعها ... فَمِن مُرهَفٍ ماضٍ رسوبٍ وَحاسمِ
وَمِن هندوانيٍّ وَعَضبٍ مُهنّدٍ ... وإِصليتِ قُرضابٍ وَأَمضى الصّوارِمِ
يَخوضُ إِلى الهَيجاءِ بَحرَ كَريهَةٍ ... بِمُعترك الأَبطالِ عِندَ التّصادُمِ
يَموجُ بِفُرسانٍ لُيوثٍ كَواسرٍ ... وَما مِثلُهُ بِالمَوجِ مِن مُتَلاطِمِ
يَصولُ على طِرفٍ أَصيلٍ مُشذَّبٍ ... مِنَ الرّيحِ مَخلوق مقودِ الشّكائِمِ
فَإِنْ يَعدُ شمتَ الريحَ مَسبوقةً بهِ ... وَما غَيرُهُ قَد نالَ سَبقَ النَّسائِمِ
وَمــــا خَــــيلُهُ إِلّا جيادُ أَصائِلٍ ... صَــــوافن غرٍّ مِن هِجانٍ كَرائِمِ
فَمِن أَشهَبٍ صافٍ وَأحمَر رائقٍ ... بِعَرفٍ كَمثلِ الذّيلِ أَسودَ فاحمِ
وَثيج وَعُنجوج شَديدٍ وصلدمٍ ... كَحيلٍ كريمٍ مِن جيادِ الصّلادِمِ
كَــــبــــيــــرٍ ثَلاث واسِع لِثلاثةٍ ... بِطولُ ثَلاثٍ مِنهُ طولُ القَوائِمِ
قَصيرُ ثَلاثٍ لا ذنوب وَسَمحَجٍ ... ذَريــــع وَسَهــــب سَلهب لم يصادمِ
أَغَرّ بِتَحجيلٍ بِغَيرِ يَمينِهِ ... بِحُسنِ تَقاطيعٍ بِأَسنى المَياسِمِ
بِسيّالَةٍ إِن يُسقَ تَشربْ بشربِهِ ... بِثَغرٍ ظَريفٍ وَهوَ حلو المَباسِمِ
بِحُسنِ نَياشينٍ لَها اليمنُ صاحِبٌ ... بِها السّعدُ مَقرونٌ بِخَيرٍ مُلازِمِ
إَذا أَفلتَ الخطّيَّ في القوم طاعناً ... تَراهُ إِذن يَنسابُ مِثلَ الأراقمِ
لَوِ اِصطَفَّ أَلفٌ واحداً خَلفَ واحِدٍ ... وَأَفــــلَتَ ذاكَ الرّمح لَيسَ بِراحِمِ
لَأخرجَ ذاكَ الرّمحَ مِنهم جَميعهم ... وَصَــــيَّرَهم لِلوَحشِ أَهنى الوَلائِمِ
وَلَو أَنّ ذاكَ الألف قَــــد دارَ حَلقَةً ... وَمَــــدَّ لَهُ زنــــداً بــــأبــــيض صارِمِ
لَشِمتَ رُؤوسَ الألفِ منهُ بِضَربَةٍ ... تَطيرُ عَنِ الأَعناقِ نَحوَ النّعائمِ
وَإِنْ يَرمِهمْ بِالنَّبلِ كانَت سِهامُهُ ... تَصبُّ عَلَيهم مِثل وَبلِ الغمائِمِ
وَلَو ضَربت كفّاهُ مِن غَيرِ آلةٍ ... رُؤوسَ العِدى بِالخبطِ فَوقَ العَمائِمِ
لَأَصبَحَ مِن أَقدامِهم نَحوَ سفلها ... يُريكَ بِلا رَيبٍ خُروجَ الجَماجِمِ
كَذاكَ لَعَمري فَليَكُن كلّ فارِس ... وَكُلّ شجاعٍ في الحروبِ مصادمِ
وَلَكِنّه قَد قَلَّ في الدّهرِ مثلهُ ... وَقَد قَلَّ في الدّنيا وُجودُ الضّياغِمِ
فَيا أَيّها اللّيثُ الهمامُ أَبو العلى ... وَيا مَن لَهُ العَلياءُ أَدونُ خادمِ
إِلَيكَ رَعاكَ اللَّه بِنتَ حماسَةٍ ... لَعمريَ مِثلي مثلها غير ناظِمِ
تَذوبُ حَشا الأَعداءِ عندَ سَماعِها ... لِذِكراك فيها يا وَجيهَ الأَعاظمِ
وَتَصفَرُّ مِنهم حينَ تتلى أَنامِل ... وَتحضر فيهِم أُمّهاتُ القَشاعِمِ
فَمُرْ إِن ترُمْ حَربَ الأَعادي بِشَدوِها ... فَلا تَطلب الأَعداء غَير الهَزائمِ
