لعل خيال العامرية يخطر
الشاعر: يوسف الثالث · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر يوسف الثالث، من العصر المملوكي، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لعل خيال العامرية يخطر ... بأجفان عان قد براه التستُّر
إذا اهتاج من برْح الغرام غليله ... تداعت شؤون الدمع عنه تُخبر
أباح الهوى منه جُفوناً قريحة ... وقلباً على الأزْمات ما زال يَصبر
فللشوق أكبادٌ تذوب تضرماً ... وللوْجد أجفانٌ بذكرك تُمطر
وغاية ما يَلقاه مِثليَ في الهوى ... وِصالٌ فيهنأ أو حمامٌ فيحذَر
فكم عَزمة للشوق بين جوانحي ... سيبعثها التذكارُ يوماً فتظهر
أفُكّ بها قيد التستر والحيا ... فقد طال ما أكنى عليها وأسفرُ
وفي الصدْر هَمٌّ لو أُبث شكاتَه ... إلى الدَّهر لم أخش الذي أنا أحذر
ولكن أباه عفتي وتجمّلي ... وتأميلُ إعسار الهوى يتيسر
إذا الحب لم يسعف رجائي لوعده ... بدا الحبُّ فوق الجيب مني يسطر
فتستقرئ العذّالُ مني صبابتي ... وسيماء أهل الحب لا شك تُبصر
أزيدُ نحولاً كلما زاد حُبكم ... فها هو معروف وحبي منكر
شقيتُ بمن لو شاء نعم مُهجتي ... بوعد ترجيه لِصدعِيَ يجبر
تضنُّ فليس اللطف منها بِزائر ... وإن كان ذاك الزَّورُ منها مزور
وتشكو بخصر علّم اللين طَرفها ... ورِدْف ظَلوم قَدَّها حين يُهصر
وعذْب ثنايا كالأقاحي تَخالها ... تعلُّ حُمياَ الكأس أو هيَ جَوهر
وصُدْغٍ بصفح الخد ينسابُ نحوه ... كأيم النقا يبغي الورُود فيحذر
وخد بوَرد الرّوض يزري احمرارُه ... حَــــواليــــه للآس الذكــــي تطرُّر
وما تبلغ الأوصافُ فيها وإن غلت ... وكلُّ مَقول في حُلاها مُقصر
لها الوْجه فتانٌ لها العطفُ يزدَهي ... لها القدُّ ميادٌ لها اللحظ يَسحر
به العقل مفقود به الصبر مُعوز ... به القلبُ خَفاق به الجفن يَسهر
وهل هي إلا الشمسُ حسناً وَمنصباً ... ولكنها أنأى وأبهى وأبهر
لها البيت مَشدُوداً طنابَاه بالعلى ... تظل بِمثواه الكواكب تزهر
فإن طرقت يوماً تعرَّض دونها ... من الرعب ما ينسى الحمام المسهر
فليس نجيُّ الفكر منها بحاصل ... سوى كمد مضنى به والتحير
ألفت هواها حين آلفت الجوى ... وأذللتُ فيها النفس علّها تظفر
ولو أنها من غير قصد لراعها ... بان لها بالاً لديَّ ومنظر
ولكنها نفسي ومالي لها الفدا ... بإنسان لحظ العين مني تصور
أسرّ هواها وهو يُبدي قطيعتي ... وأبدي الرضا بالهجر أيان تهجر
سأترك هذا الوجد يتلف مُهجتي ... فإن غريم الشوق لا شك مُعسر
وماذا على عُذرية الوْجد إن تجد ... لأبلجَ وضاح به الثغر يُنصر
أُبخلا علينا ما أرى أم قطيعة ... فعن أي غايات البلا أنتَ تقصر
هنيأ لِليلى غيرَ داء مُخامِرٍ ... ولا مُضمر شكوى لما هي تُظهر
سيقنعني منها النسيم إذا سرى ... بأثنائه سِرُّ لنا مُتستر
عجبتُ لمسراه على بعد داره ... وأني أهتدي لي وْهوَ بي ليس يشعرُ
إذا ما امتطى البرَ اليماني طيفُهُم ... فإن الكرى من خَفق قلبي ينفرُ
يُسهد في ليل بَهيم كفَرعِها ... وميضٌ كثغر بالوصال يبشر
وَنسأل نَجدِيَّ البرُوق تَعلّلاً ... لعلك عن دار الأحبة تُخبر
تَحنّ إلى نجد وقد حال دونه ... طِلابُ المعالي والقضاء المقدَّر
سَفاهاً لعمري أن نُؤمل قُربه ... وقد لك وِرد في لِقاه ومصدر
فإن دمعت عيناك فلتبكِ يوسفاً ... فذاك بموصول المدامع أجدر
إمامٌ له في الصالحات تقدُّم ... وليس له في المعلومات تأخُّر
تولى فولى بعده الأنس وانقضى ... فلا أثر إلا الأسى والتفكر
ومن أجله تشتاق نفسي للحمى ... وأين الحمى مني وأين المشغّر
تعطر ذاك الأفق منه فأودعت ... نسيم الصبا هذا الذكا والتعطر
أقول إذا هبت لدينا بليلةً ... هل المسك مَفتوتاً أم الزهر ينثر
وإلا فمرَّت بالضريح الذي حوى ... ثراه الكريمَ الطاهرَ المتطهرُ
أبى اللّه أن يُلفي لنا الغدر شمة ... ولم أحفظ العهد القديم وأذكر
سلوه فإن الدمع أعدلُ شاهد ... وإن خفوق القلب ما ليس ينكر
أيصبرُ عن نجد فُؤاد متّيم ... وتُنسى ليال بالمصلى وتُكفر
فإن غبتُ عن نجد فليس بغائب ... ضميرٌ يُناجي أو فؤاد يفكر
عسى اللّه أن يشفي فؤاد مُتيَّم ... بملعب آرْ آمٍ به الأسْدُ تزأر
وفتنة ألحاظ أباحت حمى التقى ... وشفافُ ماء الحسن فيهُ مُحيَّر
أعاطيه كأس الحب صِرْفاً وأنه ... على كل حال حالُهُ مُتكدّر
يُشابِه من أشكوه من آل يوسف ... وإن كان أهل الحسن في ذاك أعذر
رأوا كلفي يزداد مهما أهانني ... فقالوا فإنّا بالقطيعة أجدر
فيا أهليَ الأدنَين من آل يوسف ... وإن كنتُ لا أدعو سواكم وأذكر
أسَّركم أني أُحوط مَغيبكم ... وأنتم لسوء القول مِنيَ حُضر
مللتم حياتي وهو عين سَفاهِكم ... وبُؤتْم بإثم ليس فيه تَستر
وألّبتما تبغين أهل سفاهة ... ليلثم ركناً في علاكم يؤثر
وكنتم كمن يبعثْ بظلف دفينه ... ليبدي مُدىً يشقي بها حين ينحر
وقد يحفظُ المرء الكريمُ إخاءه ... ويُلقي عليه الموتُ والموت أحمر
ويصبر للأزمات صبر مُحافظ ... وفاء ليغني خِدْنه وهو مُعسر
فكيف بمن أصفاكُم الودَ كلَّه ... ويدفَعُ عن أعراضكم حين تُذكر
أبوكم أبوه دون ود مُضاعف ... وعطف على مرّ الزمان يُكرَّر
إذا ليلة بالسقم ضاقت جُفونكم ... تبيتُ لها أكبادُه تتسعرُ
فهبكم تناسيتم ذمامي فَما الذي ... دعاكم لذاك القول وهو مُزَوَّر
أأضمرُتم غدراً لإظهاري الوفا ... وأظهرتمُ ضِداً لما أنا أضْمر
ألستم بنا الثكلى إذا حان حَيننا ... وركنكمُ المهدوم حين يُقدَّر
أبوكم صريحُ الأصل لكن إخاؤكم ... لِعلاَّت سوء ليس فيهن خَيّر
بأي سِنان يَتقون إذا ارتموْا ... وليس لهم زَغْفٌ سواك ومِغفر
ومن ذا يُلبي عند موتٍ صريخهم ... لِعضب بمتنيْه المنايا تُصوَّر
فقد علمت في القوم أبناء يوسف ... غداةَ اهتياج الروع أنى المدَمِّر
أدافعُ عن أعراضهم غير عاجز ... وأحمى حماهم والقنا يتأطَّرُ
ولم يُسلني عنهم رِواءٌ يشوقُني ... ولا مَطمحٌ للقلب فيه تفكر
فكان جزائي أن أصيرَ دَريئة ... لأدْرأ عنهم كلَّ ما يُتحذَّر
جزى اللّه من أبناء نصر عِصابةً ... لهم يُحمدُ الفعل الجميل ويُشكر
ولا زال صرفُ الدهر عنهم مُنكباً ... ولا زالت النعمى عليهم تُبكرُ
ومُنِّعتُ منهم بابْنِ أمٍّ وناصِرٍ ... إلى جانبي منهم قَبيلٌ وعَسكر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التذكار: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- التستر: ستر: سَتَرَ الشيءَ يَسْتُرُه ويَسْتِرُه سَتْراً وسَتَراً: أَخفاه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: ويَسْتُرُونَ الناسَ مِن غيرِ سَتَرْ والستَر، بِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ سَتَرْت الشَّيْءَ أَسْتُرُه إِذا غَطَّيْته فاسْتَتَر هُوَ. وتَسَ … (لسان العرب)
- بذكرك: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- براه: برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ … (لسان العرب)
- تخبر: خبر: الخَبِيرُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وخَبُرْتُ بالأَمر[[. قوله: [وخبرت بالأَمر] ككرم. وقوله: وخبرت الأَمر من باب قتل كما في القاموس والمصباح]]. أَي عَلِمْتُهُ. وخَبَرْتُ … (لسان العرب)
- تداعت: دعت: دَعَتَه يَدْعَتُه دَعْتاً: دَفَعه دَفْعاً عَنِيفاً؛ وَيُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وسيأْتي ذِكْرُهُ. (لسان العرب)