ما الموت وَهوَ يلم بالأخلاف
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ما الموت وَهوَ يلم بالأخلاف ... إلا تراث جدودها الأسلاف
ما زالَ يسقينا دهاقاً كأَسه ... دهر يكدِّر مرة وَيُصافي
شلت يد الساقي فقد دست لنا ... سماً زعافاً في كؤوس سلاف
يا دهر إنك لَم تكن يوماً عَلى ... طول اِصطِحاب بالخَليل الوافي
يا دهر أنت بقتل من أنجبتهم ... أتــــلفت وُلْدك أَيما إتلاف
الكَون بحر تكثر الغَرقى به ... من راسب في قعره أَو طافي
أمّا الَّذي عرف الحَكيم فإنه ... سر عَلى رب الجهالة خافي
يَرجو بقاء حَياته في موته ... وَالمَوت شيء للحياة ينافي
وَلَقَد رأَيت الدهر يرهف سيفه ... فَعلمت ما يَبغي من الإرهاف
دنيا تناقض ما تجيء بنفسها ... كَم مأتم تلقى بها وَزَفاف
وَالمَوت يأَتي هالكاً من نفسه ... كالمَوت يأَتيه من الأطراف
المَوت لَيسَ بتارك أحدا وَقَد ... يُبقي عليه وبعد ذاك يوافي
وَالقحف بعد المخّ قد أَبلى الثرى ... أَجــــزاءه صــــدف مــــن الأصــــداف
رام بقوس للقضاء تعددت ... منها السهام تعدد الأهداف
وَهُناكَ نعمى لَو أَمُرُّ بفيضها ... فأصيب منه للحياة كفافي
اللَيل يعقبه صباح مُثبتٌ ... وَاليَوم يَتلوه مساء نافي
لَم يمنع الأقوام من إذعانهم ... شمم من الأقوام في الآناف
المَوت من حق الحَياة لأهلها ... ما فيه من ظلم ولا إجحاف
لكنما الرزء الملم بأمة ... جلل لفقد الفذّ في الأوصاف
أخذت تعزي النيلَ فيه دجلةٌ ... وَكِــــلاهُــــمــــا ذو مدمع ذرّاف
أَيام إسماعيل لَم تكن اِنتهَت ... بل إنه يحيا عَلى استئناف
ما المَوت للإِنسان إلا نقلة ... وَحياة أَخلافٍ من الأسلاف
ما ماتَت الأسلاف موت حقيقة ... بَل إِنَّها لتعيش في الأخلاف
الموت يوصلنا إِلى دار البلى ... وَلَقَد تكون مقابر الأشراف
ما أَكثر الأشياع للنعش الَّذي ... نَقلوه محمولاً عَلى الأكتاف
أَنا والأسى وَالشعر يوم وفاته ... كنا معا كَثَلاثةٍ أَحلاف
وَلَقَد عددت القبر بعد نزوله ... أحضانه من أَكرم الأكناف
يا قبر إسماعيل إنك كعبة ... ما بالقَليل حجيجها لطواف
العَبقَريَّةــ فيك نازلةٌ فَهَل ... بالعَبقَرية أَنت قل لي حافي
سيف بكف الدهر ماض غربه ... مــــن بــــعــــد ســــلٍّ رده لغــــلاف
قَد كنت تبصر فيه عند لقائه ... ما شئت من أَدب زكا وَعَفاف
يا قبر إسماعيل حولك أُمَّة ... تَبكي أديباً في ظلالك غافي
لَو كنت في مصر اِشتركت وإنما ... بَيني وَبينك أبحر وَفيافي
كانَت بك الآداب تحكي جنة ... غناء بعد تصوُّحٍ وَجَفاف
كنت الهزار لدوحها مترنماً ... يَشدو عَلى اللَيمون والصفصاف
وَيح العنادِل إنها قد أعولت ... في جنة الآداب بعد هتاف
الداء في كبرٍ أمضَّكــ نازِلاً ... بصميم قلبٍ خافق وَشغاف
وَنضا عليك السيف يضرب مجهزاً ... دهر فَلَم تجزع من السياف
إن كانَ داء المرء من أَيامه ... عجز الطَبيب له عَن الإسعاف
بكت العيون عَلى مصابك غمة ... وَبَكَت عليك فصاحة وَقوافي
كبر الَّذين قَد اِستخفوا بالردى ... وَالحر أَجرأَهم عَلى اِستخفاف
طــــر للسماء فرب روح برة ... طارَت بِغَير قوادم وَخوافي
فَهُناكَ قد تلقى فضاء واسعاً ... فيه النجوم تعد بالآلاف
تتصعد الأرواح فَهي خَفيفة ... لكنما الأجساد غير خفاف
يا نفس اسماعيل طيري وارفلي ... فوق الأثير بثوبك الشفاف
وإذا وصلت إلى المَجرَّة فاضربي ... فيها طرافاً فوق كل طراف
إني لآمل يا حمامة نفسه ... أن لا تلاقي أَجدلاً فتخافي
فَهُناك أَقوام لغير تهضُّمٍ ... وَهُناك أَحزاب لغير خلاف
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الفاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مفردات الراغب، لسان العرب:
- الساقي: سَوْقُ الإبل: جلبها وطردها، يقال: سُقْتُهُ فَانْسَاقَ، والسَّيِّقَةُ: ما يُسَاقُ من الدّوابّ. وسُقْتُ المهر إلى المرأة، وذلك أنّ مهورهم كانت الإبل، وقوله: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ [القيامة : 30] ، نحو قوله: ﴿و … (مفردات الراغب)
- الوافي: وفي: الوفاءُ: ضد الغَدْر، يقال: وَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى؛ قال ابن بري: وقد جمعهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ في بيت واحد في قوله: أَمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِه كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها وَفَى يَفِي وَفاءً … (لسان العرب)
- بالخليل: خلل: الخَلُّ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الخَلُّ مَا حَمُض مِنْ عَصير الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نِعْمَ الإِدامُ الخَلُ، وَاحِدَتُهُ خَلَّة، يُذهب بِذَلِكَ … (لسان العرب)
- بقتل: قتل: القَتْل: معروف، قَتَلَه يَقْتُله قَتْلاً وتَقْتالاً وقَتَل به سواء عند ثعلب، قال ابن سيده: لا أَعرفها عن غيره وهي نادرة غريبة، قال: وأَظنه رآه في بيت فحسِب ذلك لغة؛ قال: وإِنما هو عندي على زيادة الباء كقوله: سُودُ ا … (لسان العرب)
- تراث: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ [الفجر : 19] ، أصله: وراث، وهو من باب الواو. (مفردات الراغب)
- تكثر: كثر: الكَثْرَةُ والكِثْرَةُ والكُثْرُ: نَقِيضُ الْقِلَّةِ. التَّهْذِيبُ: وَلَا تَقُلِ الكِثْرَةُ، بِالْكَسْرِ، فإِنها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَقَوْمٌ كَثِيرٌ وَهُمْ كَثِيرُونَ. اللَّيْثُ: الكَثْرَة نَمَاءُ الْعَدَدِ. يُقَالُ: … (لسان العرب)
- جدودها: جدد: الجَدُّ، أَبو الأَب وأَبو الأُم مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَجدادٌ وجُدود. والجَدَّة: أُم الأُم وأُم الأَب، وَجَمْعُهَا جَدّات. والجَدُّ: البَخْتُ والحِظْوَةُ [الحُظْوَةُ]. والجَدُّ: الْحَظُّ وَالرِّزْقُ؛ يُقَالُ: فُلَا … (لسان العرب)