يُوَلّونَ أَدباراً يَضلّونَ في الفَلا ... وَقَد شدَّ حبل الضّيقِ فَوقَ الحَلاقِمِ
يَضيقُ بِهم ضيق السوارِ بِمِعصَمٍ ... يَضيقُ بِهِم ضيقَ البَنانِ بِخاتَمِ
وَضَعها عَلى حِصنٍ وَلَو غير مانِع ... فَتِلكَ لِدَفعِ القَومِ أَسنى التمائِمِ
وَدُم بِأَمانِ اللَّه في كَهفِ حِفظِهِ ... مَعاناً بِعونِ اللَّه رَبِّ العَوالِمِ
مَدى الدّهر ما هَبَّتـ نَسيمٌ من الصَّبا ... وَدامَ عَلى الأَغصانِ شَدوَ الحَمائِمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الولهان: هأن: المُهْوَأَنُّ: المكانُ الْبَعِيدُ، وَهُوَ مِثَالٌ لَمْ يَذْكُرْهُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: لَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ تَرْجَمَةَ هأَن. وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ مُهْوَأَنٌّ: لِلصَّحْرَاءِ الْوَاسِعَةِ، وَوَزْن … (لسان العرب)
- باله: بأل: البَئِيلُ: الصَّغِيرُ النَّحيفُ الضعيفُ مَثَّلَ الضَّئِيل؛ بَؤُلَ يَبْؤُلُ بَآلَة وبُؤُولَة؛ وَقَالُوا: ضَئِيل بَئِيل، فَذَهَبَ ابْنُ الأَعرابي إِلى أَنه إِتباع، وَهَذَا لَا يَقْوَى لأَنه إِذا وُجِدَ لِلشَّيْءِ مَعْ … (لسان العرب)
- براحم: رحم: الرَّحْمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مِثْلُهُ، وَقَدْ رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عَلَيْهِ. وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. والرَّحْمَةُ: الْمَغْفِرَةُ؛ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْقُرْآن … (لسان العرب)
- بولهان: بله: البَلَهُ: الغَفْلة عَنِ الشرّ وأَن لا يُحْسِنَهُ؛ بَلِهَ، بِالْكَسْرِ، بَلَهاً وتَبَلَّه وَهُوَ أَبْلَه وابتُلِهَ كبَلِه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: إِنَّ الَّذِي يَأْمُل الدُّنْيا لَمُبْتَلَهٌ، ... وكلُّ ذِي أَمَلٍ عَن … (لسان العرب)
- حنانيك: حنن: الحَنّانُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الحَنّانُ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، بِمَعْنَى الرَّحِيمِ، قَالَ ابْنُ الأَثير: الحَنَّانُ الرَّحِيمُ بعبادِه، فعّالٌ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُبَالَغَةِ … (لسان العرب)
- شجاع: شجع: شَجُعَ، بِالضَّمِّ، شَجاعةً: اشْتَدَّ عِنْدَ البَأْسِ. والشَّجاعةُ: شِدّةُ القَلْبِ فِي البأْس. ورجلٌ شَجاعٌ وشِجاعٌ وشُجاعٌ وأَشْجَعُ وشَجِعٌ وشَجيعٌ وشِجَعةٌ عَلَى مِثَالِ عِنَبة؛ هَذِهِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي وَهِي … (لسان العرب